Search
728 x 90

هل تستطيع فرنسا انقاذ لبنان من مصيره القاتم؟

هل تستطيع فرنسا انقاذ لبنان من مصيره القاتم؟

هل اتت العقوبات الاميركية على وزيرين سابقين، الاول من حركة “امل” والثاني من “المردة”، لتشكل عرقلة للمبادرة الفرنسية، ام ان الثنائي الشيعي تذرّع بها للتشدد في مطالبه في الحكومة العتيدة؟
فالتحدي في إنقاذ لبنان يرتكز الى رهان خارجي على وجوب نجاح الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في مبادرته على رغم المخاوف من ان تبتلعه الرمال المتحركة اللبنانية بامتداداتها الاقليمية.

حين اعلنت وزارة الخزانة الاميركية عقوبات طاولت وزيرين سابقين بتهمة تسهيل اعمال “حزب الله” احدهما المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري والآخر احد ابرز ممثلي رئيس تيار المردة سليمان فرنجيه، برزت نظرية في لبنان طغت على غالبية الاوساط السياسية مفادها ان الولايات المتحدة وعلى نقيض ما اعلنته من تنسيق مع المبادرة الفرنسية من اجل لبنان ترمي الى تعطيلها. ذلك ان هذه العقوبات شكلت ذرائع للثنائي الشيعي الذي يضم بري و”حزب الله” من اجل التشدد في مطالبه في الحكومة العتيدة تحت عنوان انه لا يقبل ان يظهر متنازلاً في ظل تشديد العقوبات عليه، وذلك فيما كان الثنائي اظهر استعداداً للمرونة مع المبادرة الي قدمها الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون.
البديهي انه اذا كان المنطق يفيد بأنه اذا كانت تسعى الولايات المتحدة الى عرقلة المبادرة الفرنسية فالأحرى بأن ينتقم الثنائي من واشنطن او يرد الصاع الصاعين بإعطائها زخماً غير مسبوق. ولكن يخشى ان يكون الثنائي اتّخذ من العقوبات ذريعة من اجل عرقلة اجباره على التخلي عما يعتبرها مكاسب حصل عليها تدريجاً ترغيباً او ترهيباً منذ العام 2005 حتى لو كان الثمن المزيد من انهيار البلد.
وفي حمأة المشاورات البعيدة عن الاضواء التي كان يتولاها الديبلوماسيون الفرنسيون مباشرة عبر اتصالات يومية بالزعماء او المسؤولين اللبنانيين، كانت لا تزال الشكوك قوية بأن تتمكن فرنسا فعلاً على رغم الجهد الشخصي الذي وضعه الرئيس امانويل ماكرون في تجاوز التعقيدات الاقليمية والولاءات من بعض افرقاء الداخل في غمرة تطورات كبيرة زلزالية في المنطقة حيث تشعر طهران بتضييق وضغوطات كبيرة وفيما لم تبد المملكة السعودية ارتياحاً للمرونة الفرنسية ازاء ” حزب الله”.
لكن وعلى رغم التحفظات التي لم يخفها الاميركيون ازاء المقاربة الفرنسية المرنة جداً من الحزب، فإن الولايات المتحدة لا تستطيع الاعتراض فعلاً على اضطلاع فرنسا بمحاولة وقف الانهيار اللبناني على رغم وجود نظريات تفيد بأن واشنطن كما الدول العربية الخليجية تترك لبنان لمصيره في ظل حكم يتولاه الثنائي الشيعي مع حليفه المسيحي العوني برئاسة العماد ميشال عون. ذلك ان هذا التحالف قاد لبنان الى الانهيار وادى الى عزلة لبنان ولا يجب انقاذه وفق ما فعلت المبادرة الفرنسية التي اعادت تعويمه علماً ان باريس لم تدخل على الخط الانقاذ فعلاً الا بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت التي اودت بحوالي 200 قتيل واكثر من 6000 جريح. كان لبنان قبل الانفجار يسرّع الخطى الى انهيار محتوم على خلفية ان التحالف الحاكم كان مدركاً جيداً، وقبل سنتين على الاقل، المآل الذي يتجه اليه لبنان فيما لو يتم الاصلاح الفعلي ولكن ظلّ هذا التحالف متشبثاً بكل مكتسباته ساعياً الى المزيد ورافضاً اي حلول فعلية, وهو امر ساهم في تغذية الانطباع بأن هذا الفريق يدفع البلد الى انهيار اقتصادي ومالي بفعل تداعي قطاعه المصرفي واثره الكارثي على كل القطاعات والمؤسسات بذريعة ان لبنان القديم الذي تم الاحتفال بمئويته الاولى في الاول من ايلول 2020 انتهى وهناك سهي من هذا التحالف الى اعادة بنائه على اسس تناسبه.
ثمة اداء متعدد الاوجه كان يدفع في اتجاه تعزيز هذا الانطباع ولا سيما مع دعم حكومة برئاسة حسان دياب التي كانت تمثّل هذا التحالف لوحده والتي اتّخذت قرارات مالية كارثية وظل التمسك بها قوياً حتى ما بعد انفجار المرفأ بذريعة القدرة على المتابعة حتى ما بعد الانتخابات الاميركية في تشرين الثاني 2020.
ما تحتاج اليه فرنسا هو برنامج حددته في الواقع من حكومة مختلفة عن سابقاتها بحيث يمكّنها من استعادة ثقة اللبنانيين والقيام بإصلاحات توقف تسارع الانهيار وتمهّد لبداية انقاذ اقتصادي. اخذت باريس على عاتقها هذه المسؤولية في المواقف المكررة التي اعادها ماكرون على مسامع الشباب اللبنانيين الذين طالبوه بعودة انتداب بلاده على لبنان او وصايته على لبنان من اجل الحؤول دون انتقال اللبنانيين الى الخارج وتحديداً الى فرنسا.
وهذا يشغل بال الرئيس الفرنسي الذي لا يخشى هجرة مسيحية في شكل خاص ولا سيما ان انفجار المرفأ اصاب في العمق الطبقة الوسطى المسيحية وثقل وجودها في منطقة الساحل البيروتي، لكن يشغله اكثر هجرة لبنانية واسعة وحتى هجرة سورية قوية ايضاً في ضوء استضافة لبنان نحواً من مليون سوري سيسعون الى الهجرة في ظل استحالة عودتهم الى بلادهم. وآخر المعاقل القوية للحضور الفرنسي في المنطقة يمكن ان يسقط ايضاً بسقوط لبنان الذي كان الفرنسيون اساساً في اعلانه قبل مئة عام.
هناك رهان خارجي على وجوب نجاح ماكرون على رغم المخاوف من ان تبتلعه الرمال المتحركة اللبنانية بامتداداتها الاقليمية ولا سيما مع محاولة تركيا التي هي اليوم على نقيض مع فرنسا في المنطقة الى ان تقيم لها موطىء قدم في شمال لبنان عبر المساعدات التي تقدمها.
هذا الرهان مبني فقط على عدم رغبة الدول المهتمة في ان يصبح لبنان مصدر ازعاج في المنطقة بعدم استقراره وليس من اجل انقاذ قوى السلطة التي يشكل ” حزب الله” ركنها الاساسي.
وهذا هو التحدي في انقاذ لبنان وليس انقاذ محور اثبت فشله في ادارة لبنان.
لكن الشكوك اكبر بكثير من الآمال على هذا المستوى لأن ثعالب السياسة اللبنانية في الداخل لن يسمحوا بتهديد معاقلهم المافيوية ولا يُعتقد ان هناك مصلحة اقليمية بتبديل هذا الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات