Search
728 x 90

مَن يحاسب مَن؟

مَن يحاسب مَن؟

بين مقولة الصناعي الاميركي، رمز الرأسمالية الحديثة هنري فورد “لو يدرك المواطنون في بلدنا كيف يعمل النظام المصرفي والنقدي لاشتعلت الثورة قبل صباح الغد”.
وبين قول الصحافي الأميركي المخضرم كريس هيدجز “نحن نعيش في عالم حيث الطبيب يدمر الصحة والمحامي يدمر العدالة والجامعة تدمر المعرفة والحكومة تدمر الحرية والصحافة تدمر المعلومة والدين يدمر الاخلاق والبنوك تدمر الاقتصاد، طالما النظام فاسد فبلا شك نحن فاسدون”… يقع التدقيق الجنائي في لبنان المتأرجح على حبال استمراريته او اجهاضه قبل ان يبدأ.
النائب السابق لحاكم مصرف لبنان د. غسان العياش يؤكد لموقع beirutinsights ان المسؤولية عن الكارثة التي وصل إليها لبنان ونظامه المالي تتوزّع بين السياسة المالية والسياسة النقدية، بل إن مسؤولية مالية الدولة تتفوّق وتتقدّم على مسؤولية عمليات مصرف لبنان وسياساته.
فمَن يحاسب مَن؟

لماذا؟

التدقيق الجنائي الذي كان قسّم البلد عمودياً بين مدافع عن مصرف لبنان ومتهم مباشر له، وبين من رأى فيه اهدافاً سياسية تطاول اولاً واخيراً حاكم مصرف لبنان رياض سلامة او استهدافا سياسيا له خصوصاً ان التدقيق بدأ من المصرف المركزي من دون غيره من المؤسسات… وجد نفسه – ومَن وراءه – في مأزق بعدما انهت شركة “الفاريز اند مارسال” عقدها الذي كانت وقعته في 10 ايلول 2020 مع وزارة المال لبدء التدقيق… فأبلغت الامر الى وزارة المال في 20 تشرين الثاني 2020، اي بعد 10 اسابيع وأقل من 6 ايام من توقيعها الذي كان سبقته مطبّات عدة، ابرزها الاعتراض على التعاقد مع شركة “كرول” العالمية بحجة انها تتعامل مع اسرائيل، ومن ثم اللغط الذي دار حول مخالفة وزير المال غازي وزني ملاحظة هيئة التشريع والاستشارات المتعلقة بتضمين العقد دعوة ممثل عن مجموعة Egmont Group – المتخصصة في كشف تبييض الاموال – ليكون على اطلاع على مدى تقيّد هيئة التحقيق الخاصة بالقواعد الإلزامية لعملها.
انهاء “الفاريز اند مارسال” مهمتها جاء في رسالة الى وزارة المال بذريعة “عدم حصول الشركة على المعلومات والمستندات المطلوبة للمباشرة بتنفيذ مهمتها، وعدم تيّقنها من التوصل إلى هكذا معلومات حتى ولو أعطيت لها فترة ثلاثة أشهر إضافية (كان طلبها رئيس الجمهورية) لتسليم المستندات المطلوبة للتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان.”ولكن ذلك اثار تساؤلات ازاء انهاء عملها بعد قبولها بتمديد عملها لثلاثة اشهر اضافية واستغنائها عن العقد ككل في ضوء انتشار اخبار غير موثوقة عن تأثير جهات خارجية عليها للانسحاب من دون اهمال اعلان مصرف لبنان ان تعاونا يجري مع باريس في مجال التدقيق منذ بعض الوقت.
وعلى صعيد تفصيلي اكثر تطرح اسئلة كثيرة حيال الامر… تبقى من دون جواب. اولها، ألم يكن من المفترض بالشركة العالمية او بوزارة المال او بالحكومة ان تدرك مسبقاً ان التدقيق يتعارض مع قانوني السرّية المصرفية والنقد والتسليف؟ ولماذا لم تتم المبادرة الرسمية الى تعديل القانونين؟
ثم لماذا انتظرت “الفاريز ومارسال” 10 اسابيع للإعتذار بعدما كان العقد معها يسمح لها بذلك بعد 5 اسابيع في حال رأت ان المعلومات التي ستزوّد بها غير كافية للتحقيق؟ وهل ستتقاضى 150 الف دولار ثمن اتعابها كما ينصّ عليه العقد؟
وأيضاً، ما مصير المستندات التي سبق واستلمتها الشركة في مرحلة الأسابيع العشرة؟

رسالة رئاسية

وفي حين سارع رئيس الجمهورية الى توجيه رسالة الى المجلس النيابي دعا فيها النواب الى “التعاون مع السلطة الاجرائية من اجل تمكين الدولة من إجراء التدقيق المحاسبي الجنائي في حسابات مصرف لبنان، وانسحاب هذا التدقيق بمعاييره الدولية كافة، على سائر مرافق الدولة العامة تحقيقا للاصلاح المطلوب وبرامج المساعدات التي يحتاج اليها لبنان في وضعه الراهن والخانق”، تلقّف رئيس مجلس النواب نبيه بري – هو المتهم بالدفاع عن حاكم المصرف- الامر، داعياً لجلسة أقرّ فيها المجلس قراراً ينص على إخضاع مصرف لبنان للتدقيق الجنائي مع مرافق الدولة كافة.

الجديد في رسالة رئيس الجمهورية كما القرار النيابي هو انسحاب التدقيق على سائر مرافق الدولة، لكن السؤال هل يكون هذا التدقيق متزامناً مع التدقيق بحسابات مصرف لبنان ام بعد الانتهاء منها؟ اي بعد تحديد ما يعتبره اركان العهد مسؤولية مصرف لبنان في ما آلت اليه الأوضاع، علماً ان نائب حاكم مصرف لبنان السابق الدكتور غسان عياش اعتبر لموقع beirutinsights ان من غير المنطقي ان يُحصر التدقيق في حسابات مصرف لبنان وحده، خصوصاً ان المشكلة اليوم ناجمة عن سوء ادارة المالية العامة، بحيث ان المسؤولية تقع على السياسة المالية قبل مصرف لبنان، مما يحتّم منطقياً ان يشمل التدقيق كل حسابات المرافق العامة للدولة.
وعيّاش كان طالب في مقالة نشرت في 12 حزيران 2019 “بتقرير شامل ونزيه عن أداء الدولة المالي منذ ثلاثة عقود، يشمل الأفعال الجرمية والخيارات الخاطئة على حدّ سواء، بحيث يتم تقييم شامل للسياسات المالية والنقدية وسلوك السلطات الدستورية ومخالفات الإدارات العامّة. ومن بعدها، يمكن الانتقال إلى التحقيق الجنائي الذي يحصر اهتمامه بالتصرّفات الجرمية ويلاحق المسؤولين عنها أمام القضاء.”
اما اعتبار ان حسابات مصرف لبنان توصل التحقيق إلى الإرتكابات في المؤسّسات العامّة والوزارات فهي بدعة، برأي عياش الذي سبق وقال ان الدولة تملك كل حسابات القطاع العام، ناهيك عن ان فريق في وزارة المال برئاسة المدير العام للوزارة آلان بيفاني كان انجز سابقاً قطوع الحسابات عن معظم سنوات المرحلة المشبوهة ، فلماذا لا تقدّم هذه المعلومات ومستنداتها إلى التحقيق الجنائي مباشرة ومن دون المرور في مصرف لبنان؟”.
وفي الموازاة، يلفت خبراء في المجال المالي الى دور مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان في كشف اي ارتكابات – في حال وجودها، وفق الصلاحيات التي يمنحها له القانون، اذ نصّ قانون النقد والتسليف الصادر في 1 آب 1963، في المادة 41 من قسمه الرابع بعنوان: مراقبة المصارف، على ان ” تُنشأ في وزراة المالية “مفوضية الحكومة لدى المصرف المركزي. ويدير هذه المصلحة موظف برتبة مدير عام يحمل لقب مفوض الحكومة لدى المصرف المركزي”.
اما مهمة مفوّض الحكومة فمفنّدة في المواد 42 و43 و44 و45 . وتقضي المادة 42 بـ”السهر على تطبيق هذا القانون”، و”مراقبة محاسبة المصرف ويساعده في هذا الجزء من مهمته موظف من مصلحته ينتمي الى الفئة الثالثة على الاقل من ملاك وزارة المالية”.
وتنص المادة 43 على: “تبلغ فوراً الى المفوض قرارات المجلس وله خلال اليومين التاليين للتبليغ ان يطلب من الحاكم تعليق كل قرار يراه مخالفاً للقانون وللأنظمة ويراجع وزير المالية بهذا الصدد، واذا لم يبتّ في الامر خلال خمسة أيّام من تاريخ التعليق يمكن وضع القرار في التنفيذ”.
وتأتي المادة 44 لتفنّد مهمات مفوّض الحكومة. فتنصّ على أن “للمفوّض ولمساعده، المشار اليه في الفقرة (ب) من المادة 42 حقّ الإطلاع على جميع سجلاّت المصرف المركزي ومستنداته الحسابيّة، باستثناء حسابات وملفّات الغير الّذين تحميهم سريّة المصارف المنشأة بقانون 3 أيلول سنة 1956، وهما يدقّقان في صناديق المصرف المركزي وموجوداته وليس لهما أن يتدخّلا بأيّ صورة، في تسيير أعمال المصرف المركزي”.
ويسأل هؤلاء الخبراء: إذا كانت صلاحيات مفوض الحكومة تشمل حقّ الإطلاع على كل سجلاّت المصرف المركزي ومستنداته الحسابيّة، فهذا يعني انه كان مطلعاً على الهدر والسرقات الجارية، بحيث ان السياستين المالية كما النقدية تتحملان مسؤولية ما آلت اليه الأوضاع. ويكفي هنا التذكير ان نفقات الدولة بلغت بين عامي 1993 و2019 أكثر من 260 مليار دولار، تضاف اليها نفقات المؤسّسات العامّة التي يملأ غالبيتها الهدر والسرقات… من دون ان يحرّك اي من اركان الدولة ساكناً يومها.
مَن سيحاكم مَن إذاً، وبأي وسيلة، تسأل مصادر متابعة، كاشفة ان هناك من يقول ان “الفاريز اند مارسال” قد لا تقبل بأن تُستعمل نتائج تدقيقها قضائياً، بحيث تتعرض لمقاضاة جزائية ومالية اذا اعطت الإذن بذلك وثبُتت براءة من تتهمه في تدقيقها.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور عياش ان من غير الطبيعي ان يقرر نظام ما احالة كل تصرفاته وموبقاته الى التحقيق، اذ لا أحد يحقق بأخطائه وجرائمه. لو كان هناك نظام جديد – يضيف عياش- لصدّقنا هذا القرار النيابي، لكن توسيع التوصية لتشمل المرافق العامة من قِبل الذين يديرون هذه المرافق يعني ان لا شيئ سيحصل، لا تدقيق ولا تحقيق… ولا من يحزنون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات