Search
728 x 90

“نبع السلام” ارسى تقاسم النفوذ في سوريا… بقيادة روسيا

“نبع السلام” ارسى تقاسم النفوذ في سوريا… بقيادة روسيا

بين انطلاق عملية “نبع السلام” العسكرية التركية على الحدود مع سوريا، تزامناً مع القرار الاميركي بسحب قوات واشنطن من مناطق النفوذ الكردية، وبين الاتفاق الكردي السوري على دخول قوات النظام الى المدن الكردية الحدودية، اين يقع الاكراد، وما ابعاد القرار الاميركي، وما دور اللاعبين الآخرين الممسكين بأوراق عدة على الارض السورية؟ سفير لبنان السابق في واشنطن مدير مركز الدراسات والمشاريع الانمائية (مدما) الدكتور رياض طبارة يحلل ابعاد القرار الاميركي وانعكاسه على المنطقة لموقع beirutinsights كما يفنّد رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث العميد الركن هشام جابر الخريطة العسكرية المستجدة وابعادها.

انطلاق الشرارة

شكل اعلان الرئيس الاميركي سحب جنوده من سوريا شرارة انطلاق عملية “نبع السلام” العسكرية التركية على الحدود المشتركة بين سوريا وتركيا لتأمين هدف انقرة الذي طالما رددته منذ العام الماضي بإرساء “منطقة آمنة” على حدودها خالية من الوجود الكردي الذي تعتبره ارهابياً.

واتى اعلان الرئيس الاميركي ان “خطتنا الا نلعب دور الشرطي في العالم” ليرسي دور قيادة تحريك العمليات في سوريا بيد موسكو وحدها. فالقرار الاميركي يصب في مصلحة روسيا بدرجة اولى، يقول السفير رياض طبارة لـ beirutinsights ، ومن ثم بدرجة اقل انقرة وطهران، بحيث تكون للأولى والثانية منطقتا نفوذ واضحتين. فموسكو ابرمت سابقاً اتفاقية حميميم التي وضعت هذه المنطقة تحت سيطرتها بحيث لا يستطيع حتى الرئيس السوري من دخولها من دون اذن المسؤول الروسي عن الموقع – كما يقول طبارة.

وما اعلان رئيسة مجلس النواب الاميركي نانسي بيلوسي الا لتأكيد هذه المقولة، اذ قالت ان “الروس كانوا يحاولون الحصول على موطئ قدم لهم في الشرق الأوسط وترامب منحهم ذلك”.

واذا كان الرئيس الاميركي دونالد ترامب اتخذ قراره وحده فلينفذ وعداً قطعه خلال حملته الانتخابية بإعادة كل الجنود الاميركيين الى الوطن لاستثمار ذلك في حملته الانتخابية للـ 2020، كما كشف السفير طبارة، معتبراً ان مخطئاً من يعتقد ان ترامب اتخذ قراراً استراتيجياً يخدم اميركا بسحب قواتها من سوريا. واضاف ان وزير الخارجية مايك بومبيو تفاجأ بالقرار كما بقية مستشاري ترامب عندما عرفوا به بواسطة وسائل الاعلام.

فترامب لم يستشر مجلس الامن القومي قبيل القرار، ولم يأخذ برأي احد بعدما تخلص من مستشاره للأمن القومي جون بولتون الذي كان يعارض الانسحاب، ووضع مكانه روبرت اوبراين المؤمن بسياسته بشكل تام، بحيث انه بدّل كل الطاقم السياسي الذي من الممكن ان يعارضه، ووضع مكانه طاقماً يولي له بالولاء الاعمى. وقد اتخذ قراره وبدأ يطرح الحجج لتبرير خطوته، فيقول تارة ان الاكراد ليسوا ملائكة، وطوراً ان الحرب بين الاكراد والاتراك عمرها مئة سنة، او ان واشنطن ليست ملزمة بدفع رواتب المقاتلين الاكراد.

اما المعارضة الاميركية الداخلية لترامب – ولا سيما من قبل الديمقراطيين وبعض الجمهوريين- والمتمثلة بعملية بدء اجراء عزله في الكونغرس الاميركي، فيحاول الرئيس الاميركي ارضاء قسم منها، وخصوصاً جمهوريي مجلس الشيوخ عبر فرضه العقوبات على تركيا، اذ سيتعين عليه تأمين ثلثي مجلس الشيوخ للحؤول دون عزله، كما يقول السفير طبارة.

طبارة يضيف: “انا لم ار في التاريخ الاميركي الحديث رئيساً يسخّر البيت الابيض بأكمله للإنتخابات المقبلة في العام 2020. فترامب يسعى الى العمل على اعادة انتخابه بأي عمل استعراضي يخدمه. وهو يعمد مثلاً الى استعراض بعض مئات من الجنود الاميركيين العائدين الى واشنطن – لأن كامل عدد الجنود الذي سيسحبوا سيتوزعون على مناطق اخرى، منها السعودية وغيرها- امام الكاميرات ليبيّض صورته امام الرأي العام الاميركي عارضاً نفسه بأنه من اعاد ابناءهم الى الوطن”.

“نبع السلام”

وإذا كان الرئيس التركي رجب اردوغان هدد مراراً بإرساء “المنطقة الآمنة” بشكل احادي بعدما اتهم واشنطن “بالمماطلة” في المحادثات بشأنها، فإنه سارع الى وضعه قيد التنفيذ بعدما تأمنت له الظروف السياسية المؤاتية في ظل مباركة الكرملين الذي لم يشجب العملية انما اكد ان “تركيا لا تمتلك الحق في الوجود الدائم في سوريا” مستدركاً ان “العملية يجب ان تكون نسبية”. وتبعه مجلس الامن الروسي مؤكداً ان العملية العسكرية التركية في سوريا لن تستمر طويلاً، او بكلام آخر وفق متابعين للوضع السوري، ممنوع التقسيم، لكن مسموح تقاسم مناطق النفوذ.

ويقول العميد جابر لـ beirutinsights في هذا الاطار ان عملية “نبع السلام” لم تفاجئ اي متابع للوضع السوري خصوصاً ان الرئيس التركي يقول منذ اكثر من شهرين ان واشنطن تماطل في ارساء المنطقة الآمنة، مهدداً بالتدخل من دون اي موافقة او مباركة دولية لخطوته العسكرية، ناهيك ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب اخذ قراره منذ ما قبل نهاية 2018 بالإنسحاب من سوريا. فكان قراره مع وقف التنفيذ الذي اعلنه في 7 تشرين الاول 2019.

فالعملية التركية اعادت خلط الاوراق من جديد في سوريا، يقول جابر، محدثة اختراقاً سياسياً في هذه الحلقة المفرغة، ولا سيما ان الاكراد تأخروا كثيراً في التفاهم مع النظام السوري. فلو حصل هذا الاتفاق قبل اسبوعين او اكثر لما دخلت تركيا الى سوريا ولما سقط هذا العدد من الضحايا، يؤكد جابر.

وفي هذا الاطار يأتي تصريح وزير الخارجية التركية ان “موسكو وعدت أنقرة بأن المسلحين الأكراد لن ينتشروا في سوريا قرب الحدود التركية” ليؤكد ان الاتفاق الكردي – السوري تم برعاية روسية وبعدما اخذت دمشق علماً بواسطة موسكو بموافقة انقرة.

من هنا، يلفت العميد جابر الى ان دخول الجيش السوري الى شرق الفرات يجعل حجج الرئيس التركي تنتفي. فإردوغان قال ان الاهداف من دخوله سوريا تختصر بثلاثة: القضاء على خطر الإرهاب الموجه نحو تركيا والعمل على تحقيق عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم من خلال المنطقة الآمنة ، كما المحافظة على وحدة الأراضي السورية. اما الهدف الاهم بالنسبة اليه برأي جابر، فهو منع قيام كيان كردي، وهذا هدف توافق عليه كل من روسيا وسوريا والعراق وايران.

فالأكراد – يقول جابر- لم يتعلموا، لا من درس كردستان ولا من عفرين، ان واشنطن ستتخلى عنهم عاجلاً ام آجلاً…. مما دفعهم الى الانتظار الى الربع الساعة الاخير للإتفاق مع دمشق على دخولها مناطق سيطرتهم. فتركيا ماضية في عمليتها حتى تتأكد من خلو كل المنطقة الآمنة من اي وجود كردي، وهي تعتبر انها “حررت” نحو الف كيلومتر مربع من اصل مساحة بطول 120 كيلومتراً وبعمق 3 آلاف كيلومتر تقريباً، وذلك في ظل شراسة القتال الكردي في المنطقة المستهدفة حالياً ما بين رأس العين- تل ابيض.

اما السوريون فيتقدمون في مناطق بعيدة عن مسرح العمليات العسكرية. وبعدما دخلوا الى منبج، على الضفة الغربية من نهر الفرات حيث كان اتفاق منبج القاضي بموافقة انقرة على دخول دمشق اليها شرط ان يخرج منها الاكراد، يبدو انهم يتجهون الى عين العرب- كوباني.

من هنا حتمية التوصل الى الاتفاق الكردي- السوري، يؤكد السفير طبارة، رغم ان الخاسر الاكبر في العملية هم الاكراد الذين يدفعون ثمن القرار الاميركي، اذ لا خيار لديهم سوى اللجوء الى النظام.

طبارة يستبعد كلياً اي مواجهة سورية – تركية لأنها تفترض التدخل الروسي الى جانب دمشق بكل الاوجه اللوجستية والعسكرية.

خلط اوراق؟

لكن هل العملية العسكرية التركية والاتفاق الكردي- السوري خلطا الاوراق على الساحة السورية؟

طبارة يقول ان القرار الاميركي وحده اعاد خلط الاوراق من دون اي تأثير مباشر على الواقع على الارض. فتركيا اصلاً موجودة على الحدود التركية- السورية وشمال شرق سوريا ، والجنوب السوري يقع عملياً تحت سيطرة اسرائيل التي فرضت منطقة عازلة لا وجود للنظام او لحلفائه فيها فيما ان سوريا المفيدة من دمشق الى حلب لا تزال موجودة.

ويؤكد العميد جابر في السياق نفسه وجود اوركسترا على ارض العمليات السورية تضم سوريا وايران وتركيا والاكراد بقيادة موسكو وبموافقة واشنطن. ويشير الى وجود حقول الغام سياسية كثيرة قد تبدل بالمعطيات الراهنة، بدءاً بتشرذم الاكراد واستمرار مراهنة بعض قياداتهم على الدور الاميركي، وصولاً الى سعي الكثير من اللاعبين الفاعلين لتحسين مواقعهم على الارض وقبل التوصل الى اي اتفاق لوقف النار، نظراً الى ان شرق الفرات يعتبر اغنى منطقة في سوريا بالنفط والغاز، وصولاً الى دير الزور.

فالدول اللاعبة على الساحة السورية ليست جمعيات خيرية، يقول جابر فيما ملف تقاسم النفوذ فُتح منذ العام الماضي بعدما طوي ملف تقسيم سوريا. وهي تسعى للحصول على اكبر عدد من الاوراق الرابحة في الميدان بهدف تحسين موقعها في التفاوض.

واذا كان الاكراد الخاسر الاكبر في هذه العملية ، فإنهم يدفعون حتماً ثمن تشرذمهم، اذ ما من حزب كردي الا وتفرع منه حزبان وثلاثة واكثر. وهم اليوم ابعد ما يكون عن إبراهيم هنانو الذي ناهض الانتداب الفرنسي العام 1920 معلناً الثورة على الفرنسيين ومؤسساً أول تنظيم سياسي كردي باسم الحزب الديمقراطي الكردي العام 1957. كما اضطرتهم الظروف الراهنة الى التخلي عن كل المنجزات التي حققوها منذ احداث القامشلي ودحرهم تنظيم داعش من مناطق نفوذهم، كما سيطرتهم على نحو 90% من موارد الثروة النفطية السورية شرق نهر الفرات ناهيك عن 45% من إنتاج الغاز، والعديد من السدود الاستراتيجية.

وهم لم يتعلّموا فعلياً من تجاربهم السابقة. فنسوا ان الهجوم العسكري التركي على عفرين بدأ لمنعهم من انشاء اي كيان كردي مستقل في اعقاب اعلان واشنطن في كانون الأول 2017 إنشاء قوة حدودية من 30 ألف مقاتل، عمادها الأساسي قوات سوريا الديمقراطية شمال شرق سوريا، مما اضطرهم الى الانسحاب نحو مناطق تمركز القوات الأميركية، فمنبج لاحقاً.

وجاء القرار الاميركي بالإنسحاب ليشكل الضربة القاضية التي اطاحت بحلم الاستقلالية وقدمت سوريا لروسيا على طبق من فضة، اذ لم يبق امام الاكراد سوى عقد صفقة مع النظام السوري ولا سيما بعدما لمسوا ان الموقف الروسي التقى مع الموقف التركي لجهة اعتبارهم انفصاليين كما سبق وقال وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف، وذلك بهدف توسيع الشرخ بين واشنطن وانقرة من جهة، وانقرة ودول حلف شمال الاطلسي من جهة اخرى. وما الدواعش وعائلاتهم في سجون الاكراد سوى ورقة ضغط كبيرة، اكانت في يد الاكراد ام الاتراك… تماماً كما امواج النازحين الجدد الذين تتخوف اوروبا من وصولهم اليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات