Search
728 x 90

من 2005 إلى 2019 سلاح حزب الله على ورق البيان الوزاري ، تسوية 2016 تكرّس قاعدة ذهبية جديدة

من 2005 إلى 2019 سلاح حزب الله على ورق البيان الوزاري ، تسوية 2016 تكرّس قاعدة ذهبية جديدة

يأتي مثول حكومة الرئيس سعد الحريري امام مجلس النواب، ونيلها ثقة بغالبية كبيرة بلا عراقيل، دليلاً اضافياً على ان المسار الذي تسلكه التسوية المبرمة منذ عام 2016 لا تزال نافذة. تقفز من مرحلة الى اخرى، وتكرّس موازين قوى جديدة داخل الحكم، لا تحتاج بالضرورة الى اوسع توافق وطني من حولها. ليست تحفظات رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، ولا كذلك الحجم المتواضع لحزب القوات اللبنانية في الحكومة ولعبة السلطة وتوازناتها، سوى مؤشرات جديدة الى ان قطار التسوية تلك لا يحتاج الى ملء مقصوراته كلها. 

بالتأكيد ان الافرقاء والكتل الرئيسية ممثلة في حكومة الحريري باحجام متفاوتة. كذلك افصح المعترضون والمتحفظون عن اصرارهم على البقاء في صفوفها رغم كل الانتقادات التي يسوقونها، ويرفضون التفكير في الخروج منها حتى اياً يكن التضييق عليهم.

واقع ان الافرقاء جميعاً في سلطة اجرائية واحدة، لا يعني انها لا تزال حكومة وحدة وطنية رغم هذا الزعم. بل تتسم ثالثة حكومات الحريري بصفة جديدة لا تشبه تماماً حكومته الاولى (2009) وكانت حكومة وحدة وطنية وإن بتوازن مضطرب مذ وافق رئيسها على وضع الثلث +1 في ايدي معارضيه فاستخدموه ضده واطاحوه بعد 13 شهراً.

لا تشبه ايضاً حكومته الثانية (2016) المنبثقة من تسوية انتخاب الرئيس ميشال عون بأن انضم اليها الافرقاء الرئيسيون جميعاً تحت شعار استيعاب صدمة انتخاب الرئيس، بعد الانقسام الحاد في مجلس النواب في جلسة الاقتراع له، وقادت للمرة الاولى في تاريخ استحقاقات مماثلة الى اربع دورات اقتراع. في حكومة 2016، وعلى مرّ الثلث الاول من الولاية الذي امضته، وُضعت لبنة القاعدة الثلاثية الذهبية الجديدة في حكم البلاد.

مع ان الحكومة الجديدة انبثقت من خليط اتفاقي الطائف والدوحة عبر آليات الاستشارات الملزمة واختيار الرئيس المكلف والادارة الجماعية للتأليف وتقاسم الحصص وتوزيع الحقائب، ناهيك بحصول فريق واحد لا ائتلاف قوى على الثلث+1، الا ان المرحلة التالية للمخاض الطويل للتأليف، وهي وضع البيان الوزاري، ابرزت مجدداً سقوط جدار الخلافات العميقة داخل الافرقاء المتنافرين في حكومة الحريري. تأكد فعلاً ان فريقي 8 و14 آذار انطفأا نهائياً، والانقسام من حول شعارات متضاربة لا وجود له بعد ذوبان هذه، وان احداً من هذين الفريقين لم يعد في حوزته “قضية” يستنفر في سبيلها المشاعر المذهبية ويعزّز الانقسام الداخلي بسببها. بات المطلوب منذ حكومة 2016 تثبيت نظام موازين قوى جديدة في البلاد، انشأتها تسوية عامذاك وفق قاعدة ثلاثية متينة: عون رئيساً للجمهورية، الحريري رئيساً للحكومة، حزب الله مرجعية الاحتكام اكثر منه احد الاطراف الاكثر اثارة للجدل والالتباس والخلاف بعد تداخل المحلي بالاقليمي في انتفاخ حجمه. ثالثهما ذو دور اضطلعت به دمشق ابان حقبة وجود جيشها، ونفوذها داخل السلطات اللبنانية، طوال عقد ونصف عقد من الزمن.

ذلك ما يعنيه الافرقاء الثلاثة، اذ يشكلون الآن سيبة المرحلة المقبلة وسمتها. هم اقل مَن أُرغموا على تقديم تنازلات اساسية ابان فصول تأليف الحكومة، واتاحوا مع ذلك الفرصة امام مراسيمها لابصار النور:

ـ رئيس الجمهورية وحزبه اللذان حصدا كل ما طلباه، حصصاً ومقاعد ونصاباً.

ـ رئيس الحكومة الذي تمسّك بتمثيله الحصة السنّية كلها، قبل ان يتخلى عن مقعد سنّي سادس لم يُعطَ الا بشروطه هو الى الفريق الذي حصل عليه، وهم النواب السنّة الستة عبر احد يمثلهم.

ـ الثنائي الشيعي الذي لم يكتف منذ اليوم الاول للتكليف بتحديد حصته التي نالها سلفاً، بدءاً بحقيبة المال للرئيس نبيه برّي مكرّساً بها من الآن فصاعداً حقاً دستورياً، وحقيبة الصحة لحزب الله متخطياً كل الانتقادات وعلامات الاستفهام المحلية والخارجية بازائه، بل اضطلع بدور رئيسي في تخريج التأليف عبر صيغة بقابين متنافرين: الاصرار على الحريري دون سواه رئيساً للحكومة، يقابله اصرار مماثل على عدم حصر التمثيل السنّي به.

اتى التفاهم المستعجل على البيان الوزاري واقراره كي يقدّم اثباتاً آخر على الطبيعة الجديدة للائتلاف الثلاثي الجديد ومتانته، من غير ان يُحسَب تحالفاً مباشراً بين عون والحريري والثنائي الشيعي. الاصح القول انه ائتلاف بالواسطة يمر عبر جسر رئيس الجمهورية المتحالف مع حزب الله في الخيارات الاستراتيجية واخصها سلاح المقاومة، والمتحالف مع الحريري في لعبة المشاركة في الحكم وادارة الدولة. الا انه الجسر الذي يمدّ خيوط تواصل قطبي السنّية السياسية والشيعية السياسية احدهما مع الآخر، ويزيل مقومات الاشتباك، ويوسّع من فسحة الهدنة المذهبية بينهما، ويوجد قواسم مشتركة غير معلنة بالضرورة. كان البيان الوزاري احد ابرز الشهود.

احتاج انجاز البيان الوزاري لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة (2008) الى 27 يوماً لاقراره، وللحكومة الاولى للحريري (2009) الى 23 يوماً، ولحكومة الرئيس نجيب ميقاتي (2011) الى 17 يوماً، ولحكومة الرئيس تمام سلام (2014) الى 30 يوماً، وللحكومة الثانية للحريري (2016) الى ستة ايام. اما البيان الوزاري للحكومة الحالية، فلم يعزه اكثر من ثلاثة ايام. رقم قياسي لم تشهده، منذ وضع وضع اتفاق الطائف موضع التنفيذ عام 1990، سوى حكومتين فقط انجزتا البيان الوزاري في مدة مماثلة هي ثلاثة ايام: حكومة الرئيس رفيق الحريري عام 1995، والحكومة الاولى لميقاتي عام 2005. الاولى كانت تعدّ لمرحلة الانتقال بعد اشهر قليلة الى تمديد ولاية الرئيس الياس هراوي، والثانية تستعد لاجراء اول انتخابات نيابية عامة بعد خروج الجيش السوري من لبنان. في ظرفين استثنائيين استعجلت الحكومتان اقراره. اما ثالثتهما، الحكومة الحالية للحريري، فلم تكن بدورها اسيرة حال استثنائية وإن جرجر تأليفها طوال ثمانية اشهر وستة ايام. صدرت مراسيمها في 31 كانون الثاني. في 2 شباط تألفت لجنة عشرية لمناقشة مسودة بيان وزاري اعدها الحريري. ما بين 4 شباط و6 منه انجزت البيان تماماً واقرته.

منذ خروج الجيش السوري من لبنان، وانقلاب موازين القوى في البلاد، وامساك قوى 14 آذار بالغالبيتين النيابية والحكومية، نشأت مشكلة الموقف من سلاح حزب الله، من دون ان تكون مصدر اي جدل عميق وحاد، او نزاع مباشر ابان الحقبة السورية. بانطواء هذه، باتت قوى 8 و14 آذار وجهاً لوجه حيال سلاح عدّه فريق الغالبية امتداداً لنفوذ سوريا في لبنان، بعدما أُرغمت على اجلاء جيشها. مذذاك اضحى باباً على كل اضطراب سياسي داخلي، وحجة لاثارة عدم الاستقرار الامني المحلي والاقليمي، وعلة مألوفة في كل حكومة جديدة تقبل على وضع بيان وزاري. عزّز هذا المستجد قرار حزب الله، منذ الحكومة الاولى لميقاتي (2005)، على اثر اغتيال الحريري الاب، المشاركة في الحكومات اللبنانية المتعاقبة والتأثير عليها من الداخل. بعدما وضع قدماً في الشارع، ها هو يضع الاخرى في المؤسسة الدستورية التي احجم عن الاقتراب منها منذ خاض الانتخابات النيابية عام 1992: مجلس الوزراء.

كان التسليم بسلاح حزب الله جزءاً لا يتجزأ من وضع البيان الوزاري والوصول بالحكومة الجديدة الى مجلس النواب لنيل الثقة، بل لترسيخ الاستقرارين السياسي والامني:

ـ في حكومة السنيورة (2005) الخارجة من انتخابات نيابية بغالبية مناوئة لسوريا للمرة الاولى منذ اتفاق الطائف، قضت الصيغة بـ”الحفاظ على مقاومتنا الباسلة”، وان الحكومة “تعتبر المقاومة اللبنانية تعبيراً صادقاً وطبيعياً عن الحق الوطني للشعب اللبناني في تحرير ارضه، والدفاع عن كرامته في مواجهة الاعتداءات والتهديدات والاطماع الاسرائيلية، والعمل على استكمال تحرير الارض اللبنانية”.

ـ في الحكومة الثانية للسنيورة (2008) التي تلت احداث 7 ايار، تأكيد على “حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته في تحرير او استرجاع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر المحتلة، والدفاع عن لبنان في مواجهة اي اعتداء، والتمسك بحقه في مياهه، وذلك بكل الوسائل المشروعة والمتاحة”.

ـ في الحكومة الاولى للحريري (2009) بعد الانتخابات النيابية عامذاك وحصول قوى 14 آذار على الغالبية النيابية مجدداً: “انطلاقاً من مسؤوليتها في المحافظة على سيادة لبنان واستقلاله ووحدته وسلامة اراضيه، تؤكد الحكومة على حق لبنان، بشعبه وجيشه ومقاومته، في تحرير او استرجاع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا اللبنانية والجزء اللبناني من قرية الغجر، والدفاع عن لبنان في مواجهة اي اعتداء والتمسك بحقه في مياهه، وذلك بالوسائل المشروعة والمتاحة كلها”.

ـ في الحكومة الثانية لميقاتي (2011) ان الحكومة “تتمسك بحق لبنان، شعباً وجيشاً ومقاومة، في تحرير واسترجاع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا اللبنانية والجزء اللبناني من بلدة الغجر، والدفاع عن لبنان ضد اي اعتداء يتعرض له وذلك بكل الوسائل المشروعة والمتاحة”.

ـ في حكومة سلام (2014) انها “استناداً الى مسؤولية الدولة ودورها في المحافظة على سيادة لبنان واستقلاله ووحدته وسلامة ابنائه، تؤكد على واجب الدولة وسعيها الى تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر، وذلك بشتى الوسائل المشروعة. مع التأكيد على الحق للمواطنين اللبنانيين في المقاومة للاحتلال الاسرائيلي ورد اعتداءاته واسترجاع الاراضي المحتلة”.

ـ في الحكومة الثانية للحريري (2016) انها حيال “الصراع مع العدو الاسرائيلي لن نألو جهداً ولن نوفر مقاومة في سبيل تحرير ما تبقى من اراض لبنانية محتلة، وحماية وطننا من عدو لما يزل يطمع بارضنا ومياهنا وثرواتنا الطبيعية، وذلك استناداً الى مسؤولية الدولة ودورها في المحافظة على سيادة لبنان واستقلاله ووحدته وسلامة ابنائه. وتؤكد الحكومة على واجب الدولة وسعيها الى تحرير مزراع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر، وذلك بشتى الوسائل المشروعة. مع التأكيد على الحق للمواطنين اللبنانيين في المقاومة للاحتلال الاسرائيلي ورد اعتداءاته واسترجاع الاراضي المحتلة”.

ـ في الحكومة الثالثة للحريري (2019) استعادة النص السابق تماماً.

رغم ان البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة منذ عام 2005، تدرجت من ذكر “المقاومة” كهدف في ذاته (2005)، الى ذكر المعادلة الثلاثية “شعب وجيش ومقاومة” (2008 و2009 و2011)، الى ذكر “حق المواطنين في المقاومة” (2014 و2016 و2019)، الا ان الكلام عن سلاح حزب الله اضحى على الورق فحسب. تفادياً لأزمة حكم، استنسخت الفقرات تلك في معظمها حكومة بعد اخرى، الى ان بدا البيان الوزاري لحكومة 2016 عصارة كل ما سبقه مذذاك. لم يعد سلاح حزب الله في صلب سجالات السلطة ولا في الشارع. منذ الحكومة السابقة، آل انكفاء هذا الجدل الى تعزيز ضمني للعلاقة بين الحريري وحزب الله، من غير ان يلتقيا سوى في مجلس الوزراء. بكفالة رئيس الجمهورية الذي يقف في منتصف الطريق بين قطبي الجذب هذين، يتواصلان مع تمسّك كل منهما بامتداده الاقليمي، من غير ان يحيد عن خياراته. كذلك رئيس الجمهورية الذي لم يعدّ نفسه مرة ـ قبل الرئاسة وابانها ـ توافقياً.

مغزى ما بات يكرّره بانتظام رئيس الحكومة: الاستقرار اولاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات