Search
728 x 90

مفارقات لبنانية لافتة في “فسحة” اندفاعات ماكرون

مفارقات لبنانية لافتة في “فسحة” اندفاعات ماكرون

على مشارف تجربة جديدة لتشكيل حكومة لبنانية تنطبق عليها معايير ما قد يصح ان تكون تجربة غير مسبوقة بسرعة ولادتها اقله منذ أيام الوصاية السورية يصعب تجاهل مجموعة وقائع وحقائق بارزة وفريدة وربما تشكل مفارقات ما كان لأحد ان يتصوّر عودتها الى المسرح الداخلي اللبناني بهذا الشكل .

 ليس امراً عابراً ابداً ان يجري الحديث في كواليس السياسة اللبنانية منذ قيام الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بزيارته الثانية لبيروت بين 31 آب و2 أيلول عن عملية تشكيل حكومة تتلاءم والمواصفات التي طرحها الرئيس الفرنسي مع قادة القوى والأحزاب الرئيسية اللبنانية في قصر الصنوبر فيما لا يصدر صوت اعتراضي واحد وازن على هذا “التدخل” الفرنسي او الغربي او”المعادي “الذي كانت قوى 8 آذار تقيم القيامة ولا تقعدها الا بشرّ مستطير لدى حصول أي تحرك او مبادرة اقل بكثير منه سابقاً .
لا بل ان المفارقة الأكثر اثارة للتوقف عندها تتمثل اليوم في وجود تحفظات مكتومة او علنية لدى قوى سيادية من تحالف 14 آذار سابقاً صديقة ومرتبطة تقليدياً بفرنساً والمعسكر الغربي عن المرونة الزائدة التي طبعت تحرّك ماكرون تجاه حزب الله تحديداً فيما الحزب جنح نحو استدارة نادرة في التقرّب من الفرنسيين .
ثم ان المفارقة الثانية التي تصاعدت مؤشراتها بشكل لافت غداة انتهاء زيارة ماكرون تمثلّت في كشف النقاب عن إناطة ماكرون احد ابرز المسؤولين المخابراتيين الفرنسيين المدير العام لجهاز المخابرات الخارجية برنار ايمييه الذي كان سفيراً سابقاً في لبنان ويملك خبرة واسعة وعميقة فيه، ملف متابعة كل تفاصيل المبادرة الفرنسية وترجمتها من الجانب اللبناني كما يعاونه في مهمته رجل بارز في الاليزيه هو إيمانويل بون المستشار الديبلوماسي لماكرون والسفير السابق أيضا في بيروت .
بذلك يبدو واضحاً الى أي مستوى رفع ماكرون نسبة الأولوية التي يضعها للبنان والتي ربما تكون في مقدمة أولوياته الخارجية اطلاقاً . اما من الجانب اللبناني فيتخذ الامر بعداً إضافياً يتصل برعاية فرنسية مباشرة لم يكن احد يتصور ان تتخذ هذا الطابع الضاغط بقوة استثنائية في هذه الظروف ولو ان الأدوار والوساطات والرعايات الفرنسية ليس غريبة ابداً عن تاريخ لبنان الذي احتفل بمئوية اعلان لبنان الكبير على يد الجنرال غورو في الأول من أيلول بحضور ماكرون .
ذهب بعض اللبنانيين الى المقارنة بين الوصاية السورية والوساطة الفرنسية بشكل بالغ الهبوط والجهل أيضاً لان لا مجال اطلاقاً لأي مقارنة بين وصاية احتلالية معروفة كيف وبأي أساليب تحكمت بمصير لبنان وبين آخر داعم خارجي جدي للبنان راهناً كان يمكن ان تقوّضه تماماً الضربات المتلاحقة التي لحقت به ولم يجد الى جانبه سوى فرنسا التي اعادت تكوين جسر دولي من المساعدات له ونظمت مؤتمراً دولياً وستنظم مؤتمراً ثانياً في تشرين الأول للغاية نفسها .
اما مجريات تشكيل الحكومة التي استدعت دفعاً فرنسياً قوياً لاستعجال ولادتها وكذلك وضع ورقة اقتراحات وأفكار وبرنامج عمل يمكن ان يشكل البيان الوزاري للحكومة الجديدة فإنما أملاه واقعياً التآكل والتعفن المخيف الذي لحق بصورة الطبقة السياسية الحاكمة بسبب تبعات الفساد التي كان انفجار مرفأ بيروت أسوأ تداعياتها اطلاقاً .
وقد أتاح ذلك للرئيس الفرنسي ان يجعل من المبادرة الفرنسية الطارئة نوعاً مختلفاً من الديبلوماسية الضاغطة التي لا تثير أي اعتراضات داخلية وتحاول الإبحار وسط تناسق الحد الأدنى مع الإدارة الأميركية وكذلك من دون اثارة استفزاز ايران .
بذلك يكون ماكرون الآن عند الحدود الشديدة المحاذير لأحد ابرع أدواره في السياسة الخارجية فيما يترنح لبنان امام تجربة جديدة يأمل منها جرعات تنفس تعينه على تجنب الانزلاق الى الانهيار الأكبر والأخطر .
وليس مصادفة ان يقرر ماكرون العودة في زيارة ثالثة الى بيروت في كانون الأول المقبل اذ ان مهلة الثلاثة اشهر ستكون كافية لرسم الخط البياني حيال امكان انقاذ لبنان من الانهيار في فترة انتظار الانتخابات الرئاسية الأميركية من جهة، كما ستبين الهامش المتاح واقعياً للرئيس الفرنسي في تحيّن فرصة التسامح الأميركي الظرفية معه قبل ان يعرف ما اذا كان دونالد ترامب سيبقى سيد البيت الأبيض المقبل ام سيحل مكانه جو بايدن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات