Search
728 x 90

أرخميدس سرقوسة وديغول لبناني!

أرخميدس سرقوسة وديغول لبناني!

مواجهة الباطل مؤرِقة. ليس بمعنى العجز عنها وفيها. هي قائمةٌ بالأصالة في مسار التاريخ. هذا الأخير صنَّف ّفيه هيغل الصّيرورة ديناميّة حقّ مستدامة. مؤرقةٌ هي بفِعل قدرة الأحداث المتناسِلة، من محترفي تحقّق هذا الباطل، على إحداث زلازل متنقّلة هنا وثمّة دون هوادة.

زياد الصّائغ

خبير في السياسات العامة

الزلازل عند الباطل ملهاةٌ استراتيجيّة. التكتيك فيها إحصاءٌ لما تمكّن من إحداثه من خسائر في الحقّ. سلبيْة الباطل ترتقي إلى مستوى تحويل الجرائم أمجاداً إلهيّة. حتى الأيديولوجيّة التي تطبعه أكانت ثيوقراطيّة أم علمانيّة تنغمس في التلذّذ بامتصاص دماء العدل والحقيقة التي فيه. الجيو-سياسي في عُرفه استشراسٌ على الإرهاب والتّرهيب، الإخضاع والتطويع، الزّمجرة والتّرويع. تُراه يختال في هذه المعادلات على أشلاءِ ناسٍ ودُول يتعاطى معهما كدُشَم محصّنة لخياراته. الدّيمقراطية معه انتهازيّة واستنسابيّة وقمعيّة. فيها ألوان العزّة والكرامة والعنفوان والكبرياء تتراقص حتى في الانتحَاب لتحكي ترف التّموضع في عين الموت والتّمويت، كُرمى لمآرب عبثيّة لا يفهم كُنهها سوى قلّة من المختارات والمختارين من لَدُن المُطلَق. الإستقواء معها قوّة، والتّهديد منطقٌ محبَّب. كذا كانت تقوم الامبراطوريات تتنشّق روائح الجثث الحليفة والخصمة. ما هَمّ إن كانت حليفة أو خصمة. المُهمّ أنَّ عبق العدميّة فيها استئناسٌ بولادة حياةٍ مُفترضة.
أمراض الباطل بسيكوباتيّة كرونيكيّة تتفوّق فيها الميغالومانيا وارتجاجاتها المأزقيّة. تتلوّى في الكذب وتغوص في ابتداع مخطّطات مكيافيلليّة إلى حدّ الثمالة. تسكَر بنصرِها المُبين وتستثمر في الدّماء. مواجهة الباطِل مؤرٍقة لكنّها ليست مستحيلة. التحدّي يكمُن في استنهاض الحقّ من انكفاءٍ، أو زئبقيّةٍ، أو تردّد، أو تشتّت.

أرخميدس سرقوسة (287 ق.م)، وهو الرياضيّ والفيزيائيّ والمهندس القتاليّ، راح بعيداً في مقاومة الهجوم الرّوماني الشرِس على مدينته مستغيثاً بعقله الفذّ (212 ق.م)، فكانت الرّوافع مركّبة بآليّاتٍ ميكانيكيّة لاستقطاب سفُن الأعداء وإغراقها، إلى عكس الأشعّة الشمسيّة بألواح ذكيّة لإحراقها. كان له صمودٌ في عام قبل سقوط سرقوسة ووفاته غدراً، رغم أمرٍ عالٍ روماني بعدَم قتله. أرخميدس سرقوسة مِثال التصدّي للاحتلال بالعقل مع إمكانات شبه معدومة في مواجهة جحافل شديدة التّدريب. نجح الاحتلال الرّوماني إلى حين، لكنّه رحل من ثمّ إلى غياهب التاريخ. التّاريخ خلَّد أرخميدس وسرقوسته التي أحبّ. هذا هو أرقٌ للحق إذ هي الأزمنة تخونه لكنه موقنٌ أنه الأبقى والاقوى، ولو بعد هذه الأزمنة.

قد يستسخِف كثيرون هذه الاستعادة التاريخيّة، لكنّهم مدعوّون للعودة إليها حين يجرفهم بعض الاستسلام للتطبيع مع الباطل. يناقِضون في هذا التطبيع المقيت ضمير انتمائهم، ونضالات أجدادهم، وأحلام أحفادهم. منبريّاتهم الجوفاء بالقبضات المرفوعة الحناجر المدوّية لن تصمد مهما كابرت وعنَّفت، مهما استتبعت أزلام بالتّرغيب النفوذيّ، والتّعويم المركنتيليّ، والتّلزيم للمطلِق الماورائيّ.

في كلّ هذا بتُّ في قناعةٍ عميقة بأنّ ولادة ديغول لبنانيّ أي استيلاد نهجِ جمهوريّة الحقّ، لا يمكن أن يكون شخصاً قياديّاً بل قيادة تجمعها ورقة تفاهم لبنانيّة، تُنهي تلك غير اللبنانيّة.

حمى الله لبنان والشعب اللبنانيّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات