Search
728 x 90

وعود ووعود… حبر البيانات الوزارية

وعود ووعود… حبر البيانات الوزارية

ست وسبعون حكومة منذ عهد الاستقلال والعناوين – الوعود نفسها. 
اصلاح، محاربة الفساد، وقف الهدر، تقليص العجز في الموازنة، صون القضاء واستقلاليته والحؤول دون التدخلات في عمله، قانون انتخابي يعكس حسن التمثيل، الغاء الطائفية، الكهرباء 24/24… وصولاً الى استجداء المساعدات الخارجية…. وكل بيان وزاري لكل حكومة جديدة يعد بالتنفيذ… الى الحكومة التالية وبيانها الوزاري التالي.

عهد خطير

يوم استهلت حكومة الرئيس رياض الصلح، الحكومة الاولى في عهد الرئيس بشارة الخوري، بيانها الوزاري في 25 أيلول سنة 1943 بالقول ان “العهد الذي دخله لبنان اليوم، عهد دقيق خطير، لم يستقبل مثله من قبل” لم تعرف ان العنوان هذا سيبقى صالحاً بعد 77 عاماً.

ويوم قال البيان الوزاري للحكومة الاولى في عهد الرئيس كميل شمعون برئاسة الرئيس خالد شهاب في ايلول 1952 ” ان الشعب قد شبع أقوالا أيها السادة ، إن الشعب قد سئم الوعود “… فإن اقل من 9 اعوام كانت مرّت على الاستقلال والوعود الرسمية التي لم تتحقق.

وقد ادركت تماماً الحكومة الخامسة في عهد الرئيس كميل شمعون، حكومة الرئيس سامي الصلح في 16 ايلول 1954 ان الوعود قد تبقى من دون امل في تحقيق يوم قالت ان الحكومة ستكون ” في بيانها مقتصدة في الوعود لأننا لا نريد ان نعد بما قد لا يمكن تحقيقه، وخصوصاً لأننا نؤمن بحقيقة أصبحت راهنة، هي انه لم يعد بالإمكان ان نعمل بوحي الساعة ، وبطرق كيفية تتبدل بتبدل الاشخاص”.

فمنذ اليوم الاول، استهلت باكورة حكومات لبنان الاستقلال بالتشديد على اهم عنوانين تكرّرا في كل بيان وزاري للحكومات الـ 76، اي الاصلاح والغاء الطائفية السياسية، قائلة “من أسس الاصلاح التي تقتضيها مصلحة لبنان العليا معالجة الطائفية والقضاء على مساوئها فإن هذه القاعدة تقيّد التقدم الوطني من جهة وتشوه سمعة لبنان من جهة أخرى”.

وضرورة الاصلاح هذه تكررت في كل البيانات الوزارية من دون استثناء… اللهمّ الا في فترة الحرب اللبنانية حيث كان الامن العنوان الاول. واذا ادركت حكومة سامي الصلح ان “الاصلاح يتطلب التضحية والتجرد والصبر، ويتطلب الحزم والعدل والنشاط والاخلاص اولا وآخرا “… فإن وعودها تتطلبت ايضاً صبراً من الشعب اللبناني اذ بقيت حبراً على ورق.

انقاذ… ممن؟

عنوان الانقاذ شكل ايضاً عنواناً فضفاضاً للبيانات الوزارية منذ ان استعمله الرئيس رشيد كرامي لأول مرة عنواناً لبيان حكومته في عهد الرئيس فؤاد شهاب في تشرين الاول 1958 قائلاً “يمكننا تسمية هذه الحكومة “بحكومة إنقاذ وطن. سنعمل ، ونتساند ، ونتكاتف ، لإزالة الشكوك التي علقت في النفوس”.

ويأتي ضبط الانفاق العام في المرتبة الاولى منذ ان قالت حكومة رشيد كرامي الثالثة في عهد الرئيس شارل حلو في تموز 1965 ان “الحكومة ستواجه الوضع الناجم عن التصاعد المستمر في ارقام النفقات العامة… وتنوي اعتماد سياسة ضغط النفقات الادارية وغير المجدية قدر المستطاع، وكذلك انتهاج مسلك ضريبي يوفر زيادة معقولة في الحصيلة…”

واثنت بعدها الحكومة الرقم 38، حكومة رشيد كرامي الخامسة في عهد شارل حلو العام 1966 على ان “من أهم المشاكل التي يواجهها لبنان في هذه المرحلة: المشاكل المالية.”

ولم تكد تمر سنوات معدودة حتى ترسخت الحاجة الى ضبط الانفاق العام المقرون بالقوانين لمراقبة انفاق ادارات الدولة. فحكومة رشيد كرامي الحادية عشرة في عهد شارل حلو شددت العام 1969 على ضرورة اقرار “مشروع قانون احتوى اجراءين هامين يهدفان الى الحد من التهرب من الضريبة عبر السماح لرؤساء المراقبين التسلسليين، والمسؤولين في التفتيش المركزي ، بالاطلاع على القيود اللازمة للتحقيق”.

كما اتت حكومة الرئيس تقي الدين الصلح في عهد الرئيس سليمان فرنجية العام 1973 لتشدد على اهمية “الالتزام بسلم اولويات للإنفاق العام، والحد من تزايد النفقات الادارية “.

الا ان الوضع لم يشتد تأزماً الا بعد 1992، يوم دقت حكومة رشيد الصلح في عهد الرئيس الياس الهراوي ناقوس الخطر جاعلة من السياسة المالية والاقتصادية، عنوان بيانها الوزاري الرئيس مؤكدة ان “ليس في نية احد ان نقتحم خزائن الافراد لنملأ خزينة الدولة”.

ثم كرّت سبحة “خفض عجز الموازنة” و”تقليص الدين العام” بعدما كانت حكومة الرئيس رفيق الحريري في عهد الرئيس الياس الهراوي في تشرين الاول 1992 وعدت بـ” مكافحة الغلاء والاحتكار واستقرار سعر صرف الليرة، واعادة الثقة فيها”.

واتت بعدها حكومة الرئيس سليم الحص في عهد الرئيس اميل لحود العام 1998 لتعد بـ “وضع خطة لمعالجة عجز الموازنة وتقليص عبء الدين العام”… وصولاً الى العام 2003 حيث اكدت حكومة رفيق الحريري في عهد اميل لحود انها “تلتزم بمتابعة الإصلاح المالي والاقتصادي والالتزام بتخفيض العجز، كما تعديل أحكام قانون المحاسبة العمومية وأحكام نظام المناقصات”.

لكن يبدو ان هذه الوعود لم تر النور، اذ اتت حكومة عمر كرامي بعدها لتعد ايضاً بوضع “حد للهدر في مختلف مجالات الإنفاق والتصدي للفساد في سائر إدارات الدولة ومؤسساتها”… كما حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الاولى في عهد الرئيس ميشال سليمان العام 2008 لتعد ايضاً بـ ” محاربة الفساد والرشوة والعمل على إيجاد أسس حديثة للمساءلة والمحاسبة والمراقبة، وإجراء إصلاح جذري للمؤسسات العامة والالتزام بسياسة الإصلاح الاقتصادي، وتحديث الادارة ومكافحة الفساد”.

وتبعتها البيانات الوزارية التالية متفننة في تفنيد وسائل مواجهة الفاسدين في الادارات العامة ولا سيما منها “تعزيز وتطوير هيئات الرقابة (ديوان المحاسبة وهيئة التفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية والهيئة العليا للتأديب)” كما تعهدت به حكومة نجيب ميقاتي الثالثة في عهد ميشال سليمان (حزيران 2011) وصولاً الى ابتكار عبارات رنانة من مثل “استراتيجية مكافحة الفساد” التي وردت في حكومة عهد ميشال عون الاولى التي رأسها سعد الحريري في كانون الاول 2016.

والخاتمة – حتى اعداد هذه المقالة- في حكومة حسان دياب التي تعهدت “باسترداد الأموال التي اكتسبت أو حُوّلت بشكل غير شرعي وباسترجاع الاموال المنهوبة، وبإجراء جردة مدقّقة للوضع المالي بما فيه الموجودات والمطلوبات كما للوضع النقدي والمصرف”… وذلك في فترة 100 يوم مرّت مرور الكرام مع اعتراض وزير المال غازي وزني على اجراء التدقيق المالي الجنائي أو ما يعرف بـ Forensic Audit، ومن دون استرداد اي اموال، لا منهوبة ولا مهرّبة الى الخارج.

فالوقت يبدو انه تجمّد منذ ان وعدت حكومة الرئيس خالد شهاب في عهد شمعون بأنها “عازمة على تنفيذ الاثراء غير المشروع من دون تحيز او وهن”.

في الموازاة، يأتي ايضاً تحصين القضاء لمواجهة الفاسدين. فمنذ ان اعلنت ألحكومة السادسة برئاسة سامي الصلح (تموز 1955) في عهد الرئيس كميل شمعون انها تعتزم اصلاح القضاء وتعزيزه وجعله دائما فوق الشبهات، بات العنوان جذاباً في كل بيان وزاري. من حكومة رشيد كرامي (تشرين الثاني 1969 ) في عهد شارل حلو … الى حكومة سعد الحريري الاولى في عهد ميشال عون (كانون الاول 2016) التي تعهدت بـ ” العمل على استقلالية القضاء وتحصينه ضد التدخلات”، فحكومة حسان دياب الراهنة التي اخذت على عاتقها “الإصلاحات القضائيّة واستقلالية القضاء وفعاليّته عبر اصدار مرسوم التعيينات والتشكيلات القضائية، حماية الحريّات العامّة والحقوق الأساسيّة، ولا سيّما حقّ التعبير والتّظاهر. فلم اصدرت بعد التشكيلات القضائية ولا صانت حرية التعبير اذ تتوالى التوقيفات والاستجوابات بسبب تغريدة على تويتر او فيديو انتقادي على وسائل التواصل الاجتماعي.

اما الاستقلالية التي وعدت بها عبر عنوان ” حكومة مستقلّة عن التجاذب السياسيّ “، فحدّث ولا حرج، فريق سياسي يهدد باستقالة وزيريه اذا لم ينل حصته من التعيينات وآخر يحذو حذوه، ووزير يرفض التدقيق المالي الجنائي “لأن فريقه السياسي يرفضه”… والحبل على الجرار.

ويأتي “القانون الانتخابي العصري” لينضم الى “الغاء الطائفية” و”معالجة ازمة الكهرباء” في عناوين البيانات الوزارية الرنّانة.. او على اقله معالجتها كما نصت عليه الحكومة الاولى بعد الاستقلال برئاسة رياض الصلح، “فالساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان” كما قالت، لكن لا الطائفية الغيت، لا بل على العكس تجذرّت مذهبيّة في محاصصة التعيينات، ولا قانون حسن التمثيل المثالي رأى النور، ولا الكهرباء اتت 24/24.

شرق وغرب

طالما شكّل الشرق والغرب موضع تجاذب للبنان على مر عهوده الرئاسية.

فعدم الانحياز لأي طرف خارجي شكل القاسم المشترك لحكومات عهد كميل شمعون الذي واجه ثورة الـ 58. فحكومة شمعون الثامنة برئاسة عبد الله اليافي اكدت في آذار 1956 ان الخطوط العريضة للسياسة الخارجية اللبنانية تقضي بعدم الانضمام الى ميثاق بغداد وعدم الدخول في احلاف اجنبية. وجاءت الحكومة العاشرة والحادية عشرة في عهد شمعون برئاسة سامي الصلح لتقول ان “لبنان منفتح على العالم كله، متفاعل معه ومع حضاراته المختلفة، يلتقى فيه الشرق والغرب في جو من الاحترام المتبادل”

واذا اعتقدت حكومة حسان دياب ان مجرد التأكيد على “ضرورة ابتعاد لبنان عن الصراعات الخارجية” سيمكنها من ذلك فإنها حملت اسمها بالفعل ” حكومة مواجهة التحديات” لأن “بقاءها في منأى عن النار الاقليمية” لم ولن ينجح في ظل خلط الاوراق في الشرق الاوسط والعزلة الخليجية التي يعيشها لبنان بفعل مواقف زعمائه، وآخرها تلك التي اطلقها الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بالتوجه الى الشرق بدلاً من الغرب ضارباً بعرض الحائط بالنأي بالنفس الذي اخذه على عاتقه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في خطاب القسم. وجاء تصريح وزير الصناعة عماد حب الله الاخير ليؤكد ذلك، اذ قال” قلنا اننا سنتجه شرقاً وها نحن نتجه شرقاً”.

… وبين الشرق والغرب، بقيت عناوين فارغة من مضامينها، “عناوين معلّبة” تصلح وعودها لكل الازمان والاوقات، ولسذاجة وطنية وسياسية لا تزال مقتنعة بأن المعجزات ممكنة في بلد استنفد كل المعجزات على مر 77 عاماً… تماماً كما وعد الكهرباء 24/24.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات