Search
728 x 90

اتفاق الطائف او تسوية الدوحة؟

اتفاق الطائف او تسوية الدوحة؟

المأزق اللبناني يفترض على الاقل عقد تسوية سياسية تعيد ترتيب التوازنات وتؤسس للمرحلة المقبلة. فهل لبنان مقبل على اتفاق “الطائف” ام تسوية “الدوحة”؟

على رغم استمرار تركيز المجتمع الدولي على تأليف حكومة في لبنان توقف الانهيار الكارثي للبلاد ، فإن 33 اجتماعاً على الاقل عقدها ثلاثة رؤساء حكومات مكلفين مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بعد استقالة حكومة الرئيس حسان دياب على اثر انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 من دون القدرة على تأليف الحكومة العتيدة.
هذه الاجتماعات توزعت على كل من السفير مصطفى اديب الذي كلف بداية رئاسة الحكومة بعد انطلاق المبادرة الفرنسية التي نصّت على تأليف حكومة اختصاصيين مستقلين بعيداً من الاحزاب السياسية، ولكن اديب ما لبث ان اعتذر بعد 6 لقاءات مع عون في ترجمة لإدراكه صعوبة تأليف حكومة تنسجم والمبادرة الفرنسية.
وحين كلف سعد الحريري تأليف الحكومة فإن مؤشرات عدم نجاحه برزت منذ اللحظة الاولى مع اشهار عون رفضه لهذا التكليف ومعارضته الكتل النيابية في تسميتها للحريري ولجوئه لاحقاً الى كل الوسائل المتاحة لإفشاله على رغم التدخل الفرنسي المباشر بذريعة العداء الذي استحكم بين الحريري وصهر رئيس الجمهورية ورئيس تياره جبران باسيل الذي يعود اليه القرار فعلا بالنيابة عن عون كرئيس جمهورية ظل.
ومنذ تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تأليف الحكومة منذ شهر حتى الان عقد 13 لقاء مباشراً مع عون اضافة الى مكوكية لوسطاء بين الجانبين لعدم زيادة عدد اللقاءات المباشرة وتذليلا لعقبات التأليف ولكن من دون نجاح يذكر بل ان اطلالة اعلامية اخيرة لميقاتي سلطت الضوء على انه في كل ” لقاء نعود الى المربع الاول” في اشارته الى عون.
والكلام على 33 لقاء يعود الى ان رؤساء الحكومة الثلاثة عمدوا الى المقاربة نفسها وتأليف الحكومة لم يكن يبدأ من الصفر بل من حيث انتهى من سبقه. وهو رقم هائل قياساً الى واقع الانهيار والمعاناة الهائلة للبنانيين وتضع كرة العرقلة عملانياً في خانة رئيس الجمهورية وتياره ولو نجح احياناً في تبديد هذا الانطباع برمي الكرة في ملعب الآخرين وتعود العرقلة من حيث المبدأ الى اصرار عون على الحصول على الثلث المعطل لتياره في الحكومة تحسباً لعدم اجراء الانتخابات النيابية في ايار المقبل، وتالياً الانتخابات الرئاسية في خريف السنة المقبلة، ما يعني بقاء الحكومة العتيدة من اجل ادارة البلد حتى من خلال تصريف الاعمال، مما يبقي لفريقه اليد العليا في تقرير الامور وحسم التطورات لمصلحته.
ولكن الاقتناع السياسي الراسخ هو ان عون الذي يتعاطى مع عملية تأليف الحكومة من منطلق اجتهادات دستورية تشكل انقلاباً على اتفاق الطائف في عملية تأليف الحكومة والذي اطيح من قصر بعبدا في العام 1990 حين كان يرأس حكومة عسكرية كلفت ادارة مرحلة انتقالية تمهد لانتخاب رئيس للجمهورية نتيجة رفضه اتفاق الطائف الذي انهى الحرب الاهلية آنذاك، يدفع بالامور الى ازمة كبيرة تمهد لعقد سياسي جديد ينسف هذا الاتفاق.
ويعود ذلك الى مواقف جاهر بها رئيس تياره مراراً حول تعديل الاتفاق بالممارسة ان لم يكن بالنصوص لتعذر ذلك عملانياً، كما حول التعطيل كاستراتيجية عمل للوصول الى ما يريده كما فعل في محطات سابقة كان ابرزها تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية لمدة عامين ونصف حتى انهاك الجميع والقبول بانتخاب عون رئيساً.
والاقتناع السياسي ان عون المتحالف مع ” حزب الله” يلقى دعمه من دون ان يضغط الاخير بأي شكل من الاشكال لاقناع حليفه بتأليف حكومة على خلفية سعي الحزب الى مؤتمر تأسيسي يعيد النظر باتفاق الطائف ويعطي الطائفة الشيعية حصة اكبر في الدولة بالنظر الى الحجم العسكري والواقعي الذي باتت تشكله بالاستناد الى قوة الحزب.
المجتمع الدولي تعاطى حتى الان مع لبنان من زاوية الضرورة الملحة لتأليف حكومة توقف الانهيار المتدحرج واضاف اخيراً الى مطالبه ضرورة اجراء الانتخابات النيابية المرتقبة في موعدها نظراً الى اعتباره انها ستكون محطة اساسية على طريق ادخال تغيير كبير على تحكم الطبقة السياسية التي ادت الى انهيار لبنان.
فلا مؤتمرات دولية او اقليمية متاحة في الافق تتيح الذهاب الى اتفاق كبير على غرار اتفاق الطائف الذي احتاج الى عمل لأعوام مع دول اقليمية وخارجية من اجل الوصول اليه، ولا ارضية متاحة لأي توافقات اقليمية حول ذلك.
فالمأزق اللبناني في ظل ما يتجه اليه يفترض على الاقل عقد تسوية سياسية تعيد ترتيب التوازنات وتؤسس للمرحلة المقبلة. وفيما يسود الاقتناع بأن عون وتياره يسعيان الى اتفاق طائف جديد، يسود اقتناع في المقابل ان ” حزب الله” يسعى الى اتفاق على غرار اتفاق الدوحة الذي تم التوصل اليه في العاصمة القطرية بعد اجتياح الحزب احياء العاصمة بيروت وفرض شروطاً كان من شأنها احداث تعديلات على اتفاق الطائف. وهو يسعى راهناً الى الامر نفسه لإدراكه صعوبة الوصول الى اتفاق على غرار اتفاق الطائف فيما ان اتفاقاً كاتفاق الدوحة يؤمن له ما يريده مرحلة بعد اخرى او خطوة بعد اخرى ولا سيما في ظل الاعتقاد بأن هناك “انتصاراً” كبيراً للمحور الذي ينتمي اليه مع العودة الى العمل بالاتفاق النووي ورفع العقوبات الاميركية عن ايران ومع اعادة انتخاب الرئيس بشار الاسد رئيساً لسوريا مجدداً.
فهذه اوراق يعتبرها مضمونة من اجل الوصول الى تسوية سياسية من المرجح الا تكون متاحة قبل الانتخابات النيابية في حال حصولها، في الوقت الذي من المتعذر البناء منذ الان على نتائج تبدو بمثابة حياة او موت سياسيين لفريق السلطة كما لسائر القوى السياسية.
ولذلك فإن تأليف حكومة راهناً يستند الى محاولة ليّ الاذرع تمهيداً لهذه المرحلة في ظل محاولة تمرير للوقت الفاصل عن موعد الانتخابات بكلفة باهظة جداً، من بينها السعي الى استنزاف الاحتياطي الالزامي في المصرف المركزي في ظل غياب اي حلول في الافق المنظور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات