Search
728 x 90

هل تنجح وساطة الساموراي؟

هل تنجح وساطة الساموراي؟

لأول مرة منذ 19 عاماً، يزور رئيس ايراني اليابان في النصف الثاني من كانون الاول 2019 منذ زيارة الرئيس السابق محمد خاتمي في تشرين الاول 2000، وفي اعقاب زيارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لطهران في حزيران 2019 – وهي اول زيارة لرئيس وزراء ياباني منذ 40 عاماً- في ما اعتبر يومها وساطة يابانية لتخفيف التوتر بين الولايات المتحدة الاميركية والجمهورية الاسلامية الايرانية. 
فهل تجددت الوساطة اليوم، وما حظوظ نجاحها فيما فشلت في المرة السابقة، كما كل مساعي دول عدة، ومنها العراق وعمان وسويسرا وفرنسا؟

منذ ان زار رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي طهران في 12 حزيران 2019 بعد اسبوع من الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الاميركي دونالد ترامب الى طوكيو في 27 ايار 2019، والتكهنات تسير على قدم وساق في ما قيل يومها انها وساطة يابانية بطلب مباشر من واشنطن لمحاولة خفض حدة التوتر بين العاصمتين الاميركية والايرانية وللحؤول دون حصول اي تصعيد غير متوقع قد يؤدي الى افلات الامور من زمامها في منطقة الخليج، خصوصاً ان ترامب سبق واعلن اكثر من مرة انه لا يريد الحرب مع ايران، في موازاة عمله على ليّ ذراعها كي تقبل باتفاق نووي جديد بعدما انسحبت واشنطن من الاتفاق الذي ابرم في عهد الرئيس السابق باراك اوباما.

وباعتراف الجانبين الايراني والياباني في المؤتمر الصحافي المشترك الذي ختم اللقاء بين آبي وروحاني، كان الهدف البحث عن “سبل تفادي عدم الاستقرار في المنطقة في ظل دور اليابان في تخفيف التوتر المحيط بإيران”.

يومها قوبلت الوساطة الايرانية برفض تام من الجناح الايراني المتشدد بحيث ان آبي استُقبل في مطار مهرآباد الدولي بتظاهرة من طلاب الباسيج الذين رفعوا لافتات رافضة لما سموه “الوساطة اليابانية بين واشنطن وطهران”. ومن المعروف ان الباسيج متطوعون ، وهم قوات التعبئة التي انشأها الخميني العام 1979 لحماية النظام الايراني مما يُعتبر “اعداء الداخل”، وهي تابعة للحرس الثوري الإيراني.

فسقطت بعدها كل الآمال التي كانت عُلقت على امكان لقاء بين ترامب والرئيس الايراني حسن روحاني على هامش قمة العشرين في اوساكا نهاية حزيران 2019 او الجمعية العامة للأمم المتحدة في ايلول 2019 في نيويورك.

هل من حظوظ؟ 

لكن اليوم ما الذي تغيّر، ولماذا ستكون حظوظ الوساطة اليابانية – اذا كانت المعلومات جديّة حيالها- مرتفعة اكثر من حزيران 2019؟

ففي الكفة الايجابية، وبحسب الدوائر الاجنبية التي تتابع السياسة اليابانية الخارجية، فإن الذي يوّفر حظوظ نجاح اليابان في التوسط بين طهران وواشنطن عوامل عدة، ابرزها انها الدولة الاسيوية الوحيدة الممثلة في مجموعة الدول الصناعية السبع ( وتضم فرنسا، المانيا، اليابان، بريطانيا، الولايات المتحدة، ايطاليا، كندا) كما انها تتميز بقيود دستورية داخلية حيال استخدامها القوة العسكرية.

ثم ان رئيس الوزراء الياباني والرئيس الايراني يمتازان بعلاقة ثقة وطيدة بينهما، اذ ان لقاءهما هذا الشهر في طوكيو سيكون التاسع بينهما بعدما التقيا كل سنة منذ العام 2013 على هامش اجتماعات الجمعية العامة للاممم المتحدة في نيويورك، كما في المؤتمر الاسيوي الافريقي السنوي السادس في اندونيسيا العام 2015، ناهيك عن زيارة طهران في حزيران 2019.

وفي الموازاة، تربط آبي وترامب علاقة وطيدة ايضاً.

فضلاً عن ذلك، فتاريخ اليابان يخلو من اي دور استعماري او هجومي في الشرق الاوسط، كما من اي تدخل مذهبي في المنطقة، اكان دعماً او تسليحاً او تحريضاً. وهي موضع ثقة من كلا الطرفين نظراً الى مراعاتها القانون الدولي وغياب اي سوابق لها في الحروب التجارية والنزاعات السياسية.

كما ان اليابان لم تنحز ابداً للسياسة الاميركية حيال اسرائيل، اذ انها اعترفت رسمياً بفلسطين، ولم تؤيد، لا الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ولا بسيادة اسرائيل على الجولان.

من هنا، فإن خيارات الحل التي قد تقدمها الى ايران قد تشكل مخرجاً للجناح الايراني المتشدد بحيث ان القبول بها لا يضعه في موقف من يقبل بحلول غربية، مع كل ما تحمله الكلمة من ارتدادات سيئة بالنسبة الى الايرانيين.

لكن في الموازاة، يبدو الاهتمام الياباني بإيران اقتصادياً اكثر منه سياسياً. فاليابان سعت دوماً في السابق الى التميّز في موقفها عن واشنطن حرصاً على علاقة طيبة مع طهران، لأسباب اقتصادية وتجارية في المرتبة الاولى، فإنها لم تقطع يوماً علاقتها مع الجمهورية الاسلامية الايرانية رغم ارتفاع وتيرة التوتر بين العاصمتين العدوّتين وفي ذروة ازمة الرهائن الاميركية بين 1979 و1980، لا بل ابقت على شرائها النفط الايراني الذي كان بالنسبة اليها بسعر اوفر من مصادر الطاقة العالمية البديلة الاخرى الى ان التزمت بالعقوبات الاميركية في ايار الماضي، مع انها خفضت وارداتها من النفط الايراني خلال نظام العقوبات الاميركية الصارمة العام 2012 من دون ان تقطعها كما طلبت واشنطن. وهي وفق آخر ارقام صناعة الطاقة، استوردت ما قيمته 3.5 مليار دولار من النفط الإيراني العام 2017.

وطوكيو، كما الدول الصناعية الاخرى، تعلق اهمية كبرى على امن مضيق هرمز، اذ ان 80% من وارداتها النفطية من المنطقة تمر عبره رغم انها لا تستورد سوى 5% من نفطها من ايران.

تضاف الى ذلك الفرصة الاقتصادية التي تقدمها ايران بالنسبة الى الشركات اليابانية التي تتنافس مع الصين اولاً وبعض الدول الاوروبية ثانياً، على التزامات لتطوير البنى التحتية الايرانية، ومنها تكنولوجيا السكك الحديدية العالية السرعة، خصوصاً ان الصين استحوذت على اكبر نسبة من الاستثمارات الاجنبية في المنطقة بعد قمة مبادرة الحزام والطريق الصينية التي اطلقتها بيجينغ العام 2013، والتي هدفت الى ربط الصين بالعالم – وفق طريق الحرير التجاري في القرن التاسع عشر – وإلى توسيع التجارة العالمية من خلال إنشاء شبكات من الطرق والموانئ والمرافق الأخرى عبر آسيا وإفريقيا وأوروبا.

شروط لم تتبدل

وفي المقلب الآخر، لا تزال الشروط الأميركية لإجراء حوار مع إيران هي نفسها، بدءاً بعدم استكمال البرنامج النووي الايراني والحد من انتشار الصواريخ الباليستية القادرة على حمل رؤوس نووية فضلا عن توقف طهران عن دعم ما تعتبرها اميركا الجماعات الإرهابية المسلحة في اليمن وسوريا والعراق وليبيا ولبنان، وضمانة امن مضيق هرمز وعدم التهديد بإغلاقه.

واذا لم تتجاوب طهران مع هذه الشروط، اذ انها اعلنت على دفعات تملصها من قيود الاتفاق النووي، كما انها لم توقف تورطها في سياسات اي من الدول المجاورة – من تظاهرات العراق الرافضة لتدخلها وحرق القنصلية الايرانية في النجف، الى المعلومات عن نقلها صواريخ بالستية قصيرة المدى إلى العراق لتنفيذ ضربات ضد القوات الأميركية – فإن الظروف الاقليمية تبدو مؤاتية للجنوح نحو الحلحلة، وان كان بشكل بعيد المدى.

فالكلام الاعلامي الذي اثير في الايام الاخيرة عن تواصل غير مباشر بين المملكة العربية السعودية والحوثيين، لم يخرج من عدم، حتى لو لم يصل الوضع بعد الى الحوار المباشر. كما ان اعلان الرئيس الايراني حسن روحاني في 3 كانون الاول رغبته بتحسين العلاقات مع دول الخليج وعدم ممانعته في اعادة العلاقات مع السعودية، يصب في هذا الاتجاه بعدما كشف عن تبادل الزيارات مع مسؤولين اماراتيين، ودعا الدول الخليجية من منبر الامم المتحدة في ايلول الماضي الى الانضمام إلى مبادرة “تحالف الأمل من أجل السلام في مضيق هرمز”.

وجاء اخيراً تبادل طهران وواشنطن سجينين في 8 كانون الاول وسط ترحيب منهما، ليدّعم هذا المنحى خصوصاً بعدما قال مسؤول رفيع في الادارة الاميركية ” أن هذه الخطوة مؤشر إلى أن طهران ترغب في التفاوض بشأن قضايا أخرى” .

اما بالنسبة الى الجانب الايراني، فإن العقوبات الاميركية المفروضة باتت تشكل عبئا على اقتصاده المنهك، على الرغم من كل التصريحات العلنية الرسمية التي تدحض ذلك. وطهران تعلم جيداً ان الرئيس الاميركي لن يذهب الى الحرب وهو على ابواب معركة انتخابية قد تؤمن له ولاية ثانية في البيت الابيض. كما ان ابرام اي اتفاق نووي بديل مع طهران سيشكل ورقة رابحة في معركته … لن تقدمها اليه طهران مجاناً على طبق من فضّة مهما كان الخناق يشتد على اقتصادها.

لكن الحسابات ايضا تنصب على ادراك طهران واقع ان احتمال اعادة انتخاب ترامب لولاية جديدة وفق توقعات في واشنطن كما في دول العالم، سيعني ان على ايران ان تواجه خيارات صعبة لان ترامب سيكون في البيت الابيض لولاية جديدة من اربع سنوات.

ويتعين تالياً على المرشد علي خامنئي ان يجد سبيلاً للحوار مع واشنطن على رغم قراره بعدم الحوار مع ادارة ترامب لان الاقتصاد الايراني يعاني بشدة ومن غير المحتمل ان يستطيع الصمود لاربع سنوات جديدة. يترافق ذلك مع التحديات الهائلة التي تواجهها طهران في مناطق نفوذها في دول المنطقة ولا سيما في العراق كما في لبنان وصولا الى التظاهرات في المدن الايرانية نفسها.

الزيارة الى اليابان في رأي البعض تعبير عن تعويض على بدء التصعيد الايراني في ما عرف بحرب الناقلات النفطية تزامناً مع زيارة رئيس الوزراء الياباني لطهران، لكن ايران تظهر رغبة ايضاً في تعدد قنوات الحوار الوسيطة مع واشنطن، كما ايضاً في توسيع هامش انفتاحها منعاً للعزلة في العلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات