Search
728 x 90

ماذا بعد رفض ” صفقة القرن “؟

ماذا بعد رفض ” صفقة القرن “؟

ماذا بعد اعلان “صفقة القرن”؟ 
هل الرأي العام العربي يفضّل البقاء في الجانب العاطفي من قضية فلسطين وعاصمتها القدس ويرفض مواجهة الجانب الواقعي ام لا؟ وهل تبقى وحدها قائمة المقاربة المعتمدة باستمرار مقاومة الاحتلال الاسرائيلي؟ وماذا لو تمت اعادة انتخاب الرئيس الاميركي دونالد ترامب لولاية جديدة مع احتمال اعترافه بمستوطنات الضفة الغربية كما حصل في الجولان والقدس؟

خرجت المزايدات بالنسبة الى ما اعلنه الرئيس الاميركي دونالد ترامب من شق سياسي لخطة السلام بين اسرائيل والفلسطينيين والتي اطلق عليها تسمية “صفقة القرن” من دولتين فاعلتين في المنطقة غير اسرائيل بالذات هما ايران وتركيا.

هذه المزايدات استهدفت في شكل اساسي الدول العربية ولا سيما منها الخليجية على خلفية ان سفراء عرباً كانوا موجودين في المؤتمر الصحافي الذي عقده ترامب مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الابيض لدى الاعلان عن ” الصفقة ” فضلاً عن ان ترامب الذي اخّر الاعلان عن الشق السياسي بعدما كان اعلن الشق الاقتصادي منها في مؤتمر عقد في البحرين في حزيران 2019، لم يلق ردود الفعل العربية القوية والرافضة بين الموعدين، اي الكشف عن الشق الاقتصادي ثم الكشف اخيراً عن الشق السياسي بحيث يجبره على تغيير مقاربته لما يعتبرها خطة سلام بغض النظر عما يشوبها من اجحاف في حق الفلسطينيين او مدى تجاوزها للقرارات الدولية.

الرئيس التركي رجب الطيب اردوغان اعتبر صفقة القرن ” مشروع احتلال ” وندد ” بما وصفه ” خيانة ” الدول العربية الصامتة على هذه الصفقة. فيما ايران التي تحتفل سنوياً بما تسميه ” يوم القدس” وتسعى الى توظيف تنظيمات فلسطينية راديكالية من ضمن مواجهتها اسرائيل فهي قالت ان ” صفقة القرن ” شيطانية” واعدّها مجرمون محتالون حسب رأيها.

وتستهدف هذه المواقف في شكل اساسي الدول العربية انطلاقاً من ان تركيا وايران على توتر محتدم بين كل منهما والدول الخليجية والتي تدخل من بينها ايضاً العلاقة الجيدة التي تقيمها الدولتان مع قطر. لكنهما ايضا في مجال منافسة الدول العربية ومحاولة احراجها امام الرأي العام العربي على قاعدة انها لم توجّه الى الرئيس الاميركي اتهامات او هي لم تندد بالصفقة وفق ما يجب خصوصاً ان الدول العربية اظهرت مواقف متفاوتة مما اعلنه الرئيس الاميركي، لكنها وفي ظل علاقاتها الوثيقة مع واشنطن، ليست مضطرة لان تكون صدامية او ان تعمد الى افشال صفقة تعرف هذه الدول مسبقاً ان الفلسطينيين انفسهم لن يقبلوا بها وتالياً لا حاجة لأن تظهر عداء لها بالنيابة عن الفلسطينيين او في اتجاه الاميركيين اذا كان اصحاب الحق سيرفضون ما يعرض عليها.

وهذا الرفض يعفي هذه الدول عملانياً من تبعة الدخول في خلافات على خلفية انهم مدركون جيداً ان موافقتهم هم فيما يرفض الفلسطينيون لن تكون في محلها وكذلك الامر بالنسبة الى اي موقف مغاير.

ففي النهاية تقف الدول العربية موقفاً وراء الفلسطينيين لكن ذلك لم يمنع دعوتها الى اجراء مفاوضات من اجل استئناف الحوار بين الفلسطينيين والاسرائيليين. فالدول العربية لم تعلن قبولها او تأييدها للصفقة لكنها لم تعلن رفضها لها ايضاً. اذ صدرت بيانات مدروسة في بعض الدول العربية تحمل بعض العبارات الرافضة للخطة لكن من دون مواقف قاسية.

لكن هذا التنديد لم يلبث ان عبّر عنه مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي اجتمع في القاهرة غداة الاعلان عن الصفقة. والواقع كما يبدو وفقاً للمعطيات التي تراكمت على مدى اعوام ان وزراء الخارجية العرب الذين اعادوا التمسك بالمبادرة العربية التي اُقرّت في بيروت بمبادرة من الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز وتنصّ على مقايضة الارض مقابل السلام مع اسرائيل قد تكون شهدت متغيرات كبيرة نتيجة الكثير من العوامل. اذ ان السلام التي ترغب فيه اسرائيل مع الدول العربية حصلت عليه بنسبة كبيرة ولو من دون تطبيع للعلاقات من خلال رؤية نتنياهو في عمان او مسؤولين اسرائيليين في الدوحة مثلاً فيما ان الدول العربية التي انهكتها الكثير من الصراعات والحروب الداخلية في الدرجة الاولى لم تعد تركز اهتمامها على اسرائيل بل على ايران التي تعتبرها عدوّتها راهنا وتتلاقى مع اسرائيل على عدوّ مشترك اذا صح التعبير.

هذا لا يعني ان الخطة التي عرضها ترامب يسهل قبولها من الدول العربية على رغم اولويات اخرى تتعلق بأمور اكثر اهمية بالنسبة اليها على مستويات عدة فيما ان الواقع يفترض الاقرار بأن الدول العربية المتوزعة والتي لا يجمعها الكثير في الظروف الراهنة لا يمكنها القيام بحملات قوية مناهضة لخطة ترامب في ظل غياب بدائل حقيقية.

فهناك امر واقع تفرضه اسرائيل تدريجاً بدعم من الولايات المتحدة الى حدّ بات صعباً عكسه او اعادة الامور الى الوراء، وهو ما يدفع دولاً كثيرة الى الخشية من ان حل الدولتين التي لا تزال ترفعه كثير من الدول كشعار ومطلب من حيث المبدأ لم يعد صالحاً وغير ممكن لأن المقومات المطلوبة والضرورية لدولة فلسطينية لم تعد موجودة اياً تكن الاسباب او الاعتبارات وراء ذلك.

ولذلك ليس خافياً ان الدول التي دعت الى عودة التفاوض انما تدرك جيدا ان المزيد من المراوحة قد يدفع الفلسطينيين الى خسارة ما تبقى بدلا من انقاذه. وحتى بعض الشعارات غدت عاطفية اكثر منها واقعية، ومن هنا السؤال اذا كان الرأي العام العربي يفضّل البقاء في الجانب العاطفي من قضية فلسطين وعاصمتها القدس ويرفض مواجهة الجانب الواقعي ام لا؟

وهذا لا يعني اطلاقاً التسليم لاسرائيل او للولايات المتحدة بالصفقة التي تريدان الموافقة الفلسطينية عليها كحل للقضية الفلسطينية، لكن السؤال يبقى اذا كانت المقاربة المعتمدة المتصلة باستمرار مقاومة الاحتلال الاسرائيلي يمكن ان تبقى قائمة بنجاح لوحدها ولأي امد في ظل زلزال ضرب المنطقة ولا تزال تداعياته متلاحقة.

والسؤال الاخر يتصل بالاحتمال الكبير لاعادة انتخاب الرئيس الاميركي ترامب لولاية جديدة وما يمكن ان يعنيه ذلك من احتمال اعترافه بالمستوطنات التي تستمر اسرائيل في بنائها في الضفة الغربية المحتلة باعتبار ان اعترافه بالقدس عاصمة لاسرائيل وبسيادة اسرائيل على الجولان قد يكون صعباً جدا التراجع فيهما اياً كان الرئيس الاميركي الذي يمكن ان يخلفه بعد بضع سنوات.

ومن هنا فإن ما بعد ردود الفعل الفورية العاطفية والانفعالية ما يجب ان يكون على الطاولة في اي اتجاه يمكن ان يتم تبنيه ازاء خطة ترامب سواء كان رفضاً لها او تجزئة لها او قبولاً بها. ثمة ما يجب وضعه على الطاولة على الاقل من اجل ما يمكن دحضه باعتبار ان الرفض الشعبوي خصوصاً من جانب دول تزايد في المنطقة قد يفاقم الامور ليس الا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات