Search
728 x 90

أين فنّ الدبلوماسية مما يحصل؟

أين فنّ الدبلوماسية مما يحصل؟

إذا كانت الدبلوماسية ترادف “فن المفاوضات والإنصات والتقليل من الحديث” … فإن مفهومها لبنانياً طُعن – ويُطعن – في الصميم في العقود الأخيرة. وليس أكثر دلالة على ذلك سوى المقابلة التي أجراها أخيراً وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال شربل وهبه على قناة “الحرة”، والتي أثارت أزمة دبلوماسية حادة مع المملكة العربية السعودية، مجردة قصر بسترس من هالته التاريخية.

اين الدبلوماسية اللبنانية اليوم مما كانت عليه حتى قبل نيل لبنان استقلاله، يوم كانت كلمة لبنان “كلمة” في جامعة الدول العربية والأمم المتحدة؟
الدبلوماسية، كلمة لم يتم اعتمادها بمفهومها المعاصر، أي ادارة العلاقات الدولية، الا العام 1796، في نهاية القرن الثامن عشر في بريطانيا، وكانت تشير الى ممثلي الدول الأجنبية الذين يحملون كتب اعتماد من دولهم في دول اجنبية. كما اعتمدت ايضاً خلال الثورة الفرنسية العام 1789 لترمز الى معنى التفاوض، بحيث ان الدبلوماسي كان من “يفاوض” بفضل كل الصفات التي يتحلى بها “المفاوض”.
فما هي هذه الصفات التي تميّز الدبلوماسي؟
دراسات عدة انكبت على البحث في الميزات التي يجب ان يتحلى بها الدبلوماسي، ومهمته التوثيق بين المصالح المتعارضة ووجهات النظر المتباينة، تسوية الخلافات، إشاعة الودّ والتفاهم بين الدول، تدعيم السلم وتجنب الحرب، العمل على عدم انتهاك مصالح الوطن في الخارج وحقوقه وهيبته، توطيد العلاقات الاقتصادية والثقافية والعلمية بين الدول الخ… الا ان كلها التقت على اتقان “فن المفاوضات والإقناع بشكل حازم وماهر”. كما انها تقتضي في من يمارسها “معرفة تامة بالعلاقات القانونية والسياسية القائمة بين مختلف الدول” و”ترسيخ العلاقات الخارجية”.
ولعلّ افضل نصيحة للدبلوماسيين هي ما ورد في رسالة جيمس هاريس – أول إيرل لمنطقة مالمسبيري وسفير سابق إلى روسيا وبروسيا وفرنسا – في نصيحة الى ابن أخيه الذي كان على وشك أن يبدأ مسيرته الدبلوماسية، اذ كتب : ” أفضل وأول نصيحة أسديها لشاب على أعتاب مسيرته المهنية هي أن ينصت ولا يتحدث – على الأقل لا يتحدث أكثر مما هو ضروري – ليشجع الآخرين على التحدث”… ناهيك عن المسؤولية الأخلاقية في امتلاك “القدرة على مواكبة الضغوط”.
فالكلمة السر للدبلوماسية الناجحة تكمن في عبارة ” الا يتحدث أكثر مما هو ضروري”… وهذا ما افتقده قصر بسترس في العقود الأخيرة حيث بات الوزير حزبياً، وينتمي الى طائفة محددة، قبل ان يكون دبلوماسياً ناجحاً، على عكس وزراء الخارجية الذين تركوا بصمة ثابتة محلياً ودولياً في الحقبات السابقة بغض النظر عن طائفتهم، مثال حسين العويني وصائب سلام ورشيد كرامي وشارل مالك وفؤاد بطرس  ونصري المعلوف  وايلي سالم وكميل شمعون ولوسيان دحداح وفيليب تقلا وفؤاد عمون وشارل مالك والفرد نقاش وحميد فرنجيه وهنري فرعون وشارل حلو …
وقصر بسترس – او وزارة الخارجية قبل ان تتحول “الخارجية والمغتربين” – شهد اكثر من وزير للخارجية منذ ان أصبح حميد فرنجية أوّل وزيرٍ للخارجية في الحكومة التي شكلها عمر الداعوق قبل الاستقلال في 1 كانون الأول 1941، مخططاً لبنية وزارة الخارجية. جاء بعدها سليم تقلا، اول وزير للخارجية في عهد الاستقلال العام 1943 حيث اصدر المراسيم التنظيمية الخاصة بالادارة الجديدة، ورسم الخطوط العريضة لأوليات عملها، هو الذي كان يتقن لغة الديبلوماسية في دولة فتيّة كان عليها نسج علاقات ناجحة مع محيطها العربي ومع الدول الصديقة بعد تحررها من الانتداب الفرنسي. كما شارك في عضوية الدول المؤسسة لمنظمة الامم المتحدة، وفي الاعداد الجيد لميثاق الاسكندرية في 7 تشرين الاول عام 1944، والذي مهّد للإعلان عن ولادة جامعة الدول العربية.
ورأى كثر ان سليم تقلا كان من صانعي مقولة “لبنان ذو وجه عربي”، التي شكلت السمة البارزة للدبلوماسية اللبنانية في مطلع عهد الاستقلال.(1)
جاء بعده حميد فرنجيه الذي قاد الدبلوماسية اللبنانية بنجاح مفاوضاً على المماطلة الفرنسية في الجلاء عن لبنان. ففيليب تقلا الذي حمل لقب “كاتم سر لبنان”، مرسخاً في قصر بسترس “ما يشبه العقيدة التي يمكن تلخيصها، اضافة الى نهج التكتم والتحفظ الى حد الصمت، بسياسة الابتعاد عن المحاور العربية وعدم الذهاب في مصادقة الغرب الى حد الالتزام في السياسة الدولية، على حساب الابواب المفتوحة مع الشرق، ثم “عدم الانحياز” عملياً في زمن الحرب الباردة” (2).
كما رافقت اسماء كثيرة سليم تقلا، قبله وبعده رافعة اسم لبنان عالياً، من كميل شمعون الذي أنشأ مفوضية لبنان في لندن العام 1944، في اول تمثيل دبلوماسي للبنان في الخارج… الى شارل مالك، العربي الوحيد، الدبلوماسي والسياسي الذي ساهم في صياغة الاعلان العالمي لحقوق الانسان في 10 كانون الأول 1948 من ضمن لجنة مؤلفة من 9 افراد برئاسة السيدة الأولى السابقة للولايات المتحدة آنا إليانور روزفلت… الى غسان تويني، سفير لبنان في الأمم المتحدة العام 1977، الذي بقيت صرخته العام 1978 “دعوا شعبي يعيش” تدوي في أروقة الأمم المتحدة، ومن ثم نجح في في استصدار القرار الرقم 425 الذي فصل بين قضية لبنان وأزمة الشرق الأوسط، وطالب إسرائيل بالانسحاب الفوري من لبنان، وفي ما بعد نجح في استصدار قرارين أممين اديّا الى انسحاب اسرائيل من كل لبنان 2000.
وزراء خارجية كثر جاءوا بعدها في اوقات مفصلية من تاريخ لبنان فنجحوا في السير “بين نقاط السياسة” من دون تسجيل أي “دعسة ناقصة”، مثال الوزير فؤاد بطرس الذي قاد الدبلوماسية اللبنانية في أسوأ ظروف الوصاية السورية، كما الوزير جان عبيد الذي لقبه الوزير السعودي سعود الفيصل بـ “عميد وزراء الخارجية العرب”.
والمسيرة الانحدارية، اذا صحّ التعبير، لم تبدأ سوى مع ترسيخ الوصاية السورية وبعدها، في التسعينيات من القرن الماضي حيث باتت السياسة الخارجية اللبنانية “نسخة منقحة” عن السياسة الخارجية السورية بفضل “معاهدة الأخوة والتنسيق”… فلم ينجح اي وزير خارجية في السير من الأفخاخ الاقليمية والدولية بعدما ترك جانباً الصفات المتعارف عليها للدبلوماسية… لا بل باتت سياسة المحاور هي السائدة في استنسابية للقرار اللبناني الرسمي بـ “النأي بالنفس”. ولعلّ أبرز دليل هو الانفتاح المنفرد على النظام السوري تحت ذرائع عدة، كما امتناع الوزير جبران باسيل عن التصويت على القرار الذي أصدره وزراء الخارجية العرب في ختام اجتماعهم الطارئ في القاهرة، منتصف كانون الثاني 2016، حول دعم السعودية في مواجهة إيران في اعقاب اعدام الأولى الشيخ نمر النمر واقدام معارضين ايرانيين على حرق القنصلية السعودية في طهران انتقاماً، ناهيك عن “هفوات دبلوماسية” عدة ، ابرزها سؤاله احد مساعديه ” وينها كارولاين؟” (وهي القائمة بأعمال البعثة اللبنانية الدائمة لدى الأمم المتحدة كارولين زيادة) مرفقاً بحركة غير لائقة عن قوامها الجميل خلال لقائه نظيره الاماراتي في نيويورك.
وأتى فقدان الوزير شربل وهبه اعصابه في سجاله مع المحلل السياسي السعودي سلمان الأنصاري خلال المقابلة مع قناة “الحرة” ليتوّج هذه الهفوات، حيث وجه اتهاماً مبطناً الى السعودية بمقتل جمال خاشقجي وتمويل تنظيم “داعش”، مسمّياً اهالي دول الخليج بـ “أهل البدو” وذلك في أعقاب سجال حول موضوع حزب الله والإساءة الى رئيس الجمهورية ميشال عون.
فالدبلوماسية هي ايضاً فنّ الجرأة في الرفض، كما فعل الوزير ناصيف حتّي يوم قدم استقالته لـ”تعذر أداء مهامه” ولـ “غياب رؤية لإدارة البلاد وغياب إرادة فاعلة في تحقيق الإصلاح الشامل”، اذ ان “لبنان اليوم ليس لبنان الذي أحببناه وأردناه منارة ونموذجاً، لبنان اليوم ينزلق للتحول إلى دولة فاشلة”- كما قال.

المراجع
(1) Gerard Khoury: “Sélim Takla 1895 – 1945: Une
Contribution à L’ Indépendance du Liban”. Karthal – Dar An –Nahar, Beyrouth 2004
(2) مقالة لغسان تويني في جريدة النهار بعنوان “كاتم سر لبنان”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات