Search
728 x 90

هل يسقط الحارس الأخير؟

هل يسقط الحارس الأخير؟

رهن ذهب مصرف لبنان، او بيعه او تأجيره، هل هو قابل للتنفيذ، كيف وبأي ظروف ولأي غاية؟
فحديث النائب السابق لحاكم مصرف لبنان محمد بعاصيري عن إمكان رهن احتياطي الذهب من أجل تمويل عمليّة التعويض على المتضررين من انفجار مرفأ بيروت لم يكن الأول من نوعه في لبنان وذلك عشرات السنين قبل الانفجار المشؤوم، لا بل استلزم صدور قانون يحّرم التصرف به العام 1986. فهل يسقط اليوم “الحارس الأخير” للشعب اللبناني؟
الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة فنّد لموقع beirutinsights الابعاد الثلاثة الاقتصادية والنقدية والسياسية لموضوع بيع الذهب او رهنه او تأجيره.

10 ملايين اونصة

وفق إحصاءات المجلس العالمي للذهب، بلغ مخزون الذهب لدى لبنان نحو 286 طناً أو عشرة ملايين أونصة جعلت منه في المرتبة الـ19 عالمياً على هذا الصعيد فيما تتكلم معلومات اخرى عن ان لبنان يملك نحو 286.8 طناً، أو 10,116,572 أونصة ذهب.
ورغم عدم وجود ارقام رسمية وواضحة في هذا الشأن، تقدّر قيمة هذا الذهب نسبة الى اسعار السوق العالمية بنحو 18 مليار دولار فيما تقول تقديرات اخرى ان القيمة لا تتعدى الـ 15.915.5 مليار دولار، مما يضعه محطّ الانظار في كل مرة يعاني منها لبنان ازمة اقتصادية… وما اكثرها في تاريخه الحديث. ففكرة بيع الذهب أو استثماره كانت تطرح في كل مرة يواجه فيها لبنان أزمة تمويل بالعملات الأجنبية، وكانت اقساها منتصف الثمانينيات يوم تفككت المؤسسات الرسمية بفعل شراسة الحرب وتدهورت قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار الاميركي، فطرح مصرف لبنان بيع جزء من الذهب بهدف الحصول على العملات الأجنبية للدفاع عن استقرار سعر صرف الليرة. وحيال الخطر الذي كان يتهدد احتياطي مصرف لبنان من الذهب، سارع المجلس النيابي الى اصدار القانون الرقم 42/86 بتاريخ 24/9/1986 الذي قضى بمنع التصرّف بذهب مصرف لبنان، وذلك في مادة وحيدة نصّت على: “بصورة استثنائية وخلافاً لأي نص يمنع منعاً مطلقاً التصرف بالموجودات الذهبية لدى مصرف لبنان او لحسابه مهما كانت طبيعة هذا التصرف وماهيته سواء أكان ذلك بصورة مباشرة او غير مباشرة الا بنص تشريعي يصدر عن مجلس النواب.”
وقد وقع هذا القانون في 24 ايلول 1986 رئيس الجمهورية امين الجميل ورئيس الحكومة رشيد كرامي ووزير المال كميل شمعون.
واليوم، مع اشتداد الازمة الاقتصادية وحاجة لبنان ومصرفه الى السيولة بالعملات الأجنبية، اتجهت الانظار مجدداً الى الذهب الذي يستطيع سعر بيعه تقليص فجوة ميزانيات المصرف المركزي المدين للمصارف.
فهل يمكن بيع الذهب او رهنه اذا ما تم استصدار تشريع ثاني يلغي مفعول الأول؟

الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة يفنّد الموضوع وفق 3 محاور: الشق النقدي والشق الاقتصادي والشق السياسي.
ففي الشق النقدي، لا يستطيع لبنان بيع الذهب او رهنه وفق القانون الحالي، خصوصاً ان نهاية الرهن هي نقل الملكية، اي البيع بكلام آخر، يقول البروفسور عجاقة، في حال تعذر الدفع- وهذا ما حصل وسيحصل حتماً.
وفي هذه الحال، لم يبق سوى امكان تأجير الذهب في ما يسمى Gold leasing transaction، بفوائد غالباً ما تكون متدنية من خلال مصارف متخصصة في العالم تعرف بـ bullion bank، أو عبر مصارف مركزية.
البروفسور عجاقة يؤكد ان القانون لا يشمل موضوع تأجير الذهب في نصّه لسبب بسيط هو ان التأجير هو تقنية حديثة لم تكن موجودة في الثمانينيات يوم تم اصدار القانون، بحيث ان ملكية الذهب تبقى لصاحبها ولا يتم تجريده منها، لا بل يستفيد من ثمن إيجاره له.
اما الشق الاقتصادي فيتمحور حول غياب خطة اقتصادية واضحة وسط الفساد المستشري. ففي ظل هذه المعطيات، ان بيع الذهب هو انتحار، يؤكد عجاقة، اذ ان عادة يباع الذهب من ضمن استراتيجية نهوض اقتصادي واضحة بشكل ان نتيجة هذه الاستراتيجية ستكون في ما بعد شراء كمية ذهب موازية للكمية التي تم بيعها . فالذهب يشكل عامل ثقة وسلاح ردع لافتقاد هذه الثقة.
فموضوع بيع الذهب ليس “كالقجة” التي نكسرها لبيع ما في داخلها، لا بل يفترض ان يوازيه خطة اقتصادية استثمارية، يشدد عجاقة.
الاشكالية اذاً، تكمن في غياب خطة الاستراتيجية الاقتصادية وغياب الاصلاحات في ظل وجود الفساد، مما يحتّم استحالة بيع احتياطي الذهب.
يبقى الشق السياسي الذي ينطلق من واقع ان قسماً كبيراً من ذهب لبنان موجود في “فورت نوكس” في اميركا في وقت لبنان في صراع سياسي ومواجهة علنية وواضحة مع واشنطن في ظل حصار شديد… فما هي امكانية سحب الذهب من هناك؟ ناهيك عن ان العملية في الظروف العادية تتطلب آلية صعبة ومعقدة ستستغرق سنوات وسنوات. يكفي التذكير ان المانيا تحاول منذ العام 2000 سحب ذهبها من اميركا، وهي حتى اليوم، اي في العام 2020، استطاعت ان تسترد ما يوازي 5% منه فقط.
فكيف اذاً بوضع لبنان المحاصر اميركياً بشكل وثيق، يقول عجاقة؟
في كل الأحوال، وفي القانون، كان الأمين العام لحركة “مواطنون ومواطنات في دولة” الوزير السابق شربل نحاس، اكد منذ فترة ليست بعيدة ان “الدولة اللبنانية تخلّت عن سيادتها على موجوداتها الخارجية عام 1996، وذلك عندما أقرّ مجلس النواب إتفاقية عقود إصدار سندات الدين بالعملات الأجنبية “يوروبوندز”، نصّت في أحد بنودها على قبول الدولة اللبنانية الخضوع لقوانين محاكم نيويورك المدنية لحلّ أي نزاع بينها وبين دائنيها. وبذلك أصبح الذهب اللبناني الموجود خارج لبنان خاضعاً للولاية القضائية الأميركية”. وذلك في حال تخلف لبنان عن دفع السندات- وهذا ما حصل.

ذهب لبنان

اما اذا كان الكلام على بيع كمية الذهب الموجودة هنا في لبنان، فإن السؤال البديهي الذي يطرح نفسه هو هل ستسمح الولايات المتحدة للبنان – في ظل الوضع السياسي الراهن- ان يبيع ذهبه المحلي وفق سعر السوق الرسمية، اي ما يوازي 1900 او 2000 دولار للأونصة الواحدة؟ طبعاً لا – يؤكد عجاقة- ففي احسن الأحوال سيبيعه – ان استطاع بيعه- وفق سعر السوق السوداء بنصف السعر الرسمي.
اما ارقام كميات الذهب الموجودة في لبنان وفي الخارج، فموضوع آخر يؤكد البروفسور عجاقة، اذ لا ارقام رسمية حول كميات كل منه، انطلاقاً مما يسمى “عامل الغموض البنّاء” ذات الارتدادات الايجابية في السياسات النقدية، اي انطلاقاً من مبدأ اخفاء القدرة الحقيقية بهدف تعظيمها في السوق بشكل اكبر.
علماً ان معلومات اقتصادية مطلعة تفيد بأن صندوق النقد الدولي – كما مفاوض المبادرة الفرنسية – اهتم خلال جلسات المفاوضات الأولى مع لبنان بمعرفة احتياطي الذهب الموجود في مصرف لبنان، كون الذهب يشكل ضمانة محتملة يمكن ان يقدمها لبنان في سعيه الى مصادر التمويل الخارجي او الى قروض خارجية.
وعلماً ايضاً ان ادمون نعيم، وبعد عام على تولّيه منصب حاكمية مصرف لبنان، في 2 شباط 1986، أجرى جردة على موجودات المصرف من الذهب والعملات الأجنبية قائلاً: “بعدما تسلّمنا في مصرف لبنان في 14 كانون الثاني 1985، احتياطاً صافياً بالعملات الأجنبية مقداره 283 مليوناً، تمكنّا في أثناء العام 1985، من أن ندفع عن الدولة وإدارتها مبلغاً مقداره بالدولار – أو ما يوازي بالدولار – 750 مليوناً. وتمكنّا أيضاً من أن نستبقي في الاحتياط الصافي حتى ذلك التاريخ 749 مليوناً. إلّا أنّنا اضطررنا أن ندفع في كانون الثاني 1986 مبلغاً مقداره 165 مليوناً بيعاً في سوق القطع لدعم الليرة اللبنانية. ويجب ألّا ننسى قيمة 9,322,000 أونصة من الذهب، وهي توازي بسعر الدولار حينذاك 3.263 مليارات دولار”. (1)
ورغم تدخل مصرف لبنان يومها مراراً في سوق القطع بين 15 و28 شباط بائعاً حوالي 200 مليون دولار، ما أدّى إلى تراجع كبير في موجودات الذهب والعملات الأجنبية تعدّى 4.1 مليار ليرة في النصف الثاني من شباط، أكد نعيم في حديث لجريدة “السفير” في 1 نيسان 1986 أنّ “الذهب هو الحارس الأخير للشعب اللبناني بمعنى أنّه، لم نفكّر ولن نفكّر بتحريك الذهب طالما أننا نأمل في أن تستمر الحياة” وأكّد أنّ الذهب لن يُمس بأيّ شكل من الأشكال. (2)
وهنا، يؤكد عجاقة، يجب عدم اغفال تعذر بيع الذهب اينما كان موجوداً بسبب رصد واشنطن للدولارات التي ستدفع ثمنه، اذ ان هذه الأخيرة تتعقب عملتها ذات الارقام التسلسلية في كل انحاء العالم. فالقانون الاميركي يعتبر ان الدولار الاميركي هو ملك الاحتياطي الفدرالي الاميركي، وما يملكه الشخص هو قيمة هذا الدولار.
فنحن، برأي عجاقة، لا نستطيع التصرف بالذهب، لا على الصعيد النقدي، ولا على الصعيد الاقتصادي ولا على الصعيد السياسي الا اذ تغيّر الاطار السياسي، واوجدت الدولة خطة اقتصادية واصلاحية مع محاربة الفساد ستسمح حتماً بفتح الباب واسعاً للمساعدات النقدية الخارجية… وحينها ما الحاجة للتصرّف بالذهب؟

المراجع
(1) الاجندة القانونية – نيسان 2020.
(2) نعيم: الذهب الحرس الأخير للشعب اللبناني ولن يمس- جريدة السفير، 1 نيسان 1986.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات