Search
728 x 90

لبنان يقفز في المجهول ؟!

لبنان يقفز في المجهول ؟!

قفز لبنان قفزة كبيرة يوم السبت في 7 آذار 2020 بإعلان رئيس حكومته حسان دياب بتغطية من افرقاء الحكم الداعمين له، تعليق سداد استحقاق سندات اليوروبوندز في 9 اذار.

انها المرة الاولى في تاريخه الذي يتخلف فيها لبنان عن سداد ديونه مخاطراً بتهديد سمعته العالمية على هذا الصعيد وبإمكان الذهاب الى مواجهة مع الدائنين الخارجيين في حال فشل في عملية التفاوض حول هيكلة ديونه.

وفيما اعتبرت هذه الخطوة سياسياً اعلان افلاس للدولة على خلفية ان هذه الاخيرة تنزلق الى الانهيار المالي والاقتصادي، جرى تسويقها على اساس ان تلاقي تطلعات اللبنانيين لجهة عدم امكان دفع الدولة ديونها للخارج في الوقت الذي يعجز اللبنانيون عن تحصيل النذر اليسير من ودائعهم في المصارف. كما جرى تسويقها من زاوية ان عدم الدفع يرتبط بواقع ان احتياطات المصرف المركزي سيتم تخصيصها لشراء الاولويات للبنانيين اي الطحين والادوية في شكل اساسي.

وهذا المنطق طغى على اي رأي آخر علماً ان معلومات تحدثت عن تفضيل حاكم مصرف لبنان رياض سلامه دفع استحقاق 9 آذار على الاقل على ان يتم التفاوض لاحقاً مع الدائنين على استحقاقي نيسان وحزيران المقبلين. وكذلك الامر بالنسبة الى المصارف على نحو يترك المجال للتكهنات حول الفجوة بين المواقف وما اذا كان يمكن للبنان فعلاً تجنب شرب هذه الكأس.

وعلى رغم ان هذه الخطوة تم التمهيد لها عبر مواقف مسبقة، الا انها اثارت ريبة من تداعياتها وما اذا كان في امكان الحكومة النجاح في التفاوض مع الدائنين ام لا، فضلا عن رد الفعل المحتمل داخلياً كون الحكومة لا تمثل سوى فريق ” حزب الله” وحلفائه فيما يمكن ان تؤثر مواقف المعارضة السياسية لقرار الحكومة بما يضعفها اكثر ازاء الخارج.

فالحكومة في حد ذاتها تشكو من ثغرة تمثيلها قوى معينة تتبع او توالي محوراً اقليمياً هو المحور الايراني في ظل مقاطعة شبه شاملة من الدول الخليجية المؤثرة، ما يتركها عرجاء او غير مكتملة المواصفات والقدرة على الطمأنة.

يضاف الى ذلك ان التراشق بين اهل السلطة والمصارف على خلفية محاولة السياسيين ليّ ذراع المصارف من اجل حملها على القبول بقرار عدم دفع سندات اليوروبوندز ترك اثراً بالغاً في القرار الذي اعلنه المدعي العام المالي علي ابرهيم لجهة وضع اشارة على 20 مصرفاً ورؤساء مجالس ادارتها ب” عدم التصرف” . وهو امر خّلف انطباعات سلبية جداً ازاء محاولة اهل السلطة تكبيل النظام المصرفي، ان لم يكن اطاحته في ظل محاولة ارضاء المنتفضين الغاضبين على المصارف عبر تحميلهم كل المسؤولية عن الانهيار المالي الحاصل وابعاد هذه التهمة عن الطبقة السياسية.

هناك ترقب لما تكون عليه الخطوات المقبلة للحكومة التي يؤخذ عليها عدم بدء مفاوضات مع الدائنين من اجل تبيّن حقيقة ما يتّجه اليه لبنان واذا كان يمكن ان يواجهه هؤلاء قانوناً وامام المحاكم الاميركية في نيويورك، بحيث تشكل هذه الدعاوى خطراً على النيل من اصول الدولة اللبنانية كما من اصول المصرف المركزي.

كما ان الحكومة التي وعدت ببرنامج اقتصادي شامل لم ترفق قرارها تعليق دفع سندات اليوروبوندز بمضامين هذه الخطة بما يمكن ان يخفف من المخاوف المتعاظمة من انهيار تتجلى مظاهره على نحو اقوى مما حصل حتى الان .

فالدول التي ترغب بقوة في مساعدة لبنان على ندرتها كفرنسا مثلاً، لا تستطيع تقديم المساعدة الا من ضمن برنامج واضح يبدأ تنفيذه فوراً، وفي مقدمه ملف الكهرباء واستقلالية القضاء الذي تم السعي لاظهار التشكيلات القضائية الاخيرة على انها تندرج من ضمن ذلك . فيما ان هناك تلهياً او الهاء بالغاً بقانون رفع السرية المصرفية ومكافحة الفساد. وهي قوانين موجودة اصلاً ولكنها لا تطبق ابداً فيما يثير احتمال تطبيقها راهناً محاولة للنيل من الخصوم السياسيين لقوى 8 آذار المتمثلة في الحكومة.

ولكن ذلك لا يلغي واقع ان لا ثقة فعلياً بأن الحكومة قادرة على تنفيذ اي اصلاح مطلوب ولا سيما ان الخلاف على ملف الكهرباء محتدم بين افرقائها بالذات فيما ان لا نيّة لمقاربة مختلفة عما اعتمد حتى الان على رغم الكلفة الباهظة لا بل المهلكة التي يتسبب بها هذا الملف.

ويخشى ان الافرقاء السياسيين ربما يخاطرون بإشعال حرب جديدة اياً يكن حجمها في سبيل عدم التنازل قيد انملة عن مكتسباتهم الشخصية او الطائفية او السياسية. وهذا ليس مستبعداً في ظل مقاربات سياسية لكل المسائل المطروحة بإلحاح بحيث تظهر الحكومة، وان كانت تسعى الى اظهار جديتها ودرسها بعناية لكل خطواتها، انها تعيش في زمن آخر على غرار الانتقادات التي طاولتها في اعلان تعليق دفع السندات الخارجية في الوقت الذي كان الاتجاه محسوماً منذ اسبوعين على الاقل. ما يعني ان هناك استنزافاً للوقت لا يحتمله لبنان علماً ان المخاوف من ابعاد سياسية للقرارات التي تتخذها الحكومة قائمة بقوة . اذ ان رئيس مجلس النواب نبيه بري هو من تولى التشديد على رفض دفع لبنان سنداته في الوقت الذي برز بقوة موقف الطرف الشيعي الآخر وهو ” حزب الله” في رفضه اعتماد اي برنامج يعدّه صندوق النقد الدولي على رغم ان لبنان لن يتمكن من الحصول على اي اموال خارجية من دون دعم الصندوق او مظلته بالنسبة الى الدول المهتمة. وهذا يترك لبنان بين سندان الكباش الاقليمي بين ” حزب الله” وخصومه ومطرقة الانهيار الزاحف بقوة من دون ضوابط على مجمل واقعه الاقتصادي والمالي والاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات