Search
728 x 90

ليقوم لبنان… عاندت جحيمهم! الى روح البطريرك صفير

ليقوم لبنان… عاندت جحيمهم! الى روح البطريرك صفير

الى روح البطريرك مار نصر الله بطرس صفير الذي ارتحل وتركنا فرائس لانعدام الوزن على كلّ المستويات.

زياد الصائغ 

خبير في السياسات العامة واللاجئين

 

سيّدي البطريرك،

ليس ارتحالك سوى الاكثف في التعبير عن رمزية ثباتك في النضال من أجل لبنان وإنسانه، والشرق وأبنائه. بهدوءٍ دهري عاندت جحيم من صمّم على اغتيال القِيم التي يحملها وطن الرسالة. بهدوءٍ دهري ذهبت الى العمق من دون هوادة تحكي صلابةً في التصميم ورصانة في الرؤية. أتذكّر يوم بادرتني في آب ٢٠٠٧ قائلاً: “متى نتعلّم العمل بدل الكلام. استعراض المواقف من على المنابر مقتَلةٌ للدولة. إذهب الى حيث يدفعك ضميرك. لا تَخَف من عداوات. المعيار ضميرٌ حيّ”.

في ذاك الآب سيّدي كنّا، وكنتَ معنا، في جحيم مواجهة مفتوحة مع إرهابٍ مفبرك في مخيّم نهر البارد. كانت نظراتك تحاكي وجع العارف ما وراء الأكمة، وبعد نقاش مقتضب ربَتَّ على كتفي وودّعتني مباركاً: “لا تخَف من الجحيم، ومن حالفوه أعتقد انهم قد يتوبون، وإن لن يتوبوا، فتكون أنت قد قمت بواجبك والتاريخ في فِعل العناية الإلهية يتكفل بتصويب المسارات. ومن يصبر الى المنتهى فذاك يخلُص. لبنان قويٌ والقوة حكمة ورصانة”.

غادرتُك في الديمان، وفي قلبي خَفَر، فيما عقلي يضجّ بالتحدّي. حينها سيّدي كان الأمل ما زال قائماً. كانت عيناك تلمعان لقناعةٕ راسخة، لم تفارقك، بالحاجة لمزيدٍ من بلورة خياراتٍ جريئة أبعد من تسويات رجراجة.

سيّدي البطريرك،

منذ ذاك الآب، وأنا أتأمل صلابتك النابعة ممّا دعيتني الى أن استمر فيه، عَنيت الضمير الحيّ.

الحقيقة عندك بحثٌ مستدام عمّا يعزز كرامة الإنسان. والثورة عندك إقامةٌ في هذا البحث حتى انجلاء ما يؤكد أن المُحرّم الوحيد يتمثّل في التَلَوّن والتذاكي والتماهي مع خياراتٍ مؤقتة تمليها هذه اللحظة أو تلك. ورهبة الموقف عندك انكبابٌ على إضاءة مِشعل الحق رغم اصرارات إطفائه هنا وثمة.

كل هذا السياق بتنا نفتقده سيّدي. وشعَرتُ في العام ٢٠١٧ في لقائنا حزناً طالعاً من عباراتكم المغرورقة دمعاً. يومها لم تتردّد في دعوتي الى الصلاة من دون ملل مستطرداً: “ما عاد ينفع الا الصلاة. بئس هذا الزمن”.

سيّدي البطريرك،

ها أنت ترتحِل وتتركنا فرائس لانعدام الوزن على كلِّ المستويات. أعلم أن ملاقاة الرب فِعلٌ قياميٌّ بعد مثابرةٍ في الدفاع عن القِيم الانسانية والإيمان القويم، وهي حقٌ من المؤمنين حقوق الشُجعان. وأعلم أنك ستواكب ما تبقّى من ضميرٍ في وطنٍ مستباح ودولة مفككّة. لكن أعلم أيضاً أن في قلبك غصّة وفي فمك ماء. وأعلم أنك نأيت بنفسك عن فتورٍ أو انزلاقٍ نحو تفاهمات لا تمتّ بصِلة الى مبدئية ما آمنتَ به وعِشت لأجله.

صنعتَ زمناً يليق بكيان لبنان وإنسانه المعذّب… خذلك كثيرون ومن صمتك حتماً هم يهابون.

سامحنا على تقصيرنا، وثِق أنك بطريرك قلوبنا وعقولنا، الى ذاك اليوم الذين نُنصفك فيه بالعمل بدل الكلام.

وداعاً سيّدي… صلِّ لنا وللبنان من عَلُ!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات