Search
728 x 90

30 مليون دولار يومية خسارة الوقت الضائع… والخناق يشتد

30 مليون دولار يومية خسارة الوقت الضائع… والخناق يشتد

هل يتحدى لبنان الجاذبية الى الابد فيما خسائر اقتصاده تتحدد بثلاثين مليون دولار يومياً مع الشلل الحكومي الذي يسوده وفي ظل تقارير دولية تحذره من الاستمرار في لعبة تضييع الوقت؟ 

الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة يؤكد لـ beirutinsights ان لا انهيار اليوم، رغم ان الظروف الامنية والحكومية المتأزمة تشد الخناق على مالية الدولة وعلى استقرارها الاقتصادي.

لم يكن ينقص الوضع الاقتصادي والمالي في لبنان سوى حادثة قبرشمون وما تبعها من تداعيات سياسية وضعت مصير جلسات مجلس الوزراء على المحك بعدما اكد رئيس الحكومة سعد الحريري ان لا جلسات “قبل ان يهدأ الجميع”، ناهيك عن ان الحكومة بحد ذاتها ايضاً بخطر في اعقاب تسريبات عن تهديد وزراء الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية بالإستقالة… الى حد قول عضو كتلة التنمية والتحرير علي خريس ” ان ما نشهده لا يبشر ببناء وطن”.

وإذا كان لبنان يعّول على موسم اصطيافي واعد، فإن الموعد مبكر قبل الجزم بالتغني بهذا الموسم او نعيه على رغم تأكيد وزير السياحة “ان الوضع الى تحسن رغم حادثة الجبل”. فيكفي تقليب صفحات تويتر لاكتشاف عبر التغريدات العنيفة اللهجة، مدى التباعد وانتفاء الثقة بين افرقاء الحكومة الواحدة.

فالإقتصاد مبني على الثقة يقول البروفسور جاسم عجاقة لموقع beirutinsights، ولا ثقة من دون اعمدة ستة هي: الثبات السياسي، الثبات الامني، تداول السلطة، قوانين عصرية ولا سيما منها الموازنة، استقلال القضاء، محاربة الفساد.

فكم من هذه الاعمدة اهتزّ بعد احداث قبرشمون التي ادت الى تراجع في عاملي الاستثمار والاستهلاك ، كما يقول عجاقة، الذي يضيف ان المشكلة تكمن في تعطيل القرار الحكومي المكلف على الاقتصاد والمالية العامة، بحيث تقدر الخسائر اليومية بنحو 30 مليون دولار، وهي مرجحة للإرتفاع مع مرور الوقت. يضاف اليها تراجع قيمة سندات الخزينة باليوروبوند بفعل التوتر الامني والسياسي. علماً ان خسائر الـ 30 مليون دولار اليومية تتضمن خسائر مباشرة تتكبدها الدولة مثل ارتفاع الفوائد، واخرى غير مباشرة تكمن في ضياع الفرص الاقتصادية التي لم ينجح القرار القطري بشراء سندات خزينة لبنانية بقيمة 500 مليون دولار من التخفيف من وطأتها.

وقد اتت التقارير الغربية الاخيرة لتحذر لبنان بلهجة صارمة، ولا سيما منها تقرير المديرية العامة للشؤون الاقتصادية والمالية في المفوضية الأوروبية الذي صدر بعنوان “هل يتحدى لبنان الجاذبية إلى الأبد؟” (5 تموز 2019) والذي اعتبرت بعض المصادر الاقتصادية المحلية انه مبالغ فيه. فقال التقرير ان “الوضع الاقتصادي في لبنان ينذر بالخطر بشكل متزايد” معتبراً ايضاً ان إقرار موازنة 2019 وتقديم إستراتيجية موثوقة للتكيف المالي على المدى المتوسط “هو أول خطوة نحو الاستدامة المالية”.

ويقول عجاقة في هذا الاطار ان ازمة الموازنة متوقفة على 3 بنود توازي 1.4 او 1.5 مليار دولار وستكون كلفتها اضافة 3% على مجمل العجز، اي سيرتفع عجز الخزينة من 7.59 % الى 10.59%، ناهيك عن قطوعات الحساب التي لم تنته بعد علماً ان ديوان المحاسبة انهى قطوعات 2017، فماذا نفعل بتراكم السنوات السابقة قبل 2017؟

ويؤكد عجاقة ان الفرق بين تعديلات وزارة المال وبين حسابات الدولة يبلغ 16.3 مليار دولار على مدى 21 سنة اي بالعودة الى العام 2017، متسائلاً كيف يمكن اقرار بند دخول قطع حساب 2018 استناداً الى قطع حساب 2017 فيما الفرق يرتفع الى هذا الرقم؟

ارنب مالي؟ 

قد يكون هناك ارنب يشكل بدعة قانونية لحل الازمة، ستخرجه الحكومة من جعبتها لحل هذه الاشكالية، يقول عجاقة ممازحاً، لكن ليس هناك ارانب حتماً في الصيغة المالية التي ستشكل مخرجاً للوضع، لا بل الخوف من ان تكون هناك تداعيات كبيرة على الاقتصاد عبر تأخير اموال “سيدر” والخطط الاقتصادية الحكومية.

لكن، هل هناك اغراء بالنسبة الى الدولة بعدم اقرار الموازنة واستمرار الصرف على القاعدة الاثني عشرية؟

لا يستبعد عجاقة هذا الطرح، لافتاً الى ان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة سبق واعلن في مؤتمر الـ euromoney في 25 حزيران 2019 ان العجز في الاشهر الاربعة الاولى من السنة كان اقل من مليار دولار، اي ان العجز سيكون في نهاية السنة اقل من 4 مليار دولار، وهذا رقم مقبول نسبياً.

  ثلاثة بنود- افخاخ

وتأتي البنود الثلاثة العالقة في الموازنة لتزيد الطين بلة:

1- رسم 2% على الاستيراد الذي تعمل قوى سياسية عدة على “تطييره” بفعل ضغوطات من اصحاب النفوذ. ويقول عجاقة هنا، ان غياب الرسوم الجمركية هو انتحار اقتصادي يؤدي الى زيادة العجز التجاري الذي يؤثر على ميزان المدفوعات الذي يؤثر بدوره على مالية الدولة وعلى الليرة اللبنانية.

2- قرض الـ 11 الف مليار ليرة بفائدة 1% علماً ان الفائدة في السوق هي 13.5% ، اي ان كلفته على مصرف لبنان – يقول عجاقة- ستكون 12 مليون دولار. وقد حذر منه تقرير صندوق النقد الدولي الذي اعتبر الموضوع انتحاراً، موصياً للمركزي بعدم الاكتتاب بسندات الخزينة المخفضة لأنها ستؤدي الى تدهور ميزانيته، ناهيك عن ان الموضوع ينقض قانون النقد والتسليف الذي ينص على الاستقلالية التامة بين المصرف المركزي ومالية الدولة، ناهيك عن ان من المستحيل ان يدفع مصرف لبنان عن الدولة استحقاقاتها، وفق ما يؤكد عجاقة.

3 – بند العسكريين المتعاقدين والذي تم التوصل الى حل جزئي حياله عبر زيادة ضريبة دخل تصاعدية على رواتب العسكريين المتقاعدين وفق الشطور، وتأجيل التسريح من الأسلاك العسكرية لـ3 سنوات من رتبة مقدّم وما دون… الا انه يلقى معارضة كبيرة على الارض تمثلا اخيراً بالدعوة الى الاعتصامات تزامناً مع الجلسة العامة التي دعا اليها رئيس المجلس النيابي نبيه بري لمناقشة الموازنة العامة في 16 و17 و18 تموز الجاري.

وفيما يوصي اكثر من خبير مالي بضرورة فرض ضرائب جديدة لمحاولة انقاذ تعثر مالية الدولة، يؤكد تقرير صندوق النقد الدولي الصادر نهاية حزيران 2019 وجوب رفع الضريبة على القيمة المضافة ورفع تعرفة الكهرباء في أقرب وقت ممكن وزيادة الرسوم على المحروقات… وهذا ما قد يثير معارضة قوية في الشارع خصوصاً انه يطاول الشرائح الشعبية المتوسط والفقيرة بشكل كبير.

حكومة في عنق الزجاجة

ولا تقتصر المخاوف على موازنة لا تثق المرجعيات الدولية بأرقامها، وعلى حكومة عالقة في عنق الزجاجة، لا بل جاء قرار وزارة الخزانة الاميركية الاخير بإدراج نائبين من حزب الله (أمين شري ومحمد رعد ) ومسؤول امني (وفيق صفا) على لائحة العقوبات، ليشكل تصعيداً اضافياً سيكون على الدولة اللبنانية مواجهته فيما هي تسعى الى الدعم الخارجي للمحافظة على استقرارها الاقتصادي، وعلى رأسها اموال “سيدر”، علماً ان رئيس الجمهورية اعتبر ان القرار ” يتناقض مع مواقف اميركية سابقة تؤكد التزام لبنان ومصارفه اتفاقيات مكافحة تبييض الاموال ومنع استخدامها في الارهاب” فيما رأى وزير المال علي حسن خليل ان ” العقوبات تعني كل اللبنانيين”.

ولم تخفف المواقف المحلية من وطأة ما ورد في تقرير المفوضية الاوروبية ان “تحسين جودة الأصول مع تبديد المخاوف في شأن وصول “حزب الله” إلى الأموال الحكومية، سيساعد في ضمان استقرار النظام المصرفي”.

التقرير هذا كان وضع الاصبع على الجرح ، مشككاً بسعر صرف الليرة اللبنانية، اذ قال حرفياً “قد يكون سعر الصرف الفعلي الحقيقي مبالغاً فيه”. فهل هذا ممكن حدوثه؟

عجاقة يؤكد بنبرة قوية ان “لا المفوضية الاوروبية ولا صندوق النقد الدولي هما من يحددان سعر صرف عملة وطنية. فلو لم تكن قيمة الدولار 1500 ليرة حقاً لكان يتم تداوله بالسوق السوداء بقيمته الحقيقة، اكانت 3 آلاف او 4 آلاف ليرة.”

سيناريوهات لتحدي الجاذبية

اما الى اين يسير الاقتصاد اذا استمر الخلاف سائداً في ظل تراجع نمو التدفّقات المالية فيما اكدت المفوضية الاوروبية ان ” من دون إصلاحات ملموسة، يخاطر لبنان بالتوجه نحو أزمة عملة وأزمة سيادية ومصرفية”، فيقول عجاقة ان لبنان امام 3 سيناريوهات:

1 – لا موازنة والاستمرار بالصرف على القاعدة الاثني عشرية.

2- اقرار موازنة الحكومة 2019 برمتها من دون الاخذ بالإعتبار ملاحظات لجنة المال والموازنة، على ان يكون الاتفاق حكومياً على ادراج ملاحظات لجنة المال في موازنة 2020. وهذا السيناريو الاكثر ترجيحاً – يقول عجاقة بعد اتفاق مكونات حكومية اساسية عليه.

3- سيناريو يقول ان التدهور المالي، اي التضخم، مرحب به لأنه سيجعل الدين العام يتقلص بنحو اكثر من 30% نظراً الى انه بالليرة اللبنانية. الا ان الوقائع الاقتصادية تنقض هذا السيناريو، كما يشير اليه عجاقة ، اذ ان كامل دين الدولة ليس بالليرة اللبنانية، لا بل هناك بين 40 و45% منه بالعملة الاجنبية، وهذا ما سيجعل الدين يرتفع حقيقة، ناهيك عن فرضية اتمام هذا السيناريو ستنقل الدين العام الى الاجيال المقبلة… ومن يفكر بهذه الطريقة هو مجرم بحق الاجيال المستقبلية.

اما الخلاصة فتطرح السؤال الذي طرحته المفوضية الاوروبية: الى متى سيتمكن لبنان من تحدي الجاذبية؟… والمقصود هنا جاذبية الانهيار.

حتى المستقبل، يقول عجاقة، شرط وقف التخبط السياسي ومعالجة الاوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية. فتقارير وكالات الائتمان الدولية والمفوضية الاوروبية وصندوق النقد الدولي تهدف الى تحذير لبنان حيال صعوبة الوضع الذي سيصل اليه ان لم يعالج هذه الاوضاع. وعلى عكس ما يعتقد كثيرون لسنا في صدد انهيار اقتصادي مالي نقدي. فالتحذير هو بالنسبة الى المستقبل لأن عجز الدولة سيمتد الى السنوات المقبلة اذا لم تُصحح الاخطاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات