Search
728 x 90

من الدوحة الى الانتفاضة الحالية لا تسقط حكومة لـ “الحزب” !

من الدوحة الى الانتفاضة الحالية لا تسقط حكومة لـ “الحزب” !

قد يكون من المفارقات الجديدة اللافتة في مسار طويل وشاق من تجارب الازمات المتناسلة والمتعاقبة التي عرفها لبنان انه لم تعد تنطبق المقاربات المستندة الى مقارنات بين تراكم ازماته الراهنة وما سبقها من تجارب حتى القريبة منها تاريخياً والتي لم ينقض عليها زمن طويل بعد .

مناسبة اثارة هذا الجانب من المشهد المأزوم في لبنان والمتجه الى مزيد من الاختناقات الاقتصادية والمالية والاجتماعية ان الكثير من التطورات التي حصلت أخيراً تتشابه واقعياً مع تطورات مماثلة سواء في مطالع عصر الطائف او بعده، ومع ذلك بات من المجازفات اتخاذ التجارب السابقة مقياساً للحكم على نهايات او نتائج المخاضات المصيرية التي يجتازها لبنان في الحقبة الراهنة .

وتعكس هذه الحقيقة الثقل الكبير الذي أرساه اختلال ميزان القوى الداخلي المتكئ الى خلل مماثل في المشهد الإقليمي، الامر الذي جعل لبنان ينزلق عن قواعد وأطر تقليدية كانت تطبع تركيبته حتى الامس القريب، فإذا به اليوم يسبح خارج جرمه .

والحال ان ثمة خبراء ومحللين بل حتى مؤرخين موضوعيين على ندرة هؤلاء يضعون خطا ًزمنياً فاصلاً لقواعد الصراعات السياسية التقليدية التي أعقبت الحرب طبعاً في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي، وهو تاريخ عقد ما سمّي تفاهم الدوحة الذي سبق انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية في 25 أيار 2008 وذلك عقب العملية الدموية المسلحة التي قام بها حزب الله في 7 أيار في بيروت الغربية مستهدفاً تيار المستقبل كقوة سنّية أساسية بما أدى الى رفع وتيرة الصراع المذهبي الى ذرواته . اذ ان فرض قواعد ميزان القوى بالقوة المسلحة لم يحصل مرة في لبنان الا وادى الى انهيارات وحتى حروب وفتن.

ولكن قواعد تفاهم الدوحة افضت الى هدنة طويلة أدت في نتائجها الى مزيد من فرض أعراف انقلابية على الدستور والطائف لمصلحة حزب الله وحلفائه، الامر الذي جسد ذروة نجاحه فرض التسوية السياسية التي جاءت بالعماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية بقوة التعطيل والفراغ القسري والقهري في موقع رئاسة الجمهورية لمدة سنتين ونصف السنة .

ويذهب كثير من الخبراء والمحللين والمؤرخين انفسهم الى اعتبار التسوية تلك بما أدت اليه من نتائج دراماتيكية بل كوارثية على لبنان بمثابة هزيمة تاريخية للخط السياسي والقوى السياسية التي تشكل حارس المرمى للدستور والطائف، بما يعني ان معظم المجريات الحالية خصوصاً بعد خروج الرئيس سعد الحريري من السلطة وان كانت تحافظ على شكليات دستورية الا انها تستبطن نهجاً انقلابياً تنخرط فيه قوى العهد العوني وحزب الله وقوى ما كان يشكل تحالف 8 آذار.

لذلك بدا خاطئاً جداً ان يتوقع المتفائلون بقرب نهاية حكومة حسان دياب استقالتها بسرعة في محطات عدة تدهورت فيها الأوضاع الداخلية بقوة خلال الأيام العشرة الأخيرة . ففي ذاك السبت من السادس من حزيران الذي كادت تنفجر فيه فتنة طائفية ومذهبية في مناطق عين الرمانة – الشياح او كورنيش المزرعة استحضرت تجربة حكومة رشيد الصلح في بداية الحرب عام 1975 حيث أطاحت بها الضغوط بعد ما سمّي عزل حزب الكتائب وبدأت عملية فرط المؤسسات وانقساماتها الكبيرة .

والشيء نفسه تكرر مع الاشتعالات التي شهدها أخيراً الشارع اللبناني بسبب القفزات الموجعة في سعر الدولار على حساب الليرة الآخذة في الانهيار نحو معدلات قياسية . فقد سادت انطباعات لأيام قليلة بأن مصير حكومة حسان دياب سيكون مشابهاً تماماً لحكومة عمر كرامي الذي اعلن استقالته يوم 6 أيار من عام 1992 عقب ارتفاع خيالي آنذاك في سعر الدولار، الامر الذي اشعل ثورة شعبية في الشارع دفعت بكرامي الى الاستقالة ودخول الرئيس الراحل رفيق الحريري يومها الى نادي رؤساء الحكومات على حصان الإنقاذ المالي الاقتصادي والإعمار من الباب العريض .

هذه النماذج التي تبرز الان في لوحة الخلفية التاريخية للأزمات اللبنانية تعكس طبيعة التحولات العضوية القوية التي تمكّن عامل الاختلال في ميزان القوى لدى حليف المحور السوري الإيراني الأساسي أي حزب الله من فرضها بفعل الخلل الإقليمي لدى حلفاء خصومه من جهة، واستسلام الدولة كلا لهيمنته الساحقة وخصوصاً في عهد حليفه الرئيس ميشال عون من جهة أخرى . ولذا صارت اعمار الحكومات كما أسماء الرؤساء، وحتى إشعار آخر، تحكمها قوة حسابات حزب الله في الدرجة الأولى وليست العوامل الأخرى التي تأتي كمؤثر هامشي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات