Search
728 x 90

ماكرون – ميركل واهتزاز الدولة العميقة!

ماكرون – ميركل واهتزاز الدولة العميقة!

ما وراء ازمة “السترات الصفر” في فرنسا، وما صلات الشبه في ما يحصل في المانيا؟ هل هي ازمة بقاء الدولة العميقة ام صمود الجمهورية كمؤسسة؟

زياد الصائغ 

خبير في السياسات العامة واللاجئين

بين السترات الصفر والنازيين الجدد، على تمايُز بنيوي في خيارات كلٍّ منهما، ثمّة اهتزازاتٍ كثيفة في مشهد الدولة العميقة في قلب أوروبا. والدولة العميقة، وأبعدُ من التعريفات العلمية لها، لا قيمة تكتسبها سوى بتوازنٍ بين مستوياتٍ ثلاثة، وتحديداً تسيّدٍ لكرامة الانسان، والتفوّق للدستور والقانون، ومناعةٍ سياديّة أساسها العقد الاقتصادي – الاجتماعي ومُوازيها سياسة خارجية ودفاعية متكاملتان. من هنا ثمّة في أوروبا ما يستدعي التفكّر عميقاً في ما ستؤول اليه الأزمة القائمة في فرنسا وألمانيا، ليس بمعنى انهيار الدولة العميقة فيهما، بل بمعنى المسار الذي ستسلكه إدارة التعدّدية فيهما.قد يعتقد البعض أن الحديث عن إدارة التعدّدية في السياق الذي نعاينه، أكان على مستوى تظاهرات الشانزيليزيه، أو العمليّة الانتقالية التي جرت في رئاسة حزب الاتحاد الديموقراطي المسيحي الحاكم في المانيا بين انجيلا ميركل وخَلَفها آنغريت كرامب كارينباور، قد يعتقد البعض أن هذا الحديث بعيدٌ عن جوهر الصراع.

والحقيقة مغايرة إذ إنه القلب النابض للأزمة. الهُوية القِيميّة لأوروبا اليوم في منعَرَجٍ وعِر. الهجرة واللجوء هما عصبُ الانفلات الشعبوي. نقاشٌ في العمق يقوم في ألمانيا وفرنسا حول ما هو المدى الحيّوي لموجب استمرار التقديمات السخيّة اجتماعياً للمهاجرين واللاجئين، بما يعادل الضمانات المقدَّمة للمواطنين الأصليين، ما يستوجب فرض ضرائب جديدة على قطاعاتٍ محدّدة؟ وما هي القيمة المضافة لسياسات الدمج التي اعتمدتها الدولتان، كما الاتحاد الأوروبي على مدى عقود؟

من هذين التساؤلين نستشِفّ أن ما يجري في المانيا وفرنسا يتعلّق بالهويّة القيميّة لحوكمتهما في إدارة التعدّدية. وهذا بيت القصيد الذي يعيدنا الى تمدّد النمطية الشعوبية المتلبّسة يمينيّة ديماغوجية متطرّفة. الإشكالية البديهية في هذين التساؤلين قائمة في هل التماسك الأوروبي ذات المأسسة المستندة الى مصالح مشتركة، ولكن بالأولى الى قِيَم مشتركة، هل هذا التماسك سيصمُد أمام تصاعد هذا المدّ؟ ثم هل سيتحرّك الاستبلشمنت الأوروبي النخبوي كما تحرّك ذاك الأميركي في الانتخابات النصفيّة الأخيرة لدق ناقوس خطر ضرب المرجعية الأخلاقية في هذين المحورين الليبراليين؟

ليس من مؤشّرات الى أن اليمين الشعبوي سيتنبّه لما ذاهبةُ اليه الأمور من تحطيم لتراكمٍ تاريخي بُنِيًت عليه المجتمعات التي ينتمي اليها، إذ هو امتلك قرار الإمساك بزمام السلطة أكثر منه ابتداع شكل حكم ذات أجندة سياسات عامة واضحة. وهنا يصح الحديث عن أننا سنكون أمام كياناتٍ شعبية موازية للدولة تسعى الى إحداث تصدّعٍ في أُسُس، ليس الدولة العميقة فحسب، بل في أُسُس استمرار الحِكمة في التحكّم بوقف انهياراتٍ اجتماعية – اقتصادية، لصالح تسويق حلول غير تقليدية وصادمة، يعنيها الإعلان جهاراً أن من موجب الحركية التاريخية، الانتهاء بالكامل من الزعامات الكلاسيكية من ناحية، كما وضع حدٍّ جذري لمنظومة تبادل المصالح بين مكوّناتٍ لا علاقة لها بنبضِ الشارع، حتى ولو كان ذاك الشارع على رعونةٍ لا ينتفي فيها الأحقيّة من ناحية أخرى.

 وبقدرِ انتفاء هذه المؤشرات المفرمِلة لإندفاعة اليمين الشعبوي، بالقدر عينه تتبدّى ارتباكاتٌ في حيّز من يزالون يسعون لصون القِيَم التي استند اليها الاتحاد الأوروبي، فتُراهم اختاروا المهادنة أكثر منه رفع مستوى النقاش الى حيث هو المُصاب الجلل، أي القِيَم وترجمتها العملانيّة في السياسات العامة ومنصّة القوانين والدساتير المُلهمة لها.

ماكرون – ميركل، وهما من جيلين مختلفين وتجربتين مختلفتين، مدعوّان لمقاربة جذور الزعزعة كي لا تُطيح تداعياتها بعضاً من أنسنةٍ مجتمعيّة متبقية… الا إذا كان الخيار الإفساح في المجال عن قصدٍ لانزلاقاتٍ كيانية تحتِّم في المُحّصّلة الاختيار بين بقاء الدولة العميقة أو صمود الجمهورية كمؤسسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات