Search
728 x 90

نائب رئيس الحكومة تقليدٌ لمنصب وهمي: حتميٌ لكن ليس ضرورياً 

نائب رئيس الحكومة تقليدٌ لمنصب وهمي: حتميٌ لكن ليس ضرورياً 

ثمة مَن يعتقد ان نيابة رئاسة الحكومة تعويض مثالي عن الحقيبة السيادية، فيما هي اقرب ما تكون الى وزارة الدولة التي ليس فيها الا صاحب الصفة.

منذ اليوم الاول لتكليف الرئيس سعد الحريري تأليف الحكومة في 24 ايار الفائت، ظل الخلاف على منصب نائب رئيس الحكومة والفريق الذي يُحتسب في حصته مدار نزاع لم يتوقف. اكثر من الحقائب السيادية الاربع التي صار الى التفاهم سلفاً على تقاسمها منذ ما قبل التكليف حتى، بين رئيس الجمهورية ميشال عون (الدفاع) ورئيس مجلس النواب نبيه برّي (المال) والرئيس المكلف سعد الحريري (الداخلية) ورئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل (الخارجية)، وعلى قدم المساواة مع الحقائب الرئيسية التي صار ايضاً الى التفاهم عليها: الصحة (حزب الله)، الاتصالات (تيار المستقبل)، الطاقة والمياه (التيار الوطني الحر)، الاشغال العامة والنقل (المردة)، العدل (رئيس الجمهورية)، الشؤون الاجتماعية (حزب القوات اللبنانية).

وقع منصب نائب رئيس الحكومة في مدار تجاذب لم يتوقف بعد. بداية قال حزب القوات اللبنانية انه في حصته كونه شغله في حكومة 2016، ثم قيل ان رئيس الجمهورية يصر عليه لأنه عُرفاً هو مَن يسمي شاغله في حصته، ثم قيل اخيراً ان الرئيس تخلى عنه للقوات اللبنانية شرط اقتصار حصتها على اربعة مقاعد وثلاث حقائب الى نيابة رئاسة الحكومة التي هي مقعد بلا حقيبة، ثم قيل ان الحزب رفض العرض متمسكاً بحقائب اربع لمقاعد اربعة. مذذاك يدور الجدل من حول هذه الافكار: تؤول نيابة رئاسة الحكومة الى حزب سمير جعجع او تبقى في عهد رئيس الجمهورية، بعدما شاع انه يرغب في احلال الوزير السابق الياس بوصعب فيها؟

ثمة دافع آخر حمل سمير جعجع على التشبّث بنيابة رئاسة الحكومة، هو حرمانه حقيبة سيادية اسوة بالكتل الكبرى، آخذاً في الحسبان ان كتلة حزبه كبيرة بنوابها الـ15 كي يكون شريك جبران باسيل في توزيع الحقائب السيادية مناصفة بين المسيحيين والمسلمين. في معظم مراحل التفاوض كان المنصب يتقلّب ما بين رئيس الجمهورية ورئيس حزب القوات اللبنانية دونما خيار ثالث.

واقع الامر ان هذا المقعد بات يحمل اكثر مما يسعه ان يحتمل، والنزاعات الدائرة من حوله اكبر من ان يستحق. عُهد فيه الى الطائفة الارثوذكسية شأن منصب نائب رئيس مجلس النواب، فاضحى تقليداً تاريخياً في سياق ارساء توازن تقاسم السلطات بين الطوائف الكبرى. بينهما اختلاف جوهري، هو ان نائب رئيس المجلس منصب ينص عليه الدستور في مادته 44، ويجعل ولايته من عمر ولاية رئيس المجلس التي هي من عمر ولاية البرلمان، وترعى انتخابه الآلية نفسها لانتخاب رئيس المجلس بالاقتراع السرّي وفي تصويت مستقل، كذلك بالنسبة الى نزع الثقة بهما. بدوره النظام الداخلي لمجلس النواب الصادر بقانون مع احدث تعديلاته في 18 تشرين الاول 1994 يحدّد صلاحيات نائب الرئيس، ويتولاها كاملة في غياب رئيس المجلس او عند تعذّر قيامه بمهماته اذ يحل محله. ثمة سوابق احلت ايلي فرزلي في مقعد رئيسه نبيه برّي في غيابه .

ليس في ذلك شيء لنائب رئيس الحكومة، اذ لا يأتي الدستور على ذكره على الاطلاق. لا يأتي على ذكره ايضاً مرسوم تنظيم اعمال مجلس الوزراء رقم 2552 الصادر في الاول من آب 1992 ابان حكومة الرئيس رشيد الصلح، فلا يلحظ اي دور له كأن لا وجود له ما دام لا كيان دستورياً له. بذلك يمسي هذا المنصب مقعداً وهمياً. عرفي خال من تأثير او فاعلية. لا صلاحيات. لا ملاك. لا مكتب لصاحبه في السرايا الحكومية. في الغالب يُعهد فيه الى وزير يشغل حقيبة وزارية. في احايين اخرى يناط بوزير لا حقيبة معه، خصوصاً في الحكومات الثلاثينية الفضفاضة التمثيل.

بحسب ما يردّده الرئيس حسين الحسيني ان مداولات الطائف تناولت، الى الوثيقة المكتوبة، قواعد محدّدة ناقشها النواب اللبنانيون من غير ادماجها في الوثيقة تلك، بيد انها أُدخلت في محضر الجلسات، على ان يصير الى الخوض فيها لاحقاً وتثبيتها بعد تكريس التوافق عليها. من بينها نيابة رئاسة الحكومة بحيث تقتدي بالصلاحيات التي يمنحها النظام الداخلي لمجلس النواب لنائب رئيسه، على ان لا تتعارض هذه الصلاحيات وتلك التي ناطها الدستور برئيس مجلس الوزراء. إكتفي حينذاك بتدوين هذه الملاحظة، بعدما طالب النواب الارثوذكس ميشال ساسين وميشال معلولي وعبدالله الراسي بضرورة تحديد صلاحيات نائب رئيس مجلس الوزراء.

مع ذلك، خلافاً لحكومات وفيرة في مرحلة ما قبل اتفاق الطائف بخلوها من نائب لرئيس الحكومة، ثابرت الحكومات المتعاقبة منذ عام 1989، بلا انقطاع، على تعيين نائب لرئيس الحكومة ارثوذكسي. في الغالب كان يسميه رئيس الجمهورية. ذلك ما فعله الياس هراوي واميل لحود وميشال سليمان. استثناءان فقط على مرّ هذا الوقت: في الحكومة الاولى لسعد الحريري عام 2009 كان نائب رئيس الحكومة مرشح رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون احلّ فيه اللواء عصام ابوجمرة. اما المرة الثانية فعند تخلي ميشال عون، في اولى حكومات عهده عام 2016، عن هذا المنصب ليشغله مرشح القوات اللبنانية غسان حاصباني.

لم يقتصر منصب نائب رئيس الحكومة تاريخياً على الارثوذكس. ثمة استثناءات على غرار الاستثناء الذي جعل الارثوذكسي شارل دباس اول رئيس للجمهورية عام 1926، والارثوذكسي الثاني بترو طراد رئيساً ايضاً في مرحلة لاحقة عام 1943. كذلك حلّ في رئاسة مجلس النواب ارثوذكسي هو حبيب ابو شهلا عام 1946. انتقلت العدوى الى نيابة رئاسة الحكومة، بأن تعاقب عليها الماروني موسى نمور (رغم توزير فيليب بولس) والشيعي صبري حماده (رغم توزير الارثوذكسي جبرائيل المر) والسنّي ناظم عكاري (رغم توزير الارثوذكسي باسيل طراد) والماروني كميل شمعون (رغم توزير الارثوذكسي غسان تويني). مع ذلك ثمة عهود لم تعيّن في بعض حكوماتها نائباً لرئيسها:

ـ في 15 عاماً (1926 ـ 1941) تعاقبت 16 حكومة لم تأخذ بهذا المنصب: 8 حكومات (اوغست باشا اديب وبشارة الخوري وحبيب باشا السعد واميل اده) في عهد شارل دباس، و8 حكومات (خير الدين الاحدب وخالد شهاب وعبدالله اليافي) في عهد اميل اده.

ـ في عهد بشارة الخوري احجمت حكومة واحدة عن ايراد هذا المنصب هي الحكومة الثلاثية لحسين العويني (1951).

ـ في عهد كميل شمعون احجمت تسع حكومات عن اسناد المنصب هي حكومات خالد شهاب (1952) وصائب سلام (1953) وحكومات عبدالله اليافي الاربع (1953 و1954 و1956 و1956) وحكومات سامي الصلح الثلاث (1956 و1957 و1958).

ـ في عهد فؤاد شهاب ثلاث حكومات لم تأخذ به هي حكومتا رشيد كرامي (1958) وحكومة احمد الداعوق (1960).

ـ في عهد شارل حلو ثلاث حكومات امتنعت هي حكومات رشيد كرامي (1965 و1966) وعبدالله اليافي (1968).

ـ في عهد سليمان فرنجيه حكومة واحدة ترأسها رشيد كرامي (1975).

ـ في عهد امين الجميّل حكومة واحدة ترأسها رشيد كرامي (1984).

اول مرة عُهد فيها بمنصب نائب رئيس مجلس الوزراء الى وزير في حكومة منذ صدور الدستور اللبناني، كانت مع حكومة احمد الداعوق عام 1941. الارثوذكسي الاول في هذا المنصب هو فيليب بولس شغله ثلاث مرات اخرى في حكومات عبدالله اليافي (1951) وصائب سلام (1961) ورشيد كرامي (1961). ثم كرّت السبحة على مرّ العقود التالية لمرة ولاكثر من مرة، متواصلة او متقطعة، من طوائف مختلفة بداية قبل الاستقرار على الطائفة الكبرى الرابعة في البلاد: موسى نمور، حبيب ابوشهلا، نقولا غصن، جبرائيل المر، صبري حمادة، جبران نحاس، فؤاد الخوري، باسيل طراد، ناظم عكاري، فؤاد غصن، نسيم مجدلاني، فؤاد بطرس، غسان تويني، البر مخيبر، ميشال ساسين، الياس سابا، العميد الركن موسى كنعان، كميل شمعون، ايلي سالم، العقيد الركن عصام ابوجمرة، ميشال المر، الياس المر، عصام فارس، سمير مقبل،غسان حاصباني.

عندما صدر المرسوم رقم 2900 القاضي بتأليف حكومة رفيق الحريري في 31 تشرين الاول 1992، وعُهد الى ميشال المر في نيابة رئاستها بلا حقيبة وزارية، قيل انها سابقة. قيل ايضاً انها رئاسة للحكومة بالوكالة، في التجربة الاولى التي تختبرها مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، وكان سبقه في اربع حكومات وزراء عيّنوا ايضاً في منصب نائب رئيس الحكومة. لم تكن هذه ولا تلك.

بيد ان اول سابقة فعلية لنيابة رئاسة حكومة بلا حقيبة، كانت في حكومة صائب سلام (1972) اذ اسندت الى البر مخيبر مع تعيينه وزير دولة لشؤون الاسكان والتعاونيات، قبل ان تكون احدثت وزارة الاسكان والتعاونيات. بعد 10 اشهر ويومين، صدر مرسوم تعيينه وزيراً للاسكان والتعاونيات مع صدور قانون احداث الوزارة عام 1973.

في 8 ايار 1994 اعتكف رفيق الحريري بعد خلاف مع بعض الوزراء. آنذاك اتى مَن يطرح السؤال الآتي: ماذا لو تعرّض امن الدولة الخارجي او الداخلي لخطر يوجب انعقاداً فورياً لمجلس الوزراء؟ مَن يدعو مجلس الوزراء الى الانعقاد؟

تحصر المادة 64 من الدستور اختصاص الدعوة برئيس مجلس الوزراء، وتقيّد المادة 53 حق رئيس الجمهورية في دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد استثنائياً بشرط الاتفاق على هذه الدعوة مع رئيس الحكومة. فماذا اذا تمسّك الرئيس المعتكف باعتكافه؟

حينذاك اثير، ولا يزال، مغزى وجود منصب وهمي يفتقر الى صلاحيات ودور، اذ تحول الاسباب المذهبية والتلميحات المفتعلة الى انتقاصه من صلاحيات رئيس مجلس الوزراء السنّي متى عُهد اليه في صلاحياته في غيابه او جزء منها حتى. لم تنبرِ هذه النزعة المذهبية سوى بعد اتفاق الطائف. لعلّ الصورة المعبّرة عن هذا التناقض، ان المادة 69 من الدستور اذ تعتبر الحكومة مستقيلة حكماً في حالات ست اولاها وفاة رئيسها، لا تولي منصب نائب رئيس الحكومة اهمية تذكر، كأن ينوب عن رئيسها المتوفي، بل تجزم سلفاً بسقوطها برمتها. ما يفصح في الواقع عن منصب لا يعدو كونه معنوياً ليس الا.

نُظر على الدوام الى نائب رئيس الحكومة على انه معاون لرئيس الحكومة، خالي اليدين من مفاتيح القرار. في وقت لاحق، في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، أُسندت اليه وظيفتان محدودتان فحسب: اولاهما ان يحضر في غياب رئيس الحكومة جلسات مجلس النواب، من دون ان يقرّر عنه، او يلتزم قراراً، او يبدي موقفاً في اي اجراء يعني سياسة حكومته. ثانيتهما ترؤسه بالتكليف جلسات لجان وزارية اساسية او فرعية، منبثقة من مجلس الوزراء، على انه وزير برتبة نائب رئيس حكومة.

مع ذلك، ثمة مَن يعتقد ان نيابة رئاسة الحكومة تعويض مثالي عن الحقيبة السيادية، فيما هي اقرب ما تكون الى وزارة الدولة التي ليس فيها الا صاحب الصفة.

منصب حتمي، لكنه ليس ضرورياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات