Search
728 x 90

لماذا تقيم ايران قاعدة عسكرية دائمة في المحيط الهندي؟

لماذا تقيم ايران قاعدة عسكرية دائمة في المحيط الهندي؟

ماذا وراء اعلان الحرس الثوري الايراني نيّته إقامة قاعدة عسكرية دائمة في المحيط الهندي؟ وهل الهدف منها فقط حماية الصيادين والسفن التجارية من القرصنة وتوفير الامن في مياه خليج عمان، كما قال، ام انها تصبو الى اظهار مكانة ايران الاقليمية، في موازاة قاعدة Diego Garcia الاميركية؟

حين قال قائد القوات البحرية في الحرس الثوري الايراني علي رضا تنغسيري، إن لدى الحرس توجيهات من المرشد الأعلى علي خامنئي، بالوجود في أعالي البحار وبشكل دائم، لفت الامر اكثر من محلل عسكري متابع لتطورات المنطقة.

فلماذا تريد طهران اقامة قاعدة عسكرية دائمة على شواطئ المحيط الهندي فيما هي تعاني من صعوبات اقتصادية جمّة بفعل العقوبات الاميركية بعدما تدنى ريالها الى ادنى المستويات، وفيما هي تملك ميناء جابهار الاستراتيجي قبالة مسقط، على مياه المحيط الهندي وبحر عمان؟

القصة قد تكمن في شقيّن يتحكمان في الوقت الحاضر بمنحى السياسة الايرانية الخارجية وفق الظروف الداخلية والاقليمية التي ظهرت في اعقاب اغتيال قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الايراني محمد سليماني بطائرة مسيرة اميركية في العراق.

1- القادة الإيرانيون، ووفق دراسات عدة، يتحكم بهم بعد نفسي – متجذّر في ضمير المجتمع الايراني- يجعلهم يعتقدون انهم من سلالة آرية ارفع من اي سلالة عربية، تحتّم عليهم حيازة دور سياسي اقليمي محوري… هو من حقّهم اساساً، في مقابل سعي اميركي وخليجي الى حرمانهم من هذا الدور عبر العقوبات الاقتصادية التي تخنق ايران. فالسياسة الخارجية الايرانية تهدف الى استعادة امجاد “الامبراطورية الفارسية” في المنطقة… خصوصاً ان طموحات الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لاستعادة امجاد الامبراطورية العثمانية في الاقليم، تشكّل حافزاً تنافسياً اقوى لمحاولة تحقيق ذلك.

من هنا السعي الايراني على مدى عقود الى الاستفادة من نقاط ضعف الدول العربية لتركيز مكانة طهران في المنطقة، وذلك عبر التعامل دوماً مع طرف ثان بالوكالة في هذه الدول، اكان شيعة البحرين ام العراق ام لبنان ام اليمن ام الخليج … وصولاً الى نظام بشار الاسد. وقد اظهرت دراسة للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن نهاية 2019 تحت عنوان “شبكات نفوذ إيران في الشرق الأوسط” ان طهران بنت شبكة من المتعاونين اقليمياً باستخدام طرف ثالث، ابرزهم حوثيو اليمن و”الحشد الشعبي” العراقي” و”حزب الله” في لبنان، علماً ان فيلق القدس – وهوجناح العمليات الخارجية للحرس الثوري الإيراني – كان “مايسترو” هذه الشبكة، وعلى رأسها سليماني قبل اغتياله.

وتندرج هنا شبكة حلفاء “فيلق القدس” الهادفة الى “تطويق” السعودية التي تشكل مركز الثقل المعارض لها في الخليج، عبر الحوثيين في اليمن كما تأمين السيطرة على خط مدينة القائم في العراق ومنطقة دير الزور في سوريا وصولاً الى “حزب الله” في لبنان على البحر الابيض المتوسط، ناهيك عن تدشين خط تجاري بحري مع سلطنة عمان في نيسان 2020 بين ميناء بندر عباس جنوبي إيران وميناء الصور في السلطنة. يضاف الى ذلك، سيطرة ايران الفعلية على حركة البواخر عبر باب المندب.

اما وهم قوة ايران في بحبوحة تشييد قاعدة عسكرية على ضفاف المحيط الهندي فيما العقوبات الاميركية تشتد عليها بهدف تركيعها لتوقيع اتفاق نووي جديد على ابواب الانتخابات الاميركية، فليس الا رماداً يُذرّ في عيني كل من دونالد ترامب الطامح الى ولاية رئاسية ثانية ورجب طيب اردوغان المتوغل في ليبيا وسوريا في آن، مشكلاً قوة اقليمية منافسة لطهران.

2 – لم يضع النظام الايراني يوماً الوضع الداخلي في المرتبة الاولى في اولوياته على حساب شبكة حلفائه الخارجية، علماً منه ان خسارة الثانية ستحّتم خسارة الاولى التي يتحّكم بكل مفاصلها اساساً بفضل منظومة تحكم قبضتها على السلطة. فلم يخفف من تدخلاته الخارجية في المحيط رغم الحركات الاحتجاجية التي حملت عناوين اقتصادية ومعيشية عدة تزامناً مع العقوبات الاميركية الخانقة، والتي طالبت احياناً كثيرة بتوظيف الاموال الايرانية التي تصرف على “الحلفاء” خارجاً لتحسين الاوضاع المعيشية الداخلية.

وما يثير استياء الايرانيين ثروات ايران الهائلة المخنوقة، اما بالعقوبات واما المهدورة بتمويل شبكات الحلفاء الخارجيين في المنطقة. فالناتج الايراني الاجمالي كان العام 2017 بقيمة 447.7 مليار دولار. وتحتل إيران المرتبة الثانية في العالم من حيث احتياطي الغاز الطبيعي والرابعة في احتياطي النفط الخام.

وفي هذا الاطار، بيّن استطلاع للرأي اجراه مركز الأبحاث الاستراتيجية التابع للرئاسة الإيرانية اثر احتجاجات 2018 ، ان 13% من اصل 4500 مستطلع يعتقدون أن هذه الاحتجاجات سببها دور ايران الإقليمي .

800 منشأة اميركية

إيران التي تحيط بها القواعد العسكرية الاميركية في الشرق الاوسط لا تملك رسمياً سوى قاعدة عصب العسكرية في اريتريا، وبعض القواعد في سوريا كما اخرى في محافظات بغداد والانبار وصلاح الدين في العراق. الا ان صواريخها الباليستية التي طورتها في السنوات الاخيرة كفيلة بمطاولة اي مركز عسكري اميركي في الشرق الاوسط.

واذ يبرز في المقابل الوجود العسكري الاميركي في الشرق الاوسط منذ العام 2001 بقوة، يتوزع على نحو 800 منشأة، اكانت قاعدة عسكرية كاملة التشغيل ام مهابط طائرات، ام مواقع مراقبة منتشرة في كل أنحاء المنطقة.

وقد تحدثت تقارير عسكرية عدة مطلع 2020 عن خريطة الانتشار العسكري الاميركي في المنطقة. واوردت صحيفة واشنطن بوست في كانون الثاني، وجود 14 الف عسكري في افغانستان، و13 الفاً في كل من الكويت وقطر، و7 آلاف في البحرين، و6 آلاف في العراق، و5 آلاف في الامارات العربية المتحدة، و3 آلاف في كل من المملكة العربية السعودية والاردن، و2500 في تركيا، واعداد اقل في سوريا وسلطنة عمان … اي ان اكثر من 60 الف عسكري اميركي – وفق تعداد القيادة المركزية الاميركية- سيكونون في مرمى الصواريخ الايرانية في حال اندلاع اي نزاع عسكري مباشر بين طهران وواشنطن.

الا ان المنشأة الاهم استراتيجياً من بين كل المواقع العسكرية الاميركية الاقليمية، هي من دون تردد قاعدة “دييغو غارسيا” Diego Garcia العسكرية البحرية على جزيرة في المحيط الهندي. وهي تعتبر مركز الثقل العسكري الاميركي في المنطقة ولا سيما في ظل الوضع الناجم عن اغتيال قائد الحرس الثوري الايراني محمد سليماني في كانون الثاني في العراق، حيث ارسلت وزارة الدفاع الاميركية على اثره 6 طائرات حربية قاذفات B-52 بعيدة المدى لا يمكن ان تطالها الصواريخ الباليستية الايرانية، تحسباً لأي طارئ. وكان سبق ان ارسل البنتاغون في ايار 2019 ست طائرات حربية مماثلة الى قاعدة عسكرية في قطر وقواعد عسكرية اخرى في جنوب غرب آسيا بعد تصاعد التوتر مع ايران.

وتُسمّى قاعدة Diego Garcia “غوانتنامو الشرق” بعد بروز تقارير عدة عن استخدامها لاستجواب معتقلي المنطقة، وهي تضم بين 3 آلاف و5 آلاف جندي اميركي. وتعتبر استراتيجية في موقعها في اي حرب محتملة مع ايران نظراً الى انها كانت نقطة الانطلاق لكل العمليات العسكرية الاميركية في الشرق الاوسط، ومن ضمنها الحملة ضد افغانستان العام 2001، والحرب في العراق في العام 2003 اثر هجمات 11 ايلول. كما انها تضمن حرية التحليق لكل الطائرات الحربية الاميركية في سماء افريقيا وصولاً الى جنوب غربها، كما الشرق الاوسط ووسط آسيا وشمالها وغربها، والشرق الاقصى وصولا الى اطراف شرقه.

وتشكل هذه القاعدة ايضاً محطة تزوّد بالفيول لكل الطائرات الحربية الاميركية التي تحلق جنوب بحر الصين، علماً ان هناك نزاعاً قانونياً دولياً حيال الجزيرة التي تضم القاعدة اذ انها كانت تعود لجمهورية موريشيوس اساساً قبل ان تحتلها بريطانيا وتؤجرها للولايات المتحدة الاميركية.

من هنا اهمية قاعدة Diego Garcia لمواجهة اي سيناريو عسكري محتمل… كما اهمية وجود قاعدة عسكرية ايرانية توازيها استراتيجية وقوة، و”تعطّل” مفهوم “مظلة الحماية” التي تؤمنها للطيران العسكري الاميركي في اي حرب مستقبلية، خصوصاً ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب كان هدد في احدى تغريداته بعد اغتيال سليماني في كانون الثاني 2020 بقصف 52 موقعاً ايرانياً، من ضمنها المواقع الثقافية، اذا تجرأت ايران وانتقمت له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات