Search
728 x 90

… والى قعر الجحيم

… والى قعر الجحيم

عندما عنونت صحيفة Le Figaro الفرنسية بالخط العريض على صفحتها الاولى: لبنان: الهبوط الى الجحيم… لم تكن مخطئة. وضعت السكين على جرح عمره اكثر من اربعين عاماً، وغرزته بإمعان في وجدان كل لبنان مخضرم لم يعرف سوى الجحيم منذ اطلاق اول خرطوشة ايذاناً بالحرب على هذا البلد الذي لا يشكل اكثر من نقطة على الخريطة العالمية. 
عنوان “لو فيغارو” سبق زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان الى بيروت، مكرراً ما قاله امام مجلس الشيوخ الفرنسي “ساعدونا لنساعدكم… بحق الجحيم!”. فهو الذي ربط مساعدة الاسرة الدولية بتنفيذ إصلاحات “طال انتظارها” منتقدا “عدم استجابة الحكومة اللبنانية” للأزمة الراهنة، ختم زيارة بالتحذير من ان لبنان على شفير الهاوية لكن النهوض ممكن بالإصلاحات… الغائبة الى اليوم. 

الهاوية ام الجحيم؟

وزير الخارجية الفرنسية لمس الجحيم الذي يعيشه اللبنانيون قبل ان تطأ قدماه ارض بيروت. فهو ادرك ان الاصلاحات التي تطالب بها الاسرة الدولية ستكون غائبة عن السمع. فلا هدر الكهرباء تمت معالجته في السنوات الاخيرة على رغم الالحاح الدولي العلني، ولا مزاريب الهدر تم وضع حد لها، ولا الفساد تمت معالجته ولا النفايات ولا السرقات. ولم تتم مقاربة الاصلاحات سوى بشعبوية فاضحة وركيكة… جعلته يفقد اعصابه امام مجلس الشيوخ الفرنسي ليقول “ساعدونا لنساعدكم bon sang!”

لودريان و”لو فيغارو” على حق بأن لبنان يهبط الى الجحيم. فالجحيم هذا  يعرفه  اللبنانيون، اكانوا يافعين ام مخضرمين، ولا سيما منهم من عايشوا الحرب اللبنانية او الحرب الاهلية او حرب الآخرين على ارضنا… مهما كان اسمها، لأن كل شاردة وواردة في مراحلها وجهة نظر.

فشهداء هذا الفريق قد يكونون خونة الفريق الآخر. وابطال هذا الفريق وحماته قد يكونون المعتدين والسفاحين بالنسبة الى الفريق الآخر.

“التاريخ المجيد” لهذا الفريق سيكون “التاريخ النكسة” و”تاريخ الغزوة” بالنسبة الى الآخر.

ووجهة النظر لا تتوقف على التاريخ الحديث انما تشكل نقطة خلاف في التاريخ القديم. حتى كتاب التاريخ ليس موحداً في المناهج التعليمية، وكل يدرس تاريخ وطنه على هواه… ويستنتج منه العبر وفق الهوى الطائفي ايضاً.

وجهة النظر هذه تُطبّق على الحلفاء كما الاعداء. حليف اليوم قد يتحول غداً خصماً لدوداً، فيما العدو قد يتحول حليفاً في الحكم والسياسة والحكومة الواحدة.

حتى الارقام المالية في لبنان وجهة نظر. خسائر الدولة وديونها تزيد او تنقص عشرات المليارات بين تقارير كل من الحكومة ومصرف لبنان وجمعية المصارف ووزارة المال… ولجنة تقصي الحقائق النيابية.

وحتى الاحكام القانونية وجهة نظر. قد يصدر منع سفر عن المحكمة المستعجلة في صور، ضد رئيس وأعضاء مجلس إدارة مصرفين كبيرين ثم يتم التراجع عن القرارين. كما قد يتم تجميد قرار المدعي العام المالي علي ابراهيم بوضع منع التصرف على أصول وممتكلات 20 مصرفا، بعد تدخل النائب العام لدى محكمة التمييز.

الجميع يقول من دون استثناء – وحتى المصارف- انهم ضد “الهيركات”، لكن هذه الاخيرة تمارسه فعلياً. فأموال المودعين محجوزة… واذا لم تكن الا جزئياً، فالسحب بالليرة اللبنانية وعلى سعر صرف متدني وهمي يحدده مصرف لبنان وجمعية المصارف، بحيث لا يشكل جنى العمر الا رقماً على ورقة في جارور مقفل.

اما التقارير العلمية فحدث ولا حرج. ستجد عشرات التقارير التي تعلّل بناء هذا السد ومنافعه الحاضرة والمستقبلية… كما العشرات الاخرى، العلمية ايضاً، التي تفّند سوء نوعية التربة واستحالة تجميعه المياه وضخّها مسمومة نظراً الى اختلاطها بجزيئيات معادن الطبقات الجوفية للأرض حيث سيتم تشييده.

حتى سعر صرف الدولار وجهة نظر، فبين السعر الرسمي وسعر الصرافين وسعر المصارف وسعر السوق السوداء، يتضاعف المبلغ مرتين واربع وست ومن الممكن اكثر.

في لبنان، هناك منطق خاص  يفهمه جيداً اللبنانيون.

قد تكون مع النأي بالنفس وتؤيد ايراده في البيان الوزاري للحكومة التي انت عضو فيها الاّ انك تخوض حرباً ليحافظ رئيس دولة مجاورة على موقعه الرئاسي.

قد تجاهر كل لحظة بضرورة ضبط الحدود ووقف التهريب، لكن ليس لوقف دخول المسلحين الى سوريا او الخروج منها، وليس لدخول السلاح الى الاراضي اللبنانية.

قد تكون مع محاربة الفساد وتشن حرباً شعواء ضد الفريق الآخر الذي يعشعش الفساد في اركانه، لكنك في الوقت نفسه ترفض المساءلة عن 11 مليار دولار مصيرها مجهول في الدولة او عن نحو 40 ملياراً كلفة دين الكهرباء الغائبة في لبنان، او حتى عن اسماء الكيانات والاشخاص الذين هرّبوا اموالهم بالعملة الصعبة الى الخارج بين ليلة وضحاها.

قد تبكي وتتباكى على دولة مفلسة وعلى شفير الانهيار لكنك لن ترضى باقتطاع فلس من راتب النائب او الوزير او المدير العام.

قد تجول العالم باكياً وشاكياً وماداً اليد طلباً للمساعدات المالية لبلد منهار لكنك ستسافر بطائرة خاصة وتمكث في افخم الفنادق.

قد تكون مع الدولة العلمانية لكنك تهدد بالإستقالة من الحكومة اذا لم تحفظ حقوق هذه الطائفة او تلك في تعيينات الفئة الاولى.

قد تكون مع مبدأ الكفاءة في الوظيفة لكنك تمتنع لأشهر طويلة – وحتى لسنوات – عن توقيع مرسوم تعيين ناجحين في دائرة ما لأن “العدالة الطائفية” غير محترمة فيه.

قد تدين المحاصصة في الدولة وتعلن انها تعيد الوطن الى عصر الكهوف فيما تهدد وتطالب بحقك بمدير عام هنا، ورئيس دائرة هناك.

قد تكتب مجلدات واطروحات عن الهدر ومزاريبه في الدولة منذ عشرات السنين لكنك لا تتوانى عن توظيف فائض من 500 الف موظف قبيل الفترة الانتخابية النيابية.

قد تعلن توقيف باخرة فيول لأن حمولتها غير مطابقة للمواصفات… ثم تتحول الحمولة مطابقة في اليوم التالي بسحر ساحر.

قد تدهم مستودعات لدجاج فاسد وتختمها بالشمع الاحمر وتعلن سحب منتجاتها من السوبرماركت والمحلات… لكن لن يُلقى القبض على اصحابها المعروفين بالأسماء والعناوين ولن يُزجوا في السجن.

قد تطالب بتوقيف كل السارقين متسائلاَ اذا كانت السجون تتسع لهم كلهم، لكنك تحمي مديراً عاماً ثبتت تهمة الاختلاس والسرقة عليه بحجة “انه محسوب عليك”… وليبدأوا بالآخرين اولاً.

فالسرقة هنا لا تتوقف على دائرة رسمية او منصب وزاري او حكومي. انها تطال حتى الحلم في لبنان.

الحلم بأمل فرج قد ينبثق من مكان ما.

الحلم بمستقبل افضل حتى لو كان بعيداً.

الحلم بمواطنية محترمة في بلد يحترم الانسان وحقوقه.

الحلم بحياة كريمة ليست مجبولة بالقلق على الغد.

الحلم بعدم الموت على ابواب المستشفيات.

الحلم بالسلام في بلد جاثم على فوهة بركان اقليمي.

الحلم بجواز سفر لا يشكل قنبلة موقوتة في المطارات الاجنبية.

… “لو فيغارو” قالت ان لبنان يسقط الى الجحيم؟

لا ابداً لم يسقط. فهو في قعره قابع، وما من بصيص امل في الجحيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات