Search
728 x 90

ماذا ينتظر لبنان عشية نهاية 2020؟

ماذا ينتظر لبنان عشية نهاية 2020؟

لا ينطلق السؤال من التوقعات التي تنطلق مع نهاية السنة وبداية اخرى فحسب بل من واقع ان لبنان عرف سنة قد تكون الاصعب منذ انتهاء الحرب في 1990 وليس فقط على وقع تفشي وباء الكورونا الذي اصاب غالبية دول العالم وترك انعكاسات خطيرة على اقتصاداتها.

لبنان قد يكون في بداية المسار الانهياري اقتصادياً ومالياً على رغم المآسي التي شهدها ولا سيما عبر انفجار المرفأ في 4 آب الماضي فيما يستمر في الانزلاق من دون ما يردعه كما انه قد يكون في الطريق الى تغييرات سياسية بنيوية ربطاً بانقسامات طائفية عميقة وتأثيرات اقليمية خطيرة.

والواقع انها ليست سنة باثني عشر شهراً حصراً بل ان تدحرج الواقع المأسوي انطلق في 17 تشرين الاول 2019 مع انطلاق انتفاضة اللبنانيين ضد الطبقة السياسية ولا يزال التدحرج مستمراً على رغم توقف الانتفاضة انما عبر تزايد الازمات وتعمقها. اذ ترجمت تلك الانتفاضة الشعبية نفسها في تحركات عفوية قبل ان تصبح منظمة  وتتحول الى حركة فعلية لقيت تأييداً خارجياً لا يزال مستمراً على قاعدة انها صوت الشعب الرافض حكم طبقة سياسية تستنسخ نفسها ويتوالد فسادها ويتكاثر. وهي حظيت بصدقية كونها الاكبر منذ ثورة الأرز في العام 2005  التي فرضت على القوات العسكرية السورية الانسحاب من لبنان بعد احتلال او وصاية لمدة 30 عاماً.

 العودة الى الانتفاضة مهم ّلأنها كانت مفصلية في مطالبتها بحكومة من غير السياسيين والاحزاب، ما دفع برئيس الوزراء سعد الحريري الى الاستقالة عارضاً تأليف حكومة مستقلين اختصاصيين رفضها اهل السلطة. ومع انه تم تأليف حكومة تحت هذا العنوان ، فإنها كانت عملياً حكومة الاحزاب في السلطة ولا سيما حكومة ” حزب الله” وحليفه في الثنائي الشيعي وحليفه الاخر المسيحي اي التيار العوني الموالي لرئيس الجمهورية.

الحكم بالواسطة او بقيادة الاحزاب من الخلف كان كارثياً مع افتقاد هذه الاحزاب الى اي صدقية، ما خفض من صدقية لبنان خارجياً ولا سيما مع قرارات كارثية من بينها امتناع لبنان عن تسديد ديونه باليوروبوندز للمرة الاولى في تاريخه وانهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار الاميركي للمرة الاولى منذ اكثر من 25 عاماً.

كان لبنان بدأ مساراً انحدارياً خطيراً معطوفاً على محاولة واضحة لتغيير نظامه الاقتصادي على خلفية انهيار قطاعه المصرفي  واقتصاده وهكليته الاجتماعية. ادى انفجار مرفأ بيروت في 4 آب بفعل انفجار مستودع من نيترات الامونيوم التي لم يكشف اصحابها ولا اهداف تخزينها الى كارثة انسانية وبشرية واسكانية وصحية هائلة . ولكنه كشف انهيار مؤسسات الدولة ايضاً.

عاد المتظاهرون الى الشوارع للمطالبة بحكومة تكنوقراط مستقلة وتغيير الطبقة السياسية التي استحوذت على السلطة لثلاثة عقود بدفع من فرنسا التي زار رئيسها ايمانويل ماكرون لبنان مرتين . لكن تأليف حكومة مستقلة استعصى على الوساطة الفرنسية فيما ان الاحتجاجات الشعبية هدأت تحت وطأة المآسي التي تراكمت فوق رؤوس اللبنانيين من قمع المتظاهرين والتعرض لهم الى  المزيد من انهيار العملة المحلية وانهيار وتفشي فيروس كورونا المستجد .

 باتت تختصر الازمات التقارير الدولية التي تكشف ان اكثر من  نصف السكان  في لبنان باتوا تحت تحت خط الفقر وكذلك بالنسبة الى الامن أصبح الأمن الغذائي الذي اصبح  في خطر فيما انهار النظام الصحي بشكل تام بفعل انفجار المرفأ ووباء الكورونا وانهيار الليرة اللبنانية في الوقت الذي انهار مع انهيار العملة ايضاً كل الاقتصاد اللبناني الذي بات يعيش، كما اللبنانيين، على المساعدات الدولية.

بات لبنان يعيش منذ انفجار المرفأ واقعاً اقتصادياً ومالياً متداعياً وشللا ًسياسياً احدثته استقالة الحكومة التي عرفت بحكومة اللون الواحد قياساً الى تشكيلتها المقتصرة على ” حزب الله” وحلفائه، ما ادى الى مقاطعتها من الدول المؤثرة العربية والغربية. لكن ومنذ ذلك الوقت ترفض السلطة التي تضم اساساً هذه الاحزاب المسيطرة بالغالبية على مجلس النواب، تغيير المعادلة السياسية او احداث اي توازن يضغط في سبيله الغرب من خلال اطاحة الحكومات السياسية والمطالبة بحكومة مستقلة لا تشارك فيها الاحزاب وتلبي طلب الشعب .

 وفشل تأليف حكومة من التكنوقراط بحضّ من فرنسا فيما عجز المجتمع المدني عن اطاحة الطبقة السياسية كما يأمل، علما ً ان هذه الاخيرة تواصل منع تلبية مطالب الشعب وتستمر في مواجهته من خلال دفعه الى الفقر، ما سيضطره لاحقاً الى تسوّل حاجاته او وظائفه من الطبقة السياسية نفسها، الى رذلها ولا سيما متى منّ زعماء هذه الطبقة على مؤيديهم بالمساعدات المالية المتأتية عن تحويل بعض مئات الدولارات التي تم تهريبها الى الخارج الى العملة اللبنانية .

واستمر فريق السلطة  يمارس التعطيل باعتبار انه سلاحه الاستراتيجي الفعلي الذي ادى خلال الاعوام الاخيرة من الحصول على ما يريده، اكان بعد فراغ في سدة الرئاسة الاولى منع على اثره انتخاب رئيس الجمهورية ما لم يتم ايصال المرشح الذي دعمه ” حزب الله” اي العماد ميشال عون، او بالنسبة الى الحكومات المتتالية.

والى طمع الطبقة السياسية ورفض التخلي عن امتيازاتها التي تسمح لها بنهب مقدرات الدولة واقتسام خيراتها، تضاف الانعكاسات الكارثية لـ” حزب الله”. فعدا عن كونه غدا مسيطراً بهيبة سلاحه على الواقع السياسي والقرار الداخلي والخارجي وعبر بتحالفه مع فريق مسيحي واسع ، فإن كونه تنظيماً ارهابياً وفق توصيف مروحة واسعة من الدول ازدادت كثيراً في العام المنصرم، جعله يأخذ لبنان رهينة كلية لديه. فبات لبنان راهناً يواجه مستقبلاً صعباً جداً على خلفية احتمالات تتفاوت وفق الاتي:

المخاوف الكبيرة من تغيير قسري للصيغة اللبنانية والذي يثير مخاوف البطريركية المارونية في شكل خاص والتي تعتبر ان النموذج اللبناني مستهدف . ففي ظل مساعي لتغيير قسري لاتفاق الطائف الذي انهى الحرب في العام 1990 عبر الممارسة في سعي فريق الرئيس ميشال عون الى استعادة صلاحيات رئاسية اُخذت منه في الاتفاق، او في سعي الثنائي الشيعي الذي يضم ” حزب الله” وحركة ” امل” الى تثبيت المثالثة في السلطة وليس المناصفة وفق ما اقرّها الطائف بين المسيحيين والمسلمين، يخشى ان التغيير يصعب حصوله على البارد في ظل رفض الطائفة السنيّة لاي تعديل للاتفاق. وينسحب على ذلك اشاعة انطباعات بأن تمسك كل فريق طائفي بهواجسه وامتيازاته سيدفع بلبنان حكماً الى نوع من انواع الفدرالية او الحكم الذاتي لكل طائفة تحت مسميات مختلفة كاللامركزية الموسعة الادارية ولكن ايضاً المالية على رغم ان لبنان ككل لا تتعدى مساحته 10452 كلم.

ان الازمة الاقتصادية تستمر كارثية ولكن من دون امكان مقاربتها بطريقة صحيحة الحاجة الماسة الى ايجاد حل للأزمة السياسية التي باتت عنواناً للافتقار الى الاستقرار السياسي ومقومات الدولة.

ولكي يخرج لبنان من أزمته يحتاج إلى تشكيل حكومة تعيد بناء الثقة داخليًّا ومع الخارج بحيث تكون  المنطلق لانتشال لبنان من أزمته عبر استقطاب موارد مالية جديدة. هذه الثقة تتطلب توافر مقومات كانت حددتها المبادرة التي اطلقها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في الذكرى المئوية لتأسيس لبنان الكبير. المقاربات الاقتصادية المطروحة وردت تحت عنوان “مشروع برنامج للحكومة الجديدة” سُميّت اصطلاحاً: “المبادرة الفرنسية”. وتضمنت بنوداً إصلاحية دعا إليها صندوق النقد الدولي وكل الخطط الإصلاحية، بحيث تتضمن 4 محاور، وهي: مكافحة جائحة كورونا عبر المساعدات الإنسانية، وإعادة إعمار مرفأ بيروت ومعالجة تبعات الانفجار، والإصلاحات الهيكلية، وأخيراً إجراء انتخابات نيابية مبكرة في مهلة سنة كحدٍّ أقصى وفق قانون انتخابي إصلاحي.

وفيما اعيت اللبنانيين الحيلة للضغط على قوى السلطة للقيام بما تتعين عليهم مسؤوليتهم القيام به، فإن الواقع ان هذه القوى تمردت على وساطة الرئيس الفرنسي كما على تقريع اميركي قاس ورسالة من بابا الفاتيكان لم يرد فيها كيفية تقديم هذه القوى مصالحها على مصالح الشعب عدا عن مناشدات وتقريع رجال دين مسيحيين ومسلمين في لبنان.

ولذلك بدا لبنان عشية نهاية عام 2020 الكارثي بكل معنى الكلمة بالنسبة اليه في حال سقوط حر في ظل عدم ايلاء مسؤوليه اي اهتمام للانقاذ وفي ظل رهانات تربطه من جانبهم باستحقاق المفاوضات الاميركية في ظل ادارة جديدة منتخبة مع ايران. وهذا الامر الأخير لوحده كفيل بتراجع اي آمال باسترجاع لبنان الحد الادني من سيادة قراره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات