Search
728 x 90

“يقظة انقلابية” تتسلل وراء الانهيار في مئوية لبنان الكبير ؟

“يقظة انقلابية” تتسلل وراء الانهيار في مئوية لبنان الكبير ؟

يبدو بديهياً الا تترك الازمات المتراصفة والمتراكمة في لبنان والتي جاءت ازمة الانتشار الوبائي لفيروس كورونا لتفاقمها على نحو تاريخي غير مسبوق منذ المجاعة الشهيرة في الحرب العالمية الأولى، أي فسحة لتجاوز اليوميات الضاغطة نحو التعمق في أخطار جدية للغاية باتت تحاصر النظام اللبناني في جوهره وخصائصه التاريخية . 

اذا كانت اثارة الاخطار على النظام كانت تمر على أسماع اللبنانيين مروراً عابراً كأنها مجرد هواجس موسمية في ظل فقدان الثقة تماماً بالطبقة السياسية وانهيارها المعنوي الجارف منذ انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 وما تلاها من تطورات ضخمة ، فإن هذا الجانب من الواقع المأزوم اللبناني لم يعد واقعياً.

تلك الفزاعة كانت قوى حليفة للنظام السوري تستعملها في وجه الخصوم أيام الوصاية السورية ثم تطوى ضمن لعبة التدجين التي كانت تحلو لحكام دمشق بل ربما يكون خطرها الأن اشد خطورة لانه بات اكثر جدية من أي حقبات سابقة . تصادف السنة كما هو معروف سنة احياء اليوبيل المئوي لإعلان لبنان الكبير خلال الانتداب الفرنسي عليه . واذا كان الواقع الدولي والإقليمي والداخلي منذ مئة عام والى اليوم جعل لبنان معادلة جغرافية ثابتة في الشرق الأوسط لم تقو على تبديلها لا الحروب الاهلية ولا حروب الآخرين على ارض لبنان، فإن التطورات الحاصلة في السنوات الثلاث الأخيرة تثير اكثر من خطر وجودي على المضمون السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي في لبنان .

بدأت معالم هذه الاخطار تتصاعد بقوة واقعياً بعد الاختلال الكبير في ميزان القوى الداخلية مع منتصف الولاية الرئاسية للرئيس ميشال عون وتصاعد المؤشرات الجوهرية للمرة الأولى بخطورة حقيقية وليست مصطنعة او وهمية على النظام المالي والمصرفي والاقتصادي .

واذا كان ثابتا استحالة تبديل النظام الدستوري في لبنان الا في ظل توافق عريض يقارب الاجماع بين الطوائف اللبنانية أولاً ومن ثم الأحزاب والقوى السياسية فإن ذلك لم يمنع ابداً تصاعد اتجاهات وطموحات معروفة لدى افرقاء نافذين جداً يمسكون راهناً بزمام القرار الرسمي كلياً وكانوا دوماً تواقين الى الانقلاب على النظام اللبناني كما أرساه اتفاق الطائف .

ولعله ليس من التجني ابداً على المسار التأسيسي والتراكمي لكل من التيار الوطني الحر كذراع مسيحية كبيرة وحزب الله بواقعه الداخلي والإقليمي الذي يجعله دويلة اقوى من الدولة اللبنانية ان تربط بهما المحاولات التي تتوالى على نحو مكشوف او ضمني لزعزعة النظام .وهو من العوامل الكبيرة التي جمعتهما أساسا في مذكرة التفاهم التي وقعها زعيما الفريقين العماد ميشال عون والسيد حسن نصرالله عام 2006 في كنيسة مار مخايل المارونية على خطوط التماس القديمة للحرب بين محلتي الشياح وعين الرمانة .

مع العهد العوني في سنواته الثلاث الأولى استكانت الأحلام والطموحات الانقلابية للفريقين بعدما توّجت سياسات التعطيل المتمادية التي اتبعاها طوال سنتين ونصف السنة من الفراغ الرئاسي بانتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية .

واقعياً شكل انتخاب عون عامذاك التتويج الخيالي لتركيبة لبنانية جمعت الأعداء والخصوم والحلفاء بما عِوَض الى حدود بعيدة على طرفي تفاهم مار مخايل الاستعجال في إتمام الانقلاب الذي كان يمكن ان يحصل لو تمادى الفراغ والتعطيل واتجهت الأمور بغير المنحى الذي يريدان . ولكن الانفجارات العنقودية المتعاقبة منذ اندلاع انتفاضة تشرين الأول 2019 كانتفاضة اجتماعية جارفة غير مسبوقة في تاريخ الثورات والانتفاضات اللبنانية وحتى الظرف الحالي الذي يقف فيه لبنان عند مشارف حقبة مخيفة في آفاقها الانهيارية على كل الصعد يعيد بقوة المخاوف من يقظة انقلابية لدى هذه الفريقين تجسدت واقعياً في مؤشرات ملموسة ولم تعد مجرد اتهامات لفظية جوفاء تفتقر الى مضمون .

ويمكن اعتبار المخاض الشاق والمعقد للازمات المالية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية أيضاً التي واكبت وتواكب مسارات حكومة الرئيس حسان دياب خصوصاً منذ إعلانه خطة مالية ومصرفية لاطلاق المفاوضات مع صندوق النقد الدولي على أساسها ابرز الإثباتات التي تبرر القلق المتصاعد من اتجاهات تستهدف أسس النظام اللبناني الليبرالي التاريخي مالياً واقتصادياً وحتى سياسياً بعد حين . اذ ان هذه الاتجاهات التي بات معروفاً ان معظم مجلس النواب فضلاً عن جميع القوى الاقتصادية والمصرفية ناهضتها ورفضتها بقوة من منطلق نزعاتها المخيفة التي تذكر باتجاهات انقرضت مع انهيار الشيوعية مثل تهديد الملكية الخاصة وضرب جوهر الحريات المالية للمواطنين والتهديد بتأميم المصارف تحت ستار استغلال نقمة الناس عليها وما الى ذلك لا تجد تفسيراً سوى ان هذه الحكومة جيء بها لتكون رأس حربة تحالف العهد وحزب الله لإحداث الانقلاب الشامل .

واذا كان ذلك يؤذن بمرحلة صراعية طويلة لن يكون ممكناً تصور نتائجها مسبقاً، فان الأسوأ من السيناريوات المتصلة بتداعيات المحاولة القسرية لتغيير النظام الاقتصادي والمالي الليبرالي هو تمدد المحاولة الى النظام الدستوري القائم منذ الطائف وتعديلاته لأن أي انجراف في هذا الاتجاه سيعني استعار الواقع السياسي والطائفي وانفتاحه على كل الاحتمالات الحارقة لبلد يعاني حشرجات الانهيار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات