Search
728 x 90

هتلر العائد… والبابا فرنسيس البُوصلة!

هتلر العائد… والبابا فرنسيس البُوصلة!

حذّر البابا من هتلر عائد. تنسَّم أن ما يُعَد، ليس في إيطاليا فحسب، بل في أوروبا، وعلى امتداد الخارطة العالمية، اشتباكٌ سياسي قد يستحيل ميدانيّاً. لكن الأخطر أنه اشتباكٌ ديونتولوجي.

زياد الصائغ 

خبير في السياسات العامة واللاجئين

ماتيو سالفيني يهدد بفرط عقد الحكومة الإيطالية من أجلِ نفقٍ يصِل إيطاليا بفرنسا، يصّر عليه هو، فيما يعارضه الأعضاء الباقون في الائتلاف الحكومي. لكن القضيّة أبعد من نفق. هي الوطنيّة القوميّة تُعاود الاستِفاقة بعد أن كان الائتلاف الحكومي، ونتائج انتخابات البرلمان الأوروبي، حاولا التخفيف من وطأة هذا الصعود. لوثَة الشعبويّة في تنامي. خطورة طروحات الكزينوفوبييّن، وعلى بُعد مئات أمتارٍ فقط من روما العاصمة، تصدّى لها بشراسة البابا فرنسيس الأول. حذّر البابا من هتلر عائد. تنسَّم أن ما يُعَد، ليس في إيطاليا فحسب، بل في أوروبا، وعلى امتداد الخارطة العالمية، اشتباكٌ سياسي قد يستحيل ميدانيّاً. لكن الأخطر أنه اشتباكٌ ديونتولوجي.

تنسَّم البابا فرنسيس أن لا مكان للمواقف الرماديّة حين مواجهة صانعي الكراهيّة. ليس مقصوراً توجّسه حتما على ما يعانيه، وقد يعانيه أكثر، اللاجئون والمهاجرون والنازحون من تصلُّب في إجراءاتٍ عنصريّة تحت ستار السياديّة، – (يُقتضى تحديد السياديّة بدقّة إذ هي بُنية مؤسِّسة في أيّ دولة) – لكن توجّسه، وبمجرّد تسميته هتلر، يبدو أنه ذهب باتجاه التحذير من أننا دخلنا في مُربَّع إعادة فرز الناس على قاعدة الأعراق والطبقات. تفويق البعض وازدراء البعض. تسقُط هنا رزمة الإجراءات السيادية، النبيلة أساساً، في محظور التمييز الكيانيّ. كذا يفعل ترامب في الولايات المتحدة الأميركية مع فقراء الغرين كارد. كذا يسوّق جونسون لرُزمة تدابير مماثِلة لتحجيم مساعدات الصندوق الإنكليزي الإنساني الدّولي. كذا في المانيا وفرنسا موجة اعتراضٍ على استمرار الدعم للفئات الأكثر تهميشاً، من غير المواطنين الأصليّين، على ما يسمّونهم. في مربّع جنونٍ عنصري دخلنا. من هنا كان موقف البابا فرنسيس كثيف النبويّة.

لا حاجة للاسترسال في توصيف السِّمات المدمّرة لِما حمله هتلر وموسوليني وأمثالهما الى العالم. في جينات هؤلاء جميعاً استِئساد عظَمة، واستعلاء عِرق، وضخُّ أيديولوجي في فِعل إلغاء من لا يلتزِم بخياراتهم. هذا ما يؤرِق البابا فرنسيس الأول. ليس المعطى الاقتصادي – الاجتماعي المتهاوي العدالة يؤرقه فحسب. بل تهشيم بُنيان مفهوم المساواة والتّعاضد. هنا بيت قصيد ما أراد البابا فرنسيس تكريسه بمواجهة ثابتة مع مربّع الجنون العنصري، تخوضها الكنيسة الكاثوليكية وحلفاؤها من كل الكنائس والأديان دون هوادة. أمام بداية حِلف أديانٍ بالقِيَم الانسانيّة نحن.

من المفيد في هذ العُجالة الإشارة الى أن اللّاهوت الأوروبي، الفرنكوفوني والأنغلوساكسوني منه، سيكون في هذه المرحة بإزاء محنةٍ جوهريّة. لا تكفي استعادة بولتمان، وغيرهارد إيبلينغ، وديتريخ بونهوفر، وفريديريش غوغارتن، ويورغن مولتمن، ولو أنّ كلّاً من هؤلاء حاول فهم علاقة المسيحيّة الأوروبيّة بالمأزوميّة السياسيّة والاجتماعيّة التي تَتَشكّل منها الفينومينولوجيّات العملانيّة في البرامج الانتخابيّة، واستنفار القواعد الشعبيّة، وصياغة قيادةٍ مجتمعيّة بالحوكمة التقنيّة. محاولة فهم هؤلاء لهذه التعقيدات بقِيَت هي أيضاً في تأرجحٍ مأزقيّ.

من هنا استعادة تجارب هؤلاء وغيرهم من مِثلِ اللّاهوتي الكاثوليكي جان باتيست ميتس الذي نادى بأولويّة دور الكنيسة الاجتماعي من خلال أنسنة المجتمع والتخفيف من نَسَق الجشع والاستغلال والاحتكار، والتفوّقية العرقيّة والطبقيّة، هذه الاستعادة باتت على كثير من الإلحاح نعم، إنّما غير كافية. ونحتاج معها صدمة، مما أشرنا إليه بحِلف الأديان الذي وضع مداميكه اللّاهوتي السويسري هانس كونغ، من خلال سلامٍ عالميّ تُشيّده هذه معاً بمنظومة قِيَمٍ أساسها الحرية والعدالة الاجتماعية.

البابا فرنسيس الأول افتتح المواجهة مع هتلر العائد. من على بُعد خطواتٍ من ماتيو سالفيني أطلق مبادرة تاريخيّة … هنا البُوصلة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات