Search
728 x 90

من يسابق من :الحكومة ام الانهيار ؟

من يسابق من :الحكومة ام الانهيار ؟

يبدو من نافل القول ان لبنان الذي يعاني اقسى ظروفه وازماته بل وانهياراته قد بات معلقاً على مرحلة شديدة الغموض في ملامحها الإقليمية والدولية فيما لا تحتمل تداعياتها الداخلية أي استنزاف إضافي للوقت والا لربما تشهد البلاد انهياراً يتوج كل المآسي في وقت لا يتجاوز نهاية السنة .

هذه الخلاصة التي تبدو موغلة في القتامة ليست الا مجرد تجميع للمعطيات الواقعية السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية التي تسود اللحظة اللبنانية الراهنة وسط سباق جهنمي حقاً بين آخر الجهود والمساعي المبذولة لتشكيل حكومة جديدة والشد الضمني والعلني من جهات نافذة للحؤول دون الولادة الحكومية الا بشروطها . ولعل المذهل في الامر انه فيما تتصاعد المخاوف لدى معظم الشرائح اللبنانية من شبح الانهيارات التي تجاوزت أصلاً اكثر من نصف المسافات نحو اعلان لبنان بلداً مفلساً ومنكوباً ومنحدراً بقوة ساحقة نحو الفقر، تتكلس على الجبهة السياسية معاندات وشروط وسياسات وحسابات كأنها تدور حيال بلد آخر.
انكشفت هذه الظاهرة مجدداً وبأسوأ مواقيتها أخيراً عقب اعلان وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل فكان ان حور الرد العقابي للإدارة الأميركية الى سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني المكلف تشكيل الحكومة . لا يعترف التيار الوطني الحر بهذا بل يكذبه وينفيه فيما يلتزم الرئيس الحريري ومحيطه الاستشاري الصمت المطبق حول عملية تأليف الحكومة كلاً . ولكن مجريات الواقع السياسي الحالي تكشف فعلاً ان لبنان يقف على مقربة من وضع دراماتيكي دقيق للغاية لأن لعبة عض الأصابع ردا على العقوبات الأميركية كما سعياً الى تحصين جهات نافذة بمكاسب سياسية إضافية، ستكون لها تداعيات خطيرة للغاية .
لم يكن الحريري الابن قد انجز مسودة حكومته قبل فرض واشنطن العقوبات على باسيل ولكن نحو أربعة لقاءات عقدها مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون جرى خلالها انجاز توافق على الأسس الكبيرة والمفاتيح الأساسية لعملية تأليف الحكومة بما بدا ممهداً لاعلان مراسم الحكومة . ولذا لم يكن ثمة شك لدى المطلعين والمواكبين الجادين للمشاورات والأبحاث الجارية بأن الاتجاه المتجدد الى التصلب من جهة العهد وتياره السياسي مدعوماً من حزب الله يعني دخول مرحلة تصعيدية سيكون رأس الحكومة والحريري شخصياً بمثابة الثمن الذي عليهما دفعه . ومع ان حدود المضي في حسابات كهذه لا تشبه الا ما يقال عن لحس المبرد كخسارة مزدوجة فإن الخشية من زج مسار تشكيل الحكومة في هذا الأتون تصاعدت بقوة بعدما تبيّن ان الشروط التي وضعها وأعلنها بوضوح النائب جبران باسيل قد صارت من دون شك شروطاً رئاسية وانما مدعومة أيضاً بموقف لحزب الله .
بذلك يكون لبنان الذي عجزت الطبقة السياسية فيه عن تجاوز تناقضاتها من اجل اللبنانين وتشكيل حكومة انقاذية علّها تغدو هدية حقيقية عشية شهر الميلاد ورأس السنة قد جنح بقوة نحو مرحلة شديدة الأذى والخطورة على مستويات مختلفة ليس اقلها المستوى المالي والاقتصادي فيما تعلق الحكومة المنتظرة على آفة التعطيل التي سبق ان لعبت دوراً كبيراً بدورها الى دفع البلاد الى انهيارات .
ولكن السؤال الكبير الذي يثار راهناً في الكواليس السياسية والديبلوماسية هو الى أي حد سيتمكن العهد وتياره بل باسيل شخصياً ان يرهن تشكيل حكومة صارت ولادتها واجبة الوجوب بأسرع ما يمكن قبل ان تغمر لبنان انهيارات لا مرد لها كما حذر الموفد الرئاسي الفرنسي الذي ارسله الرئيس ايمانويل ماكرون الى بيروت أخيراً ؟ تتصل المشكلة بوجهين متلاصقين . الأول ان العهد وصهره اللذين منيا بضربة قاسية للغاية بالعقوبات الأميركية يحاولان تعويم مكانتهما على حساب الرئيس الحريري لإخضاعه لشروطهما والا ضرب فرصته في تشكيل حكومة اختصاصيين تحظى بدعم المجتمع الدولي .
الوجه الثاني يتصل ببعد إقليمي يجعل حزب الله يناور ويظهر انه يستعجل الحكومة ولكنه واقعياً يؤثر تمديد الانتظار والتعقيدات ربما الى تاريخ تسلم الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن الرئاسة في العشرين من كانون الثاني المقبل كما ترغب بذلك ايران .
ولكن السباق يبدو على اشدّه ليس بين الرئيس المكلف والعهد وتياره وبدرجة اخف مع حزب الله، بل مع الانهيار الزاحف بسرعة لأن الحريري لا يمكنه ان يبقى قابعاً لمدة طويلة تحت قرار الصمت الذي التزمه فيما خصومه يدفعون بالبلاد الى انهيارات يعتقدون انها ستترك لهم بقايا توظيفات سياسية. وهنا الوهم بعينه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات