Search
728 x 90

لبنان والنازحون: في سبيل ديبلوماسيّة العودة!

لبنان والنازحون: في سبيل ديبلوماسيّة العودة!

ثلاث اشكاليات تتحكم بملف عودة النازحين السوريين: الانسانية والسيادية والدبلوماسية. والخشية من عدم صَون المُعطى الإنساني والسيادي معاً في ظل انسداد أُفق الحلّ السياسي فيما يجب تنزيه الديبلوماسية عن إشكاليّة الغَرق بأوهام فرض خياراتٍ يُترك فيها لبنان والنازحون وحدهم. 

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة واللاجئين

عودة النازحين من/إلى سوريا أولويّة ليس فقط انطلاقاً من المصلحة الوطنيّة العُليا، لكن ايضاً بالاستناد الى حقّ النازحين الذي تَكفَله كافة المعاهدات والاتفاقيات العربية والدولية. وقبل كل ذلك بحسب ما تنصّ عليه المرجعيّة الاخلاقيّة للتعاطي مع أيّ أزمةٍ انسانيّة كيانيّة على ما بدا أنها الأكثر كارثيّة في القرن الحادي والعشرين. بهذا المعنى يُمسي حق العودة موازياً للحق بالاستضافة والحماية. وفي هذا يتبدّى مُلِحّاً مقاربة الموازنة الجوهرية بين الإنسانيّ والسياديّ والديبلوماسيّ.

الموازنة الجوهرية عندنا غائبة حتى الساعة من قاموس الحُكم. بل هي خاضعةٌ لاستقطاباتٍ استنفارية لا يخلو منها النَفَس التخويني طائفياً – مذهبياً، وهذا شديد الخطورة إذ يصِرّ البعض على استعادة انساق المواجهة إبّان التقابل بين بعض اللبنانيّ وبعض الفلسطينيّ، مع موجب الاعتراف بأن هذه الاستعادة مضلِّلة ومضلَّلة وتضليليّة على حدِّ سواء.

وبالعودة الى غياب الموازنة الجوهرية بين الإنساني والسيادي والديبلوماسي، وعلى الرَّغم من إصرار البعض على توصيف أزمة النازحين من سوريا بالأخلاقية – الإنسانية قصراً، فإن هذه الأزمة ذات الانبعاثات السياسية – الأمنية في سوريا، ومن ثَمَّ ذات الارتدادات السياسية – الاقتصادية – الاجتماعية في لبنان، هذه الأزمة المستمرّة منذ تسعة أعوام تستأهل تفكيكاً منهجيّاً للأساطير التي يُصرّ البعض على إحاطتها به من باب مخاطبة القواعد الشعبية الانتخابية، أو من باب إدّعاء انجاز انتصاراتٍ على المجموعة العربية والدولية، أو من باب الفرز السياسي المُطيّف والمُمذهب في الداخل، والتفكيك قائمٌ على قراءةٍ للإشكاليّات الثلاث التي تحُوط هذه الأزمة، وهي تتمظهر في الإنساني والسيادي والديبلوماسي على ما ذكرنا من إلحاح الوازنة بين تصدّعات هذه الاشكاليّات، والحاجة لتصويب المفاهيم فيها، كما تصويب مسار السياسة العامة.

1- النازحون ولبنان: الإشكاليّة الانسانيّة

اللبنانيّون احتضنوا النازحين من سوريا تحسّساً منهم بآلامهم ومخاوفهم. والمجتمع الدَّولي بذراعه الأمم المتحدة سعى وما زال لتقديم العون لهم. المجتمع الدولي بات منهكاً. النازحون ضحايا اللّاأفُق. واللبنانيّون يعانون استنزافاً. المعضلة تتموضع في غياب الدولة أو تغييبها عن إقرار سياسة عامة متماسكة منذ العام 2011. وإدارة الأزمة بمعنى الحوكمة الرؤيوية كان يقتضي تنظيماً للوجود يسبقه تنظيم للوفود. أما استمرار الاحتضان الإنساني فمسؤولية أخلاقية حتى العودة، لكن في التفاتةٍ مماثلة للمجتمعات المضيفة. مزج هاجس التوطين بالهَمّ الإغاثي خبيث.

2- النازحون ولبنان: الإشكاليّة السياديّة

لم يحترم بعض اللبنانيّين الحدود الفاصلة بين لبنان وسوريا. ضربوا بالعمق النأي بالنفس. بقَدر ما النازحون يحتاجون العودة الى سوريا، بالقدر عينه بعض اللبنانيين مسؤول أمام الضمير الوطني والتاريخ لتبيان الالتباس المدمِّر لانخراطهم في الدوّامة الدمويّة في سوريا. هم مطالبون بالعودة الى لبنان. تفويق العودة الى سوريا وإغفال العودة الى لبنان، تَشِيان بجهل ما تختزنه الجغرافيا والديموغرافيا من إمكان التفجّر المحِق في لحظة استرجاع توازنٍ مفقود. في هذا الاسترجاع مأزقٌ ينتظرنا في الذاكرة اللبنانية – السورية.

3- النازحون ولبنان: الاشكاليّة الديبلوماسيّة

مسار جنيف ومجلس الأمن، وروسيا ومسار أستانة، تعاطى لبنان الديبلوماسي معهما ببعضِ من التلبّس الذي لا فاعليّة فيه.

المجتمع الدولي يريد عودة النازحين بضمانات قانونيّة وأمنيّة واقتصادية – اجتماعية. أُفق الحلّ السياسي مسدود. يجب صَون المُعطى الإنساني والسيادي معاً. هذا ما عبّر عنه الفاتيكان. كل تحويرٍ في الحقائق عما عبّر عنه الفاتيكان استرسالٌ في شعبويّة مدمّرة.

ما يعنينا تنزيه الديبلوماسية عن إشكاليّة الغَرق بأوهام فرض خياراتٍ يُترك فيها لبنان والنازحون وحدهم. والعودة يجب أن تتم الآن لكن بمعايير القانون الإنساني الدولي. وفي قناعةٍ هادفة يجب الاعتراف بأنّ في ديبلوماسيتنا الانتقاص من المنهجيّة المؤثّرة مخيف. “الرفَضيّة” و”السوفيّة” (من سوف) لا يُنتجان مساراً عملانيّاً.

****************

أخاف أن ندخل نفقاً بفِعل غياب الحِكمة أكثر منه بسبب تكاثف الضغوط!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات