Search
728 x 90

ماذا تفعل تركيا في ليبيا؟

ماذا تفعل تركيا في ليبيا؟

في الثاني من كانون الثاني 2020، وافق البرلمان التركي على نشر قوات تركية في ليبيا لدعم حكومة فايز السراج المعترف بها دولياً، ولدحر القوات المسلحة التابعة للواء خليفة حفتر بعيداً عن العاصمة طرابلس.
وفي السادس من كانون الثاني بدأت القوات التركية، وغالبيتها من المرتزقة، بالتوجه الى تركيا. لماذا توجهت انقرة الى بلد لا حدود لها معه، ويبعد عنها 2168 كلم؟ وما هو مشروع “الوطن الازرق” الذي يتصاعد دخانه بقوة؟

شطرنج ليبيا 

الساحة الليبية اشبه بمربعات الشطرنج. كل عنصر عليها يتحرك ظاهرياً لهدف، وباطنياً لآخر. وكل حركة فيها تخبئ سلسلة حركات اخرى تتنقل من مربع الى آخر لهدف نهائي يأمل كل خصم بتحقيقه. ولم يكن ينقص اوضاعها المأزومة مزيداً من تدخل خارجي عقّد وضعها اكثر.

فهناك من جهة، حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج التي اعترفت بها الامم المتحدة وتدعمها الدول الغربية مع تفاوت الدعم الفعلي بين دولة واخرى. والحكومة هذه مدعومة من قطر وتركيا.

وهناك من جهة ثانية، جيش اللواء خليفة حفتر المدعوم من الامارات العربية المتحدة ومصر وروسيا، والى حد ما من المملكة العربية السعودية، وهدفه المعلن القضاء على حكومة السرّاج التي يصفها بالاصولية، وبأنها مدعومة من “الاخوان المسلمين”.

الكرّ والفرّ الليبيان بين الفريقين بلغا ذروتهما في تشرين الثاني 2019 مع تقدم قوات حفتر نحو العاصمة الليبية طرابلس، مهدداً حكومة السراج. فوجدت تركيا ان لا بد من وضع حد لتوسعه وتهديد حليفها السراج عبر التدخل المباشر… على أقله لفرض شروطها في التفاوض في مرحلة لاحقة. فهي وقّعت اولاً اتفاقاً مع السراج في 28 تشرين الثاني 2019 ، رسّم الحدود البحرية من دون اي اعتبار للجزر البحرية اليونانية، بما في ذلك جزيرة كريت اليونانية، كما منحها السيطرة على المنطقة البحرية الليبية واعطاها موطئ قدم في وسط حقول الغاز في البحر الابيض المتوسط. وارسى بالتالي “كوريدوراً” بحريّاً سمح لها بالتحكّم بالحركة البحرية، كما بحركة ناقلات النفط والغاز وبخزانات الغاز وانابيبه في المنطقة، اي بين اسرائيل واليونان وايطاليا.

وقد اعتبر المحللون هذا الاتفاق بمثابة اتفاق مواجهة لـ “منتدى غاز للشرق المتوسط” الذي انشأته إسرائيل ومصر واليونان وقبرص في تموز 2019.

وفي مرحلة ثانية، وافق البرلمان التركي في 2 كانون ثاني 2020 على مذكرة الرئيس رجب طيب أردوغان التي اتاحت له إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا دعماً لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس التي تتعرض لهجوم من القوات الموالية للمشير خليفة حفتر.

ظاهريا، انتقدت الدول الغربية التدخل التركي في ليبيا ومن ضمنه خرق حظر وصول السلاح الذي فرضته الامم المتحدة على ليبيا، لكن فعلياً، كلها – باستثناء فرنسا وايطاليا- وافقت على العملية التركية خوفاً من انهيار حكومة السراج، وأملاً في اجبار خليفة حفتر على الجلوس الى طاولة المفاوضات. وهذا ما اكدته فرنسا على لسان وزير خارجيتها الذي شدد على ان التّصعيد الحالي في ليبيا يهدّد الاستقرار في كامل المنطقة.

وقد صبّت مفاوضات كل من موسكو وبرلين في كانون الثاني 2020 في هذا الاطار، الا ان استقالة ممثل الامم المتحدة الخاص الى ليبيا غسان سلامة، اعاد الوضع الى نقطة الصفر. واتى تراشق الاتهامات بين تركيا والامارات ليقطع اي امل بالتفاوض بين الطرفين ولا سيما بعد التورط التركي في سوريا، خصوصاً ان العداء بين الطرفين يعود الى حقبة “الربيع العربي” واتهام انقرة بتمويل الاخوان المسلمين ودعمهم في المنطقة، ناهيك عن خرق تركيا الحصار الرباعي ( من السعودية والامارات والبحرين ومصر) على قطر في حزيران 2017، بحيث انها ارسلت طائرات من المؤن الى الدوحة بعد ساعات على فرض الحصار. واتت الخطوة التركية يومها في مقابل، اتهامها الامارات بإيواء المسؤول السابق في منظمة “فتح” الفلسطينية محمد دحلان الذي تعتبره متورطاً – بدعم اماراتي – في محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا العام 2016.

تضاف الى ذلك، خطوة القبائل المؤيدة لحفتر التي وضعت حد لانتاج النفط والغاز وتصديرهما الى الخارج في كانون الثاني 2020 ايضاً، بحجة رفض ان تموّل عائدات النفط تدخل القوات التركية في ليبيا، مما وضع حداً لمصدر تمويل مهم لحكومة السرّاج.

وفي الصورة الاوسع للوضع، هناك هدفان تركيان مباشران. فالأول يقضي بتقويض الضغوط الاماراتية والمصرية التي تطمح الى تطويع الاطماع التركية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، والثاني بوضع حد للجهود اليونانية والقبرصية، ومن ورائهما اسرائيل والاتحاد الاوروبي، لاستبعاد انقرة من مشاريع التنقيب عن الغاز والنفط في البحر الابيض المتوسط والتقليل بالتالي من تأثيرها الجيوسياسي في المنطقة.

اما في المشهد التركي الروسي، فما التدشين المشترك بين الدولتين لخط انابيب غاز جديد في 8 كانون الثاني 2020 في تركيا، سوى رد اردوغان وبوتين، كل على طريقته، لحجز دور رئيسي على الساحتين الليبية والسورية، خصوصاً ان روسيا وجدت نفسها خارج المعادلة السياسية الليبية في اعقاب ما سُمّي “متلازمة 1973” يوم رفض رئيس الفدرالية الروسية ديميتري ميدفيدف استعمال حق الفيتو لدى التصويت على القرار 1973 في مجلس الأمن، مما فتح باب التدخل العسكري أمام حلف شمال الأطلسي في ليبيا العام 2011 بعد الاطاحة بمعمر القذافي.

من هنا، اتهام القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا في 26 ايار 2020، روسيا بإرسالها اخيراً مقاتلات إلى ليبيا لدعم ما قالت انهم” المرتزقة الروس الذين يقاتلون إلى جانب المشير خليفة حفتر”.

من هنا ايضاً، التحذير الاوروبي “بالجملة” و”المفرق” من تدهور الوضع الليبي. وآخره تأكيد ممثل الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي: “نواجه أزمة كبيرة في ليبيا التي تقع على أعتاب دول الاتحاد”.

من جهته، حذّر وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان من تكرار سيناريو سوريا في ليبيا، قائلاً ان “سورنة النزاع في ليبيا يشكل خطرا على الأمن الأوروبي”، وذلك بعدما هاجم الدور التركي في ليبيا، مما اثار اكثر من اتهام حيال ما اعتبرته الاوساط التركية “ازدواجية في الموقف الفرنسي”.

وقد ذهبت وزارة الخارجية التركية الى حد اعتبار فرنسا “المسؤول الرئيسي عن المشاكل التي تعيشها ليبيا منذ بدء الأزمة في 2011، متهمة اياها بتقديم “دعم غير مشروط لقوات حفتر كي تكون صاحبة الكلمة على موارد ليبيا الطبيعية”.

“وطن ازرق”

“الوطن الازرق” او “مافي فاتان” Mavi Vatan ، كلمتان سحريتان تختصران الاستراتيجية التركية في التحرك في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وبالتالي التدخل الاخير في ليبيا. ويقول محللون اتراك ان الهدف من هذه الاستراتيجية الغاء نتائج معاهدة سيفر التي ادت الى تقاسم اراضي السلطة العثمانية العام 1920 في اعقاب خسارتها في الحرب العالمية الاولى.

مشروع “الوطن الازرق” خرج الى النور لأول مرة العام في حزيران 2006، خلال ندوة القاها الأميرال رمضان جيم غوردينيز في مركز قيادة القوات البحرية التركية، وهي تتضمن رؤيته للولاية البحرية التركية على البحر الاسود وبحر ايجيه والبحر الابيض المتوسط، بحيث ان “سطح هذا الوطن وجسمه المائي وقاع البحر والكتلة الأرضية تحت قاع البحر هي لنا”، كما قال في كتابه من 528 صفحة، بعنوان “كتابات حول الوطن الأزرق”.

فتركيا التي تستند امداداتها بالطاقة الى الخارج – ولا سيما روسيا وايران والعراق وليبيا – تحتاج الى تأمين وصولها بأي ثمن. فهي استوردت مثلاً العام 2018 اكثر من مليون برميل نفط يومياً واكثر من 51 بليون متر مكعب من الغاز من الدول الاربع.

ومن هنا، “نشاطها العسكري في كل من شمال سوريا وشمال العراق وليبيا والقرن الافريقي.

وقد ابرز كتاب “كتابات حول الوطن الأزرق” ايضاً 3 ابعاد امنية حيوية للجغرافيا السياسية التركية فى البحر المتوسط لمواجهة:

1- التحديات اليونانية – الأوروبية على مناطق الاختصاص البحري التركي.

2- امكان اقامة دولة كردستان المستقلة وحرية وصولها الى البحر الابيض المتوسط.

3- مستقبل شمال قبرص وتأثيره الجيو سياسي على تركيا.

فمشروع “الوطن الازرق” يهدف الى ارساء السيطرة التركية بواسطة “غلافين” يؤمنان الحماية :

1- الغلاف الاول: البحار الثلاثة التي تحيط بتركيا: البحر الابيض المتوسط، بحري ايجيه، البحر الاسود.

2- الغلاف الثاني: البحار الاستراتيجية وبما فيها البحر الاحمر، بحر قزوين، بحر العرب بما فيه الخليج الفارسي.

كما يتضمن المشروع ايضاً ارساء السيطرة التركية على الخليج والبحر الاحمر عبر اقامة قواعد عسكرية في قطر والصومال وجزيرة سواكن السودانية.

من هنا، حركة البحرية التركية المستمرة في البحر الابيض المتوسط، والبحر الاسود – ولا سيما قبالة بلغاريا- وبحر ايجيه قبالة سلسلة الجزر اليونانية الشرقية… كما في البحر الاحمر وباب المندب وبحر العرب والخليج الفارسي ولا سيما بعد الاتفاق التركي- الباكستاني الذي سمح لأنقرب بتأمين وجود مستمر لها في بحر العرب والخليج الهندي.

ومن هنا ايضاً، سعي اردوغان الى تطوير الاسطول البحري التركي منذ اول دقيقة من ولايته الرئاسية من ضمن برنامج اطلق عليه اسم “ميلغيم” Milgem.

فقضى البرنامج بتطوير الصناعة الحربية التركية بـ 6 غواصات U-214 جديدة وفق النموذج الالماني وبمساعدة مهندسين المان، من المتوقع ان تكون جاهزة للعمل بين العامين 2021 و2027، لتنضم الى اسطول الغواصات الموجود من 10 قطع.

كما تصنّع انقرة حاملة طائرات ستتمكن من استقبال الـ F-35 العام 2021 لتدّعم قدرتها العسكرية في البحر الابيض المتوسط والبحر الاحمر وبالتالي عملياتها في ليبيا والسودان.

ويتوقع الخبراء العسكريون ان تتمكن تركيا من تجهيز اسطولها البحري والجوي في السنوات القليلة المقبلة ليصل الى 140 قطعة (سفينة وغواصة) ، كما 60 طائرة عسكرية. من ضمنها نحو 16 طائرة استطلاع، و40 مروحية عسكرية، و16 غواصة (بما فيها الغواصات الست المذكورة اعلاه) و21 فرقاطة عسكرية، و18 قارباً عسكرياً صغيراً سريعاً، و35 قارب حامل للصواريخ، و32 كاسحة الغام، الى جانب عشرات القوارب العسكرية الاخرى الموجودة اصلاً.

وفي هذا الاطار، اظهرت انقرة تفوقها البحري الى الملء في اكبر تمارين حربية قامت بها في آذار 2019، واطلقت عليها اسم “الوطن الازرق”.

واذا كانت تركيا تدرس خطواتها السياسية في المنطقة بحيث لا تستفز اللاعبين الكبار فيها، ولا سيما روسيا وفرنسا واسرائيل ومصر والمملكة العربية السعودية ، فإنها في المقابل، لا تتهاون في سعيها الى تأمين استقلاليتها في تأمين الطاقة، مما يسمح لها بالطبع بإرساء قوتها الاقتصادية والبحرية والسياسية عبر السيطرة على مياه البحر الابيض المتوسط وايجيه والاسود والاحمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات