Search
728 x 90

مكافحة الفساد قبل استكمال السيادة … عبث!

مكافحة الفساد قبل استكمال السيادة … عبث!

مكافحة الفساد قبل استكمال السيادة شعارٌ استهلاكي لمبادراتٍ مستنزفة، بل ممجوجة. واللبنانيون، حتى من هم مستقطبون في القواعد الحزبية لحاملي لواء محاربة الفساد، يتهامسون فداحة الانهيار الأخلاقي الذي وصلنا الى أوَجِّه.

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة واللاجئين

الاقتصاد الرديف ليس فساداً. والعسكرة بالأمن الذاتي ليست فساداً. واستباحة الدستور ليست فساداً. وإنشاء إداراتٍ وصناديق موازية لتلك العامة ليس فساداً. وتعطيل إقرار نظام التقاعد والحماية الاجتماعية ليس فساداً. ورفع سقوفٍ مالية دون دراساتٍ إكتوارية ليس فساداً. وإيهام المواطنين بأن السياسة ما زالت تعطّل الكهرباء والمياه والمواصلات وشبكات الصرف الصحّي في حين ما زالت تُصرَف على هذه القطاعات مليارات الدولارات ليس فساداً. وإنجاز سلسلة الرتب والرواتب غبّ الطلب ليس فساداً. وتعطيل إقرار سياسة عامة تجاه اللّجوء الفلسطيني والنزوح السوري ليس فساداً. والتمديد للمجلس النيابي ليس فساداً.

ما سبق غيضٌ من فيض انتهاكات متربّعي المنابر اليوم في ادّعاءِ مكافحة الفساد ومشتقّاته. قلّةٌ من هؤلاء يُشهَد لهم بالكفاءة والنظافة والالتزام بالخير العام. من عايشنا ممارساتهم وسقطاتهم من السابقين لن يستطيعوا على الأرجح – ولو أمطرونا بوابل مؤتمراتهم الصحفيّة المستنفرة بماكينات إعلاميّة تدخُل علينا قسراً دون استئذان – إقناعنا بأن مسار الإصلاح سلك درب التحقُّق. ثم إنَّ من اتخذ قراراً أن لا قيمة للنقاش السياسي في هذه المرحلة مُحيلاً إيّانا إلى أنه لن ينزلق لسجالاتٍ عقيمة حتى في المفاصل الملتصقة بالهواجس الكيانيّة، يعلَم جيّداً في قرارة نفسه أن هذه المعادلة ستودي به وبلبنان الى هاويةٍ مدمِّرة.

في أيّ حال، الفريق الذي تلبّس يوماً ما معركة سيادة ويتخلّى عنها اليوم لصالح ما يتوهّمه محاولة إنقاذ، كما الفريق الذي نأى بنفسه عن إدارة الدولة مُنساقاً اليوم لخيار القضاء على الفاسدين والمفسِدين، كِلا الفريقين باتا يعلمان أن اللبنانيّين، حتى أولئك المستقطبين في القواعد الحزبية لهما، يتهامسون فداحة الانهيار الأخلاقي الذي وصلنا الى أوَجِّه، وهُم إن شاهدوا بسُخريةٍ الاستعراضات المنبرية فلتأكيد أن ثمّة من يسعى الى تأبيدِ استغبائهم، فيما هم تحرّروا بالكامل من هذه الآفة، ولو أن النظام الزبائنيّ يُمسِك بلقمة عيشهم من المهد الى اللَّحد.

وبالاستناد الى هذا التحرّر النظريّ لا بُدَّ من فَهمِ أن الفساد في لبنان مُقَونَنٌ ومُدَستَرٌ، ومُغطّى حتى بمصالح إقليمية ودولية. كما أن انتهاك السيادة في لبنان مُقَونَنٌ ومُدَستَرٌ، ومُغطّى حتى بمصالح إقليميّة ودولية. وإن حسَمنا الجدل بأن الكُلّ متواطئ في قضمِ مرجعيّة المنظومة الدولتيّة (Etatique) في حوكمة لبنان على قاعدة تحديد مفهوم الأمن القَومي الذي ما زال غائباً عن أذهان حكّام هذا الوطن – الرسالة، إن حسمنا هذا الجدل نُحدِّد مكامن الفساد وامتداداته، ونُبَلور المناعة السياديّة ومندرجاتها.

1- الفساد ذهنيّة موبوءة!

ضبطُ التوظيف، والرقابة على دوامات العمل لا ينتِجان دولة منتِجة ونظيفة. الفساد في لبنان ذهنيّة موبوءة أُرغِمَ اللبناني على التآلُف معها لتحقيق مصالحه. والفساد في لبنان أرسى كيانه من يريدون استئصاله. وهم اليوم أكثر من أيّ يوم يكابرون ويستأسِدون في تسويق أن حافة الانهيار أرغمتهم على وعي مخاطر المرحلة، وبالتالي ابتدَعوا مصطلح “الفُرصة الأخيرة”. هدفهم ينحصر في استقدام بضعة مليارات جديدة لمكياجٍ مقيت. تغيير الذهنيّة الموبوءة يبدأ بتحرير الرأي العام والإعلام تحديداً من توجُّهات التعبئة الكاذبة.

2- السيادة تعادل الدولة النظيفة!

إسقاط معركة استكمال بسط سيادة الدولة اللبنانيّة على أراضيها كافة ، أو تجاهل هذه المعركة، أو تأجيلها أو حصرها بالعراضات البيانيّة هُنا وثمّة، سَيُسهِم في اجهاض أيّ مسيرةٍ إصلاحيّة جدّية، غير موجودة أصلاً، لضرب الفاسدين والمفسدين.

والسيادة لا تعني حصراً حصريّة السلاح، بل استقلاليّة القرار، وسياسة خارجية تعتمد الحياد الإيجابي، لا الرسائل النصّية الساذجة ذات الصدقيّة المعدومة.

والسيادة ذهنيّة رجال دولة يؤثّرون في أفعالهم أكثر منه في رحلاتهم المكّوكيّة السياحيّة، وخياراتهم الانتحاريّة.

********************

مكافحة الفساد قبل استكمال السيادة شعارٌ استهلاكي لمبادراتٍ مستنزفة، بل ممجوجة. المنتفعون يتزايدون خصوصاً مع تصاعد نجم الأقوياء على اشلاءِ وطن وفُتات دولة. صحَّ كلام الصَّديق جهاد الزين “نظام قويّ ودولة تافهة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات