Search
728 x 90

لبنان واللاجئون الفلسطينيون “صفقة القرن” والمواجهة بالسياسة العامة

لبنان واللاجئون الفلسطينيون  “صفقة القرن” والمواجهة بالسياسة العامة

العلاقات اللبنانية- الفلسطينية تفترض الموازنة بين السياديّ والإنساني والديبلوماسي، لتفادي الانزلاق نحو توتّرات بين المجتمعات المضيفة ومجتمعات اللاجئين، كما السماح للتطرّف والإرهاب بالنمو. فكيف يجب مقاربتها؟

زياد الصّائغ
خبير في السّياسات العامّة واللّاجئين

I. الخلفية

لا ريب في أنَّه قيل الكثير وكُتب الكثير في علاقة لبنان باللاجئين الفلسطينيِّين منذ أن هجَّرتهم اسرائيل في العام 1948. كان لبنان حينها في استقلاله طريّ العود، وما توقَّع أن يستمرّ وجودهم القسريّ على أرضه حتَّى يومنا هذا، ما يُعادل 68 عاماً. ولا ريب أيضًا في أنَّ في الكثير ممَّا قيل أو كُتب وانطبع حتمًا في الذهنيَّة اللبنانيَّة من جهة، واللاجئين الفلسطينيِّين من جهةٍ أُخرى، في ذلك الكثير من المغالطات المبنيَّة على مُقارباتٍ إيديولوجيَّةٍ تختلط فيها الدوغماتيَّة السياسيَّة بعُقدٍ طائفيَّةٍ واستنفاراتٍ مذهبيَّة، ولا ينتفي فيها أحيانًا بعض الطابع الشخصيّ.
وتقوم هذه المغالطات على تشوُّهٍ جنينيٍّ في المفاهيم، جعل الصدام حتميًّا بين اللبنانيِّين أنفسهم من ناحيةٍ حول كيفيَّة دعم القضيَّة الفلسطينيَّة، وبعض اللبنانيِّين واللاجئين الفلسطينيِّين بمكوِّناتهم السياسيَّة والعسكريَّة من ناحيةٍ أُخرى، حول الكيفيَّة عينها. بطبيعة الحال، التشوُّهُ الجنينيّ لعلاقة لبنان باللاجئين الفلسطينيِّين على المستوى المفهوميّ، والتصوُّر الاستفزازيّ للاَّجئين الفلسطينيِّين لحقِّهم في استعمال لبنان موقعًا تأسيسيًّا لمقاومتهم يُساندهم بعض اللبنانيِّين، كلّ ذلك حال دون التأسيس الاستراتيجي لعلاقةٍ لبنانيِّةٍ – فلسطينيَّةٍ سليمةٍ تقودها الشرعيَّة اللبنانيَّة والشرعيَّة الفلسطينيَّة بما يخدم مصالح كلٍّ منهما في مواجهة إسرائيل العدوّ بالاستناد إلى روحيَّة الحقوق والواجبات، وأَفسح في المجال أيضًا لتدخُّلاتٍ خارجيَّةٍ، استُغلّ فيها اللبنانيُّون واللاجئون الفلسطينيُّون معًا لتصفية حساباتٍ لا تَمتّ إلى مصالحهم بأيّ صلة.
من هنا تنطلق محاور هذه الورقة التحليليَّة التي تبتعد عن التأريخ والتوثيق، مُختارةً مُقاربةً ترميميَّةً استنطاقيَّةً للمفاهيم المشوَّهة، بُغية تصويبها، مع محاولة قراءةٍ موضوعيَّةٍ للتجربة التي حكمت العلاقات اللبنانيَّة – الفلسطينيَّة منذ العام 2005، وصولاً إلى التحدِّيات التي تُواجهها في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع ما يجري في المنطقة.
لقد شابت العلاقات اللبنانيَّة – الفلسطينيَّة على مدى 57 عاماً (1948 – 2005) التباساتٌ وتوتُّراتٌ بلغت حدّ الصدام العُنفيّ الدمويّ. فرض وفود اللاجئين الفلسطينيِّين إلى لبنان، وقُدِّر عددهم حينها بمئة ألف، عبئًا ديموغرافيّاً خدماتيّاً. وتُشير كافَّة الوثائق التاريخيَّة إلى أنَّ الاهتمام الأساسيّ بهم وقع على عاتق المواطنين اللبنانيِّين، كلٌّ بحسب إمكاناته، كما على المؤسَّسات الدينيَّة المسيحيَّة والإسلاميَّة، إلى أن برزت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيِّين (الأونروا) لتتولَّى مهامَّها في تقديم الخدمات الإنسانيَّة الأساسيَّة للاَّجئين.
قبل عام 1948 حكمت علاقة لبنان بفلسطين والعكس، أواصرُ قُربى التاريخ والجغرافيا لتتوَّج بالمصاهرة والتعاون الاقتصاديّ – التجاريّ، والتفاعُل الثقافيّ – الإعلاميّ، ناهيك بوجود ثلاث قنصليَّاتٍ للبنان في فلسطين. وتؤكِّد كافَّة الوثائق التاريخيَّة أيضًا، إلى أنَّه عاد من فلسطين إلى لبنان عام 1948، مئة ألفِ لبنانيٍّ كانوا يقطنون أو يعملون في فلسطين.
العبء الديموغرافيّ والاستقلال الطريّ العود أَسهما في تظهير سياقاتٍ تخويفيَّةٍ لبنانيَّةٍ – فلسطينيَّةٍ مُتبادلة. تَوزَّع اللاجئون الفلسطينيُّون على خمسة عشر مخيَّمًا، بقي منها اليوم اثنا عشر، واحدٌ منها قيد الإعمار عنينا «مخيَّم نهر البارد»، بعد معارك خاضها الجيش اللبنانيّ مع إرهابيِّين استباحوه في العام 2007، وعشرات التجمّعات العشوائيّة. في العام 1969، وُقِّعت اتِّفاقيَّة القاهرة التي شَرَّعت العمل الفدائيّ الفلسطينيّ من لبنان.
انقسم اللبنانيُّون بين مَن يريد مُزاوجة منطق «الثورة» مع «الدولة»، وبين مَن يرى في ذلك تفجيرًا للصيغة اللبنانيَّة، وبين مَن أَرعبه هاجس «التوطين» ومَن استعاد رهانات «الوحدة العربيَّة» على قاعدة تبنِّي مفهوم العروبة المُقاوِمة ممزوجةً بإسلاميَّةٍ أو ماركسيَّةٍ متمادية. استمرت توتُّراتٌ ومهادناتٌ حتَّى 1975، إذ انفجر صدامٌ فلسطينيٌّ مع أفرقاء لبنانيِّين. انطلقت مرحلةٌ دمويَّةٌ تسيَّدت فيها استباحاتٌ مُتبادلة. الفلسطينيُّون أَخطأوا واللبنانيُّون أَخطأوا. اشترك في تأجيج مواجهاتهم العدوّ والشقيق والصَّديق. في العام 1982، وعقب الاجتياح الإسرائيليّ، خرج مُقاتلو منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة من لبنان. بعدها كانت حقبة حرب المخيَّمات وعليها. في العام 1987، أَلغى البرلمان اللبنانيّ اتِّفاقيَّةَ القاهرة. لكنَّ أيّ مُناقشةٍ لقضيَّة العلاقات اللبنانيَّة – الفلسطينيَّة لم تَتمّ. قبل اتِّفاق الطائف دخل اللبنانيُّون حروبًا مُدمِّرة. بعد اتِّفاق الطائف، وإلى الاحتلال الإسرائيليّ، عاش لبنان حقبة وصاية سوريَّة كأَمرٍ واقع، ما أبقى علاقة لبنان باللاجئين الفلسطينيِّين في حيِّز ورقة المفاوضة والمُقايضة.
في كلّ الأحوال لا بُدَّ، ولأيّ مقاربةٍ تبغي الموضوعيَّة في فهم علاقة لبنان باللاجئين الفلسطينيِّين قبل العام 2005، أن تُضيء على مفاهيم هذه العلاقة والتباساتها أوَّلاً، وتُقرَّ بتفتُّت السياسات وتحدِّي صياغة سياسةٍ موحَّدةٍ ثانيًا، لتعترف بماهيَّة الأخطاء المشتركة والتي أَسَّست لانفجارٍ لبنانيٍّ – فلسطينيّ، وانفجاراتٍ لبنانيَّة – لبنانيَّة، وفلسطينيَّة – فلسطينيَّة.

II. مفاهيم والتباسات

ثمَّة إشكاليَّاتٌ ثلاث مُلتبسة حكمت علاقة لبنان باللاجئين الفلسطينيِّين: أُوَّلُها كيانيَّة، وثانيها سياديَّة – أمنيَّة، وثالثها إنسانيَّة.

1. في الإشكاليَّة الكيانيَّة
الإشكاليَّة الكيانيَّة منذ النكبة (1948) بين لبنان واللاجئين الفلسطينيِّين، ولو في اتِّفاقٍ ضمنيٍّ إستراتيجيّ، كانت رفض لبنان أيَّ شكلٍ من أشكال التوطين انطلاقًا من التسليم بخيار حقّ العودة الذي نصَّ عليه القرار 194 في فلسفته الأساسيَّة، رغم كلّ الدعوات لقراءته ببراغماتيَّة أنَّه «خياريٌّ» وليس «إلزاميًّا»، كما التسليم بقيام دولة فلسطين الذي نصَّ عليه القرار 181، أيضًا في فلسفته الأساسيَّة، رغم كلّ محاولات تجويف هذا القرار من مضمونه إسرائيليًّا ودوليًّا. كما أنَّ لبنان وافق على مبادرة السَّلام العربيَّة التي أقرَّت عدم جواز توطين اللاجئين الفلسطينيين حيث هُم. لكنَّ في مقابل التسليم بخيار حقّ العودة، وقيام دولة فلسطين،فان المنزلقات التسلُّحيَّة التي مارستها مُنظَّمة التحرير الفلسطينيَّة تأكيدًا على حقِّها في المقاومة من على أرض لبنان، استدعت أيضًا تسلُّحًا لبنانيًّا مُقابلاً، تأكيدًا على الحقّ بحماية سيادة لبنان واستقلاله واستقراره. وهو امر استحال «فوبيا» لبنانيَّة أو قُلْ بعض – لبنانيَّة من إمكان تحوُّل لبنان وطنًا بديلاً للاَّجئين الفلسطينيِّين، و «فوبيا» فلسطينيَّة من أنَّ فُرقاء لبنانيِّين يودُّون تصفية قضيَّتهم المقدَّسة. وقد تُرجمت هذه «الفوبيا» اللبنانيَّة تجاه اللاجئين الفلسطينيِّين، و «الفوبيا» الفلسطينيَّة تجاه بعض اللبنانيِّين ممارساتٍ عنفيَّةً دمويَّةً بلغت حدَّ المجازر. وبطبيعة الحال كلُّ دمٍ أُريق على أساس هذه «الفوبيا» المشتركة في امتزاجاتٍ إيديولوجيَّةٍ ودينيَّةٍ بقي وصمة عارٍ في تاريخ العلاقات اللبنانيَّة – الفلسطينيَّة، واستدعى لاحقًا توبةً واعتذارًا من الطرفَين. من هنا لا بُدَّ من فهم الإشكاليَّة الكيانيَّة بمعنى مناصرة العدالة أكثر منه الخوف أو الاستثمار في الارتجاجات الدينوغرافيَّة.

2. في الإشكاليَّة السياديَّة
الإشكاليَّة السياديَّة بين لبنان واللاجئين الفلسطينيِّين، وتحديدًا بمكوِّنات اللاجئين الفصائليَّة ذات بُعدَين مُتناقضَين. وتناقضهما أودى بالصدام الحتميّ. فاللاجئون الفلسطينيُّون ما فتئوا يُهاجمون القبضة الأمنيَّة اللبنانيَّة التي فُرضت عليهم مُتناسين استباحتهم الاستثنائيَّة لسيادة لبنان منذ ما قبل اتِّفاقيَّة القاهرة (1969)، وكان شاهدا على هذه الاستباحة كثافة التسلُّح الذي برز بعد توقيع الاتِّفاقيَّة. واللبنانيُّون يُصرُّون على القبضة الأمنيَّة إنَّما في غياب إستراتيجيَّةٍ متكاملةٍ لمعالجة قضايا اللاجئين الفلسطينيِّين كافَّة وتحديدًا القانونيَّة والإنسانيَّة، ما حتَّم فشلاً في ضبط الوضع التسلُّحيّ الفلسطينيّ المُتفلِّت، ناهيك بالانقسام اللبنانيّ حول نوعيَّة مناصرة القضيَّة الفلسطينيَّة، والذي تمثَّل بشكلٍ بارزٍ في التقابُل الحادّ بين «الجبهة اللبنانيَّة» من جهة، و «الحركة الوطنيَّة» من جهةٍ أُخرى. فمفهوم إحقاق السيادة من زاويةٍ أمنيَّة، الذي مارسه اللبنانيُّون مبتورٌ وأَدَّى عكس مُبتغاه، وتصوير اللاجئين الفلسطينيِّين أنفسهم ضحايا دائمين مقتلعي الحقوق مبتورٌ أيضًا وأَدَّى عكس مُبتغاه. من هنا لا بُدَّ من فهمٍ للإشكاليَّة السياديَّة بمعناها الحقوقيّ الأمانيّ أكثر منه الأمنيّ لبنانيًّا والعسكريّ فلسطينيًّا.

3. في الإشكاليَّة الإنسانيَّة
الإشكاليَّة الإنسانيَّة منذ النكبة (1948) واستفحالها منذ حرب لبنان (1975) مُعقَّدة، ويُقتضى تفكيكها، إذ غالبًا ما ينحو اللاجئون الفلسطينيُّون نحو مهاجمة الدولة اللبنانيَّة واتهامها بعنصريَّةٍ في الإحجام عن منحهم حقوقًا إنسانيَّةً أساسيَّةً، ومنها «العمل» و «التملُّك» فيما يتغاضون عن واجباتهم تجاه الدولة التي استضافتهم واجبًا أخويًّا، اذ لم يتوانَوا عن استباحة سيادتها بالكامل. في المقابل، يعتبر اللبنانيُّون أنَّ مَنْح اللاجئين الفلسطينيِّين هذه الحقوق قد يؤدِّي إلى دَمْجٍ مجتمعيٍّ تدريجيٍّ لهم في لبنان ما يُسهِّل لاحقًا توطينهم وينعكس سلبًا على التوازنات الديموغرافيَّة الطائفيَّة. ويسهو عن بال الكثيرين أنَّ إستراتيجيَّةً فلسطينيّة كمنت وراء الإبقاء على الفقر في المخيَّمات لاستثمار العصب المُقاوِم فيها. وإستراتيجيَّةٌ لبنانيَّةٌ كمنت وراء التضييق على تحسين الوضع الإنسانيّ فيها في رهانٍ على تشجيع الهجرة منها بما يعني إبعادًا منهجيًّا، ولو على المدى الطويل، لشبح التوطين. وإستراتيجيَّة دوليَّة قضت بالانسحاب التدريجيّ من تقديم التمويل اللازم لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيِّين (الأُونروا)، ما يضع اللاجئين الفلسطينيِّين في مواجهة الدول المُضيفة، ولبنان فيها، بحسب خصوصيَّته، الحلقة الأَضعف، فتستحيل المسؤوليَّة الدوليَّة تجاه اللاجئين الفلسطينيِّين مسؤوليَّةً إقليميَّةً – عربيَّةً بدايةً، لتنتهي بمسؤوليَّة البلد المُضيف، ما يُنهي القرار 194. من هنا لا بُدَّ من فهمٍ للإشكاليَّة الإنسانيَّة انطلاقًا من إرث لبنان الحضاريّ في احترامه حقوق الإنسان من ناحية، وضوابط عدم تسهيل أيّ اندماجٍ مجتمعيٍّ تدريجيٍّ تحت ستار احترام هذه الحقوق للاَّجئين الفلسطينيِّين، والذي ينعكس تصفيةً نهائيَّةً لحقِّهم في العودة من ناحِيةٍ أخرى.

4. سياسات وتحدِّي صياغة سياسة موحَّدة
لم يتوقَّع لبنان أن يستمرَّ تواجُد اللاجئين الفلسطينيِّين القسريّ على أرضه طويلاً. ثمَّ إنَّ تداعيات الأزمات المتتالية التي عاشها لبنان داخليًّا، وكان معظمها ترجيع صدًى لانتكاساتٍ دوليَّةٍ وحروبٍ إقليميَّةٍ أَسهمت بشكلٍ فعَّالٍ في تغييب أيّ إستراتيجيَّةٍ لصياغة سياسةٍ موحَّدةٍ تجاه هؤلاء على المستويات كافَّة الإنسانيَّة والقانونيَّة والأمنيَّة والديبلوماسيَّة. وكان لاتِّفاقيَّة القاهرة (1969) التي انفجرت شظاياها في العام (1975) أَثرٌ بارزٌ في تدمير إمكانات صياغة مثل هذه الإستراتيجيَّة، إذ انقسم اللبنانيُّون لينقسم من ثَمَّ الفلسطينيُّون، ويستفيد حاملو الأَجندات التدميريَّة لعناصر الثقة بين اللبنانيِّين أنفسهم، والفلسطينيِّين أنفسهم، واللبنانيِّين والفلسطينيِّين، وتُستباح القضيَّتان اللبنانيَّة والفلسطينيَّة لحساباتٍ لا تَمُتُّ إليهما بصلة، بل تحوَّلتا وقودًا عبثيَّةً لها. غيابُ الشرعيَّة اللبنانيَّة والتهاء الشرعيَّة الفلسطينيَّة بتكريس نفوذها العسكريّ في لبنان جعل مُستحيلاً مُزاوجة منطقَي «الدولة» و «الثورة». فالدولة اللبنانيَّة مُدمَّرةٌ والثورة الفلسطينيَّة خاضت معارك لا علاقة لقضيَّتها المركزيَّة بها. وهكذا برزت سياساتٌ حزبيَّةٌ لبنانيَّةٌ تُجاه اللاجئين الفلسطينيِّين، وسياساتٌ فصائليَّةٌ فلسطينيَّةٌ ارتبط بعضها بمحاور إقليميَّةٍ ودوليَّةٍ ما التزمت ضوابط قضيَّتها من ناحية، وسيادة لبنان من ناحيةٍ أُخرى. بين عام 1943 وعام 2005، لم يُبلوِر لبنان – الدولة سياسةً مُتكاملةً تُجاه اللاجئين الفلسطينيِّين.

5. أخطاء مشتركة
استباح اللاجئون الفلسطينيُّون سيادة لبنان. التزم اللبنانيُّون سياسة القبضة الأمنيَّة تجاههم. نحا اللاجئون الفلسطينيُّون نحو اتِّهام الدولة اللبنانيَّة بالعنصريَّة لهضمها حقوقهم الإنسانيَّة، مُتناسين المسؤوليَّة الدوليَّة عن قضيَّتهم الأساسيَّة. إعتقد اللبنانيُّون أنَّ عدم مَنْح اللاجئين الفلسطينيِّين هذه الحقوق يمنع التوطين، مُتجاهلين أنَّ العَوَزَ والفقر يلدان التطرُّف والإرهاب. غرق اللاجئون الفلسطينيُّون في انقسام مرجعيَّاتهم غير مُدرِكين أنَّ الانقسام مَقْتَلٌ لحلم عودتهم إلى دولةٍ موحَّدة المرجعيَّة. أَسهب اللبنانيُّون في تخوُّفهم من التوطين، وتخويف وتخوين بعضهم بعضًا بقبوله أو رفضه، وعجزوا عن صوغ سياسةٍ ديبلوماسيَّةٍ فاعلةٍ لاستنهاض الشرعيَّة الدوليَّة من سُباتها. ما سبق أخطاء مشتركةٌ اغتالت مفاهيم السيادة للدولة والكرامة للاَّجئ وحقّ العودة مُرتكَزًا لأيّ تسويةٍ عادلة. وبقي التحدِّي في التقاط الأنفاس والذهاب باتِّجاه الاعتراف بالأخطاء والشروع في بناءَاتٍ جديدةٍ من الثقة.

III. لبنان واللاجئون الفلسطينيون: قناعة رفض التَّوطين

إن أي بحث في ما اتفق على توصيفه بالإشكالية الحقوق – إنسانية للاجئين الفلسطينين في لبنان، وحسما لأي التباس قد يصنف البعض فيه اللبنانيين بالـ”عنصريين“، إن أي بحث يجب أن يأخذ بعين الاعتبار قناعة رفض التوطين لديهم، وهم يتشاركون فيها، ومن المفيد بلورة أوجهٍ خمسة منها يجدر التوقف عندها، قبل أي مقاربة لرؤيتهم حول خيارات التطبيع القانوني والمجتمعي للاجئين من ضمن ضوابط الدستور اللبناني، وهي الأوجه السياسية والسيادية، والسوسيو – اقتصادية، والشراكة المسيحية – الإسلامية والديبلوماسية.
1. رفض التوطين كموقف سياسي
هناك إجماع لبناني على رفض التوطين تم الاتفاق عليه وكُرِّس في الدستور اللبناني قاعدة ملزمة في كل مقاربة وتعاطي في القضية الفلسطينية، بحسب ما ورد في البند ” ط” من مقدمته:”…. لا للتوطين”. لهذا فإذا كان الهاجس الديموغرافي هو الهاجس الذي يظهر اليوم باعتباره “توطينا مقنَّعا”، هناك هاجس آخر أخطر من ذاك وهو إمكان ضرب الإجماع اللبناني على رفض التوطين.
لذلك على لبنان العضو المؤسس في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، والمساهم في صوغ شرعة حقوق الإنسان، أن يتمسك بحزم بما تمليه شرعة حقوق الإنسان وكل القوانين الدولية، وفي مقدمتها دستوره، التي أتت لتعزز خصوصية لبنان من جهة، وتؤكد التزام لبنان بحق اللاجئين الفلسطينيين المشروع بالعودة وقيام دولة فلسطينية من جهة أخرى. وعلى لبنان الإنخراط بقوة في تدعيم العدالة الدولية لمصلحة الشعب الفلسطيني وحقوقه، بالمساهمة في وضع المقررات الدولية موضع التنفيذ مستفيدا من موقعه في الأمم المتّحدة ودعم المفاوضات والإضطلاع بدور فاعل فيها، والمساعدة في وضع السياسات المطلوبة للتعويض على اللاجئين الفلسطينيين ليتمكنوا من إحراز عودة كريمة إلى أرضهم، كما التعويض على لبنان لما عاناه منذ نكبة 1948. الديبلوماسيّة مراكمة ومواكبتها بالعمل المقاوم تحت إمرة الدَّولة وضمن استراتيجيّة دفاعيّة يقودُها الجيش اللُّبنانيّ أساسٌ لِأيّ إمكان عَوْدة بِمظلّة الشرعيّة اللُّبنانيّة والشرعيّة الفلسطينيّة والشرعيّتين العربيّة والدّوليّة.

2. رفض التوطين كموقف سيادي
لا مناص من استعادة الدولة اللبنانية سيادتها كاملة على أراضيها التي تقع عليها مخيمات اللاجئين الفلسطينيين من منطلق واجباتها في تأمين البيئة الآمنة لهم حتى عودتهم. وفي هذه السيادة المبسوطة، تأكيد على مركزية التواجه الفلسطيني – الإسرائيلي في فلسطين نفسها، وتجنيب لعودة استخدام لبنان ساحة لتصفية حسابات لبنانية – لبنانية، أو فلسطينية – فلسطينية، أو إقليمية – دولية في استغلال لهشاشة الاستقرار في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. فمسألة تمتين سيادة الدولة اللبنانية والإحتكام إلى مؤسساتها الشرعية كفيلان وحدهما بدعم حق العودة وتجنيب لبنان تسويات على حسابه. من هنا يجب فهم تجربة مخيّم نهر البارد بمعنى عودة الدّولة إليه بكامل سيادتها بعد إعماره.

3. رفض التوطين كموقف سوسيو – إقتصادي
تتحمل إسرائيل مسؤولية معاناة اللاجئين الفلسطينيين بتهجيرهم واغتصاب أرضهم. ويتحمل المجتمع الدولي استمرار هذه المعاناة منذ 68 عاما، وهو يتفرج على إسرائيل تمنع عنهم حق العودة، ناهيك عن محاذير اغتيال هويتهم وتشتيتهم، ومحاولة تسويق مشاريع دمجهم اقتصاديا في المجتمعات التي إليها لجأوا. ولبنان الصغير المساحة، الكثيف الديموغرافيا، والمترهل تحت أعباء ديون متراكمة غير قادر على توفير حياة كريمة لهم، ناهيك عن قناعته الراسخة بأن على المجتمع الدولي تحمل مسؤولياته كاملة تجاههم من خلال وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الأونروا كشاهد أساس على اللاعدالة التي لم يزل يعاني منها اللاجئون الفلسطينييون. في هذا الإطار لا بد من تطوير التشريعات اللبنانية المتعلقة بقضايا اللاجئين الفلسطينيين ومطالبهم على أن تبقى ضمن حدود حماية حق العودة.

4. رفض التوطين كموقف شراكة مسيحيَّة – إسلاميَّة
إن المسيحيين والمسلمين من منطلق إيمانهم العميق بأن الإنسان يستحق المناصرة في أي ظلم يعانيه، وأن الله حق وعدل في جوهره، لا يسعهم دينيا وأخلاقيا إلا أن يتكاتفوا في سبيل نصرة إخوتهم اللاّجئين الفلسطينيين بكل ما أوتوا من إمكانات في جميع المحافل الدولية لتمكينهم من عودتهم، ومنع إزهاق روح قضيتهم.
وهم ملزمون بذلك أيضا من منطلق وطني، إذ أنهم ارتضوا لبنان وطنا نهائيا على قاعدة ميثاق الشراكة الوطنية وصيغة المناصفة. وهذه الصيغة تعتبر نموذجا حضاريا في الحوار البناّء والعيش معا، وهي جزءٌ من الإستقرار الإقليمي والدّولي.

5. رفض التوطين كموقف ديبلوماسي
كثرت المقاربات الدولية لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وتفاوتت التفسيرات حول القانون الدولي فيها. ففيما تسعى إسرائيل إلى تصفية حق اللاجئين بالعودة، يجمع الفلسطينيون على صون هذا الحق. ولبنان الرافض للتوطين لا بد من أن يشكل له القرار (194) القاضي بالعودة مع التعويض، وارتباط هذا القرار بالقرار رقم (3236) القاضي بحق الشعوب في تقرير مصيرها داعما تأسيسيا. وقد أورد القانوني الدولي المعروف أنطونيو كاسيس أن في هذا الإرتباط جوهر الكباش في القانون الدولي مع نظريات “خيارات العودة” إذ إن هذا القرار، ودائما بحسب كاسيس، نقل العودة من حيِّز الفردية إلى حيِّز الجماعيَّة، ولاقاه في ذلك القانوني الدولي لكس تاكنبرغ الذي أكد على الحق بالعودة إلى أراضي الدولة الفلسطينية ذات السيادة مشددا في مؤلفه حول وضع اللاجئين الفلسطينيين في القانون الدولي (1995) على أن “حق العودة مشتق من لا شرعية الطرد نفسه، فمن المعترف به أن لا دولة قادرة شرعا على طرد سكان تحت سيطرتها. وعليه فالذين طردوا لهم الحق في أن يعودوا إلى وطنهم.”(*) وفي هذا السياق يبرز بإلحاح ضرورة أن يبادر لبنان إلى طلب المشاركة الفاعلة في أية مفاوضات شاملة تعنى بقضايا الحل النهائي للصراع العربي – الإسرائيلي، وفي مقدمها قضية اللاجئين الفلسطينيين. فلا شرعية لأية تسوية ثنائية أو جماعية في هذا السياق يكون لبنان غائبا فيها أو مغيبا عنها.
قد يسأل البعض ما علاقة الرفض المبدئي والحاسم للبنانيين لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بمحاولة تحسين أوضاع هؤلاء الإنسانية من ناحية، كما تسوية أوضاعهم القانونية من ناحية أخرى، والحقيقة أن أي تقدم على مستوى التحسين والتسوية، لا يمكن أن يقبل به اللبنانيون عموما على أنه اتجاه لتطبيع وضع اللاجئين مجتمعيا وقانونيا بشكل نهائي في لبنان، بل هم يفهمونه التزاما منهم بإرث لبنان الحضاري في احترامه حقوق الإنسان، وتدعيماً لمقومات الصمود للاجئين حتى عودتهم إلى دولتهم فلسطين وإيجاد حل عادل ومتكامل لقضيتهم.
من هنا قد يكون لزاما على المجتمع الدولي أن يعي أن تقديم ضمانات واضحة لتجنيب لبنان تسوية على حسابه في قضية اللاجئين، وحده كفيل بإحداث خرق في اتجاهي التحسين والتسوية لأوضاع اللاجئين قانونياً ومجتمعياً من جهة، بالإضافة إلى وجوب تأمين موارد إضافية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من جهة أخرى، بسبب عدم قدرة لبنان إقتصاديا على تحمل أي أعباء تجاههم لا سيّما وأن مواطنيه يعانون أصلا نقصا في كل الخدمات، وحتى تلك الأساسية منها، ومنطلق التحسين والتسوية يجب أن يأتي على قاعدة الشراكة في المسؤولية لحماية الاستقرار والأمن الوطني والإقليمي والدولي.

IV. لبنان واللاجئون الفلسطينيون منذ 2005

في تشرين الثاني من العام 2005، برزت محاولةٌ جدِّيَّةٌ لترميم العلاقات اللبنانيَّة – الفلسطينيَّة وتصويبها على قواعد تلاقي الشرعيَّتَين والاعتراف بالأخطاء التاريخيَّة ومعالجة القضايا الإنسانيَّة والقانونيَّة والديبلوماسيَّة والأمنيَّة للاَّجئين الفلسطينيِّين بالاستناد إلى مصلحة لبنان العليا، وفي صُلبها التزام لبنان دعم القضيَّة الفلسطينيَّة، وفي صميمها بذل كلّ الجهود لقيام دولة فلسطين بحسب القرار 181، وإنفاذ حقّ العودة بحسب القرار 194، وتأمين حياةٍ كريمةٍ للاَّجئين مع حقّ الدولة اللبنانيَّة ببسط سيادتها كاملةً على أراضيها.
وأَتت الترجمة العملانيَّة لهذه المحاولة، تشكيل مجلس الوزراء حينها برئاسة دولة الرئيس فؤاد السنيورة لجنة الحوار اللبنانيّ – الفلسطينيّ لتضُمَّ ممثِّلين عن وزارات العدل، والشؤون الاجتماعيَّة، والخارجيَّة والمغتربين، والداخليَّة والبلديَّات، والعمل، والصحّة العامّة والطاقة والنفط، والدفاع الوطنيّ، ويُعهد برئاستها للسفير خليل مكَّاوي. وقد كُلِّفت اللجنة، بحسب قرار تشكيلها، معالجة القضايا الإنسانيَّة والقانونيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والأمنيَّة للاَّجئين الفلسطينيِّين بالتعاون مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيِّين (الأُونروا)، ووضع آليَّةٍ لإنهاء السلاح الفلسطينيّ خارج المخيَّمات، وضبطه وتنظيمه داخل المخيَّمات، ودراسة إمكانيَّة قيام علاقاتٍ ديبلوماسيَّةٍ بين لبنان وفلسطين. هيئة الحوار الوطنيّ التي انعقدت تواتُراً في العام 2006، قبل العدوان الإسرائيليّ في تمُّوز منه، أَقرَّت بالمبادئ التأسيسيَّة التي حكمت تشكيل اللجنة، وكانت انطلاقةً لتصويب المفاهيم بهدف تحديد مسارات السياسة العامَّة لعلاقة لبنان – الدولة باللاجئين الفلسطينيِّين. وأتت أزمة مخيَّم نهر البارد في العام 2007، لتُلقي بثقلها على العلاقات اللُّبنانيَّة – الفلسطينيَّة إنَّما لتفتح أُفُقاً في نِقاشٍ وطني بنَّاء على عكس ما رغب من أرادوا زج اللُّبنانيين والفلسطينيين في أتونٍ مدمِّر.

1. تصويب المفاهيم
على ما بدا منذ العام 2005، ومع المحاولة الجدِّيَّة لترميم العلاقات اللبنانيَّة – الفلسطينيَّة وتصويبها، كان قرارٌ إستراتيجيٌّ بأنَّ أيَّ إمكان نجاحٍ لهذه المحاولة الجدِّيَّة، لا بُدَّ من أن يتأسَّس على مفاهيم تستند إلى تحدِّي تنقية الذاكرة اللبنانيَّة – الفلسطينيَّة المشتركة من جهة، ووضع مفاهيم لبنانيَّةٍ جامعةٍ تُبعد قضيَّة اللاجئين الفلسطينيِّين عن البازارات الضيِّقة من جهة أُخرى، فكانت المفاهيم التالية:
 اللاجئون الفلسطينيُّون في لبنان مسؤوليَّة دوليَّة يتحمَّل قضيَّتهم العدوّ الإسرائيليّ، وعلى المجتمع الدوليّ توفير مقوِّمات بقائهم المؤقَّت والكريم في لبنان عبر الأُونروا حتَّى عودتهم.
 اللاجئون الفلسطينيُّون في لبنان يجب أن يتمتَّعوا بحقوقهم الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة ما يتوافق مع إرث لبنان الحضاريّ في احترامه حقوق الإنسان، هو العضو المؤسِّس في جامعة الدول العربيَّة والأُمم المتَّحدة، على أن يتمّ ذلك ضمن ضوابط الدستور اللبنانيّ.
 اللاجئون الفلسطينيُّون في لبنان يجب أن يكونوا تحت سيادة الدولة اللبنانيَّة بالكامل بمعنى الاستناد إلى سلطة القانون بمنطق الحقوق والواجبات.
 اللاجئون الفلسطينيُّون في لبنان يجب أن يتمتَّعوا بالأمان الذي هو من مسؤوليَّة الدولة اللبنانيَّة بمؤسَّساتها القانونيَّة والاجتماعيَّة والعسكريَّة. من هنا أهمِّيَّة التأكيد على تنفيذ قرارات هيئة الحوار الوطنيّ لجهة إنهاء حالة السلاح الفلسطينيّ داخل المخيَّمات وتنظيمه تحت سيادة الدولة اللبنانيَّة كمرحلةٍ أُولى ونَزْع السلاح الفلسطينيّ خارج المخيَّمات.
 يجب الإفادة من حضور لبنان الفاعل على المستوى العربيّ والدوليّ لرفض التوطين على قاعدة دعم حقّ العودة كاختبارٍ للحدّ الأدنى من العدالة الدوليَّة. وكان للبنان فرصة تسلُّمه موقعه غير الدائم في مجلس الأمن في كانون الثاني 2010، ولمدَّة سنتين، محطَّةً أساسيَّةً في هذا الإطار.

هذه المفاهيم جعلت من مقاربة قضيَّة اللاجئين الفلسطينيِّين في لبنان قضيَّة إجماعٍ وطنيّ، مع الإشارة إلى أنَّه في التكتيك السياسيّ الضيِّق كانت استعمالاتٌ حزبيَّةٌ ضيِّقةٌ اعترف أصحابها بخطإِهم فيها وقناعاتهم، بأنَّ ما تَمَّ القيام به في السنوات الأربع الماضية كان الأفضل.

2. تحديد مسارات السياسة العامَّة
الكرامة للاَّجئين الفلسطينيِّين، والسيادة للدولة اللبنانيَّة، وتفعيل جهود دعم حقّ العودة مبادئ حكمت عَمَل وتلاقي الشرعيَّتَين اللبنانيَّة والفلسطينيَّة على مدى السنوات العشرة الماضية وتَمَّ في ذلك تحديد مسارات السياسة العامَّة فكان:
 إعادة افتتاح مكتب ممثِّليَّة منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة في بيروت، ورفعه إلى مستوى سفارة ما يؤكِّد على القرار 181، قرار قيام دولة فلسطين (التقسيم) الذي يرتبط فيه القرار 194 الذي ينصّ على حقّ العودة.
 تمتين عُرى التواصل والتنسيق مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيِّين (الأُونروا) بما هي معنيَّة بتحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيِّين الحياتيَّة، وإطلاق «مبادرة تحسين أوضاع المخيَّمات» بالتنسيق معها.
 فتح باب الحوار مع الشرعيَّة الفلسطينيَّة أي منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة من خلال سفارة دولة فلسطين حول كافَّة القضايا المتعلِّقة باللاجئين الفلسطينيِّين (جوازات السفر، فاقدي الأوراق الثبوتيَّة، …) دون أن يعني ذلك حصريَّة الحوار أو الامتناع عنه مع باقي الفصائل، بل الحرص على الطلب من الإخوة الفلسطينيِّين توحيد رؤيتهم والابتعاد بلبنان عن خلافاتهم الداخليَّة.
 إطلاق ورشة شراكةٍ مع المجتمع المدنيّ اللبنانيّ والفلسطينيّ لزيادة منسوب الحوار وتفعيل المبادرات الإيجابيَّة بما يُزيل عبءَ التوتُّرات والتراكمات التاريخيَّة لصالح مستقبلٍ أكثر استقرارًا.
 تشجيع الإعلام اللبنانيّ المكتوب والمرئيّ والمسموع على الإضاءَة على قضايا اللاجئين الفلسطينيِّين انطلاقًا من المصلحة اللبنانيَّة والعربيَّة العليا، مع إرساء مفاهيم جديدةٍ سليمةٍ وهادئةٍ لا تستنفر الغرائز مع التدخُّل المباشر لتصويب الوقائع المشوَّهة والمغلوطة عن لبنان في التقارير الدوليَّة.
 تمتين التواصُل مع قيادة الجيش اللبنانيّ وقوى الأمن الداخليّ بما يؤمِّن تنسيقًا مستمرًّا حول ما هو مُتَّبع وما يجب اتِّباعه مستقبلاً من إجراءاتٍ أمانيَّةٍ وسياديَّةٍ في مخيَّمات اللاجئين الفلسطينيِّين بما يعني تنفيذًا لقرار هيئة الحوار الوطنيّ بضبط السلاح الفلسطينيّ وتنظيمه داخل المخيَّمات حتَّى نزعه من ناحية، كما بحث آليَّات نزع السلاح الفلسطينيّ خارج المخيَّمات من ناحيةٍ أُخرى، مع الاستناد أيضًا إلى تجربة مخيَّم نهر البارد، ما يُعزِّز مناخات الثقة المتبادلة، ويُخفِّف من منسوب الاختراقات المخابراتيَّة الغريبة أو الاستثمارات الأُصوليَّة المتطرِّفة المُريبة.
 فتح الحوار العلميّ والأكاديميّ مع الأحزاب اللبنانيَّة كافَّة بما ساعد خصوصًا في الفترة الأخيرة على تكوين رؤيةٍ مشتركةٍ حول مقاربة قضيَّة اللاجئين الفلسطينيِّين على قاعدة إجماع هيئة الحوار الوطنيّ ودور لجنة الحوار اللبنانيّ – الفلسطينيّ، ويمكن في هذا الإطار مراجعة برامج الأحزاب السياسيَّة اللبنانيَّة الانتخابيَّة، وتحديدًا فيما يتعلَّق بهذه القضيَّة ما يؤكِّد صوابيَّة السياسات المعتمدة منذ العام 2005.
 التأكيد على مسؤوليَّة المجتمع الدوليّ من خلال الإضاءَة على قضيَّة اللاجئين الفلسطينيِّين في لبنان عبر التواصل الدوريّ مع الدول المانحة للأُونروا، وعلى قاعدة تأكيد مواقف لبنان لجهة أنَّ التزام معالجة أوضاع هؤلاء الحياتيَّة وتحسينها لا يعني بأيّ شكلٍ من الأشكال تمهيدًا للتوطين بل توفيرًا لمقوِّمات الصمود حتَّى العودة.

V. لبنان واللاجئون الفلسطينيون بعد 2009: التحديات المشتركة

تأتي هذه المقاربة خارطةَ طريقٍ للتحدِّيات التي يُواجهها لبنان تجاه القضايا الأساسيَّة للاَّجئين الفلسطينيِّين، والتي يبدو فيها غيابٌ للجدِّيَّة في التعاطي ما يُبقي هذه القضايا موئلاً للتوتُّرات والارتجاجات.

1. في الوضع الاجتماعيّ الاقتصاديّ للاجئين الفلسطينيِّين / معاً من أجل حياةٍ كريمة
 متابعة «مبادرة تحسين أوضاع المخيَّمات» بالتعاون مع الأُونروا.
 إطلاق ورشةٍ تشريعيَّةٍ لتعديل القوانين المُجحفة تجاه اللاجئين الفلسطينيِّين بما يؤكِّد احترام لبنان المواثيق والمعاهدات الدوليَّة على أن يؤخذ بعين الاعتبار ضوابط الدستور اللبنانيّ لِمنع أيّ شكل من أشكال التَّوطين.

2. في بَسْط سيادة الدولة اللبنانيَّة على المخيّمات ونزع السّلاح فيها وخارجها / معاً من أجل احترام سيادة الدولة
 تنفيذ قرارات هيئة الحوار الوطنيّ في ما يتعلَّق بنزع السلاح الفلسطينيّ خارج المخيَّمات، وضبطه وتنظيمه داخل المخيَّمات تمهيداً لنزعه بالكامل
 إستكمال إنجاز رؤية بَسْط سيادة الدولة على مخيَّم نهر البارد على قاعدة خطَّة «الأمان الإنسانيّ».

3. إعادة إعمار مخيَّم نهر البارد / نموذجٌ قيد الاستكمال
 إستكمال توفير التمويل اللازم من الدول المانحة.
 الاهتمام بالعائلات اللبنانيَّة في المخيَّم.
 متابعة الورشة التنمويَّة في المناطق المجاورة للمخيَّم.

4. إعداد ملفّ لبنان التفاوضيّ حول قضيَّة اللاجئين الفلسطينيِّين / معًا لدعم حقّ العودة
 إعداد ملفٍّ قانونيٍّ وسياسيٍّ وديبلوماسيٍّ لتجنيب لبنان أيّ شكلٍ من أشكال التوطين، كما للمطالبة بمستحقَّات لبنان عن الأضرار التي لحقت به جرَّاء التواجُد القسريّ للاَّجئين الفلسطينيِّين على أرضه، ودفع إسرائيل تعويضاتٍ للبنان عن كلّ الأضرار التي تكبَّدها من جرَّاء كافَّة الاعتداءات والحرب على لبنان.
 تفعيل مشاركة لبنان بشكلٍ متخصِّصٍ في اجتماعات الهيئة الاستشاريَّة العليا للأُونروا.
 إستكمال إجراءات تثبيت وضعيَّة سفارة فلسطين القانونيَّة دبلوماسيًّا، أُسوةً بكافَّة الدول العربيَّة وحتَّى الأُوروبيَّة، ما يُعزِّز القرار 181، وبالتالي القرار 194.

VI. انسداد أفق مفاوضات السَّلام: أي مخاطر؟

يعي اللبنانيون في لبنان انسداد افق مفاوضات السلام من جهة، والرفض الإسرائيلي الحاسم لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى دولة فلسطين، بل حتى الإنزعاج من التكاثف الديموغرافي لما يعرف بـ “عرب 1948” الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية من جهة أخرى، لكن وعيهم لهاتين المعادلتين لا يجعلهم مستسلمين للأمر الواقع، بمعنى أن اللاجئين الفلسطينيين باقون في لبنان إلى ما لا نهاية، بل هم يعوِّلون، وانطلاقا من معطيات واقعية يعولون على:
1. الإجماع اللبناني في ميثاق العيش المشترك على رفض التوطين
2. قناعة فلسطينية بأولوية العودة للاجئي لبنان
3. فهم العالم العربي لخصوصية الصيغة اللبنانية وعدم تحملها أي مشروع للتوطين
4. إشارات دولية حاسمة سابقة، وفي طليعتها أميركيّة – روسيّة – أوروبيّة – عربيّة أن لا تسوية لقضية اللاجئين على حساب لبنان، وما يُحكى عن “صفقة القرن” يواجه ديبلوماسية تراكمية لا باستنفارات شعبوية.
لكنَّ هذا التعويل لا يخرج اللُّبنانيين أبدا من مواجهة تحديين وهما:
1- دعوة الدولة اللبنانية، وعلى كل المستويات، إلى التعاطي بجدية مع قضايا اللاجئين الفلسطينيين على كل المستويات القانونية، والإنسانية، والسيادية، والديبلوماسية.
2- دعوة المجتمع الدولي والعالم العربي لتحمل مسؤولياتهم تجاه اللاجئين الفلسطينيين، وخصوصا من خلال تأمين الموارد اللازمة للأونروا لكي تقوم بدورها بشكل فعال في الإستجابة لحاجاتهم اليومية وتحديدا على المستويات المعيشية والإستشفائية والتربوية.

وفي أي حال، وبعد استعراض الموقف الحاسم اللبناني المتشدد لرفض التوطين، لا بد من فهم مبدأ تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، وتعديل التشريعات المتعلقة بهم، وخصوصا فيما يتعلق بالعمل، والإفادة من تقديمات الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي على مستوى نهاية الخدمة، والخدمات التربوية في المدارس الرسمية والجامعة اللبنانية، والحق بتأسيس الجمعيات والإتحادات والروابط وأسوة باللبنانيين، وهذه مطالب فلسطينية مزمنة على المستوى الإنساني. مرورا بحالة التفلّت الأمني للسلاح الفلسطيني خارج وداخل المخيمات، مع الإعتراف بتفاوت توزع هذا السلاح وتشتت مرجعياته من ناحية، وغياب الإرادة السياسية اللبنانية لإنهائه من ناحية أخرى، وصولا إلى غياب لبناني عن بلورة أي سياسة خارجية متماسكة بملف تفاوضي حول قضية اللاجئين الفلسطينيين، من هنا لا بد من التنبه إلى:

1- خيارات التطبيع القانوني وحدودها لوضعية اللاجئين الفلسطينيين
2- خيارات التطبيع المجتمعي وحدودها لوضعية اللاجئين الفلسطينيين

هاتان المسألتان إشكاليَّتان وتحتاجان ارتقاءً للمصلحة الوطنيَّة العليا وتجاوزاً لحساباتٍ حزبيَّة أو فئويَّة أو طائفيَّة أو شعبويَّة، وهنا يجب التنبُّه إلى محاولات الإنتِقال في حلّ قضيّة اللَّاجئين الفلسطينيّين من الدّولي إلى الإقليمي فالوطني، كما يجب قراءَة معمَّقة لانتِزاع فلسطين دولة غير مكتملة العضويّة في الأمم المتّحدة كما تبدُّل المزاج الأميركي والأوروبي تجاه إسرائيل ما يمكن البناء عليه.

VII. اللاجئون الفلسطينيّون بعد إعلان دولة فلسطين: النّموذج اللّبنانيّ

إنّ إعلان “دولة فلسطين” سيُرتّب حتماً تداعياتٍ قانونيّة على وضعيّة اللاجئين الفلسطينيّين، خصوصاً وأنّهم سيحصلون فعليّاً على صفة المواطنين المرتبطين بدولتهم، ما يعني طرح إشكاليّتين. إشكاليّة نوعيّة الوثائق التي ستزوّدهم بها دولة فلسطين من هويّاتٍ وجوازاتِ سفر، إلى فاعليّة وصلاحيّة هذه الوثائق، خصوصاً في ظلّ الرفض الإسرائيليّ لإمكان عودتهم. والإشكاليّة الثّانية كيفيّة التّعامل القانونيّ للدّول المضيفة مع هؤلاء اللاجئين، خصوصاً بعد تحوّلهم إلى رعايا – مقيمين، وهنا يكمن تحدّي حماية صفة لجوئهم المرتبطة بالقرار 194، وإلاّ ندخل في تصفية ما ناضلوا ويُناضلون من أجله منذ العام 1948، عنيتُ حقّ العودة.

في أيّ حال، وإذ لا تتّسع العُجالة في هذه الورقة لمُطالعة قانونيّة متكاملة حول ما سبق من إشكاليّتين، ثمّة محاذير ثلاثة يُقتضى التّوقّف عندها في السّياق عينه، وهي تتلخّص أوّلاً بمحاولة تحويل قضيّة اللاجئين من دوليّة إلى إقليميّة فموضِعيّة وطنيّة للدّولة المضيفة، وثانياً بإسقاط صفة “لاجئ” عمّن تحوّلوا “رعايا – مُقيمين“، وثالثاً الخنق التّدريجيّ لدور الأونروا بتصعيب التّمويل.

1. “الحلّ الدّوليّ لا الإقليميّ”
ثمّة من يراهن على نقل المسؤوليّة الدّوليّة عن قضيّة اللاجئين الفلسطينيّين إلى مسؤوليّة إقليميّة، ولا يتوانى عن القول “إنّها مسؤوليّة عربيّة” أوّلاً وأخيراً. في لبنان العربيّ المُنفتح على الغرب لا مكان لقبول تنصّل المجتمع الدّوليّ من هذه المسؤوليّة. وفي مرور إستنتاجيّ على كلّ التوجّه الرسميّ اللّبنانيّ الدّولي، والحزبيّ، والرّوحيّ، والنخبويّ، والثقافيّ، والإقتصاديّ، والإعلاميّ، يظهر، ودون إيّ إلتباس أنّ المجتمع الدّوليّ مدعوّ إلى القيام بواجبه تجاه اللاجئين الفلسطينيّين، بمعنى توفير الموارد لتأمين حياة كريمة لهم حتّى عودتهم بحسب قرارات الأمّم المتّحدة التي أكّدت عليها المبادرة العربيّة للسلام. أكّدت عليها، وما كانت أبداً بديلاً عنها أو رديفاً.
والرّهان على حلّ إقليميّ لقضيّة اللاجئين الفلسطينيّين، فيه من النَّفَس الإسرائيليّ بعض أصداء، إذ إنّ أولئك المنظّرين الأكاديميّين، يعلمون أنّ إسرائيل تواجه مسألة اللّجوء القسريّ والعدوانيّ للفلسطينيّين بالقول:” ويهود الدّول العربيّة لجأوا إليّ قسراً بفعل خوفهم من الإعتداءات الممكن أن تطاولهم“، وهي تطالب أيضاً بإنشاء صندوق تعويضات لهم على غرار التّعويضات التي يستحقّها اللّاجئون الفلسطينيّون دون أن يمسّ ذلك حقّهم بالعودة بحسب ما ورد في القرار 194. فهل هو بريء ضخّ منطق “الحلّ الإقليميّ” في الأبحاث والدّراسات وورشات عمل أكاديميّة؟
أمّا بعد فيطالعك هؤلاء بأن أنظر، ها هي المملكة العربيّة السعوديّة بعد مصر إستلمتا لِحقبة رئاسة الهيئة الإستشاريّة العُليا لوكالة غوث وتشغيل الفلسطينيّين (الأونروا)، ولبنان إستلم منصب نيابة الرّئاسة مرحلة أيضاً، ليسألوك إستطراداً: “ليس هذا بتمهيد للحلّ الإقليميّ؟”. الإجابة سهلة وهم يعلمونها. لكنّهم قرّروا قراءتها بالمقلوب، ومفاد الإجابة، أنّ مصر والمملكة العربيّة السعوديّة بديبلوماسيّتيهما الرّصينتين والنافذتين بمقدورهما رفع مستوى التنبّه لقضيّة اللاجئين وحاجات “الأونروا” على المستوى الدّوليّ. ثمّ إنّ لبنان في مقعده غير الدّائم الذي شغله في مجلس الأمن بين ال 2010 وال 2012 قادر إن أراد، على إستعادة ديبلوماسيّته الهجوميّة في هذا الإطار، إن سلّمنا جدلاً بأنّه لا بدّ من أن يُعيد بناء سياسته الخارجيّة على أُسُس المبادرة والتّشبيك، لا الإصغاء والتّوسّل. أمّا إستناد هؤلاء أيضاً إلى أنّ المجتمع الدّوليّ منخرط في تسريع الحلّ الإقليميّ، فالردّ عليه أتى دقيقاً أيضاً على لسان المفوّضة العامّة السّابقة لـ “الأونروا” كارين أبي زايد في حديث صحفيّ مقتضب لجريدة لوريان لوجور عام 2009 إذ قالت: “إيّ حلّ لقضيّة اللاجئين الفلسطينيّين سيلحظ مغادرتهم لبنان. الرئيس الفلسطينيّ الرّاحل ياسر عرفات كما الرّئيس محمود عبّاس يؤيّدان ذلك. والوعد قطعته الأسرة الدّوليّة، بأن لا تسوية في هذا السّياق على حساب لبنان، سنحترمه على أن يكون خيار مغادرة اللاجئين في الوجهة بحسب ما هم يرتأونه الأفضل لكلّ منهم”. مقاربة “الحلّ الإقليميّ” غير سليمة. اللاجئون الفلسطينيّون مسؤوليّة دوليّة بالدّرجة الأولى والأخيرة.

2. “لاجئون – مقيمون” لا “رعايا – مقيمون”
كلّ مخيّم عنوان عودة. هنا تكمن إستثنائيّة المخيّم بنسيجه الإجتماعيّ وتماسك تقاليد اللاجئين فيه. بطبيعة الحال، لا بدّ من تحسين أوضاع مخيّمات لبنان لحالتها المُزرية. والحالة المُزرية لم تكن بسبب إهمال الدّولة اللّبنانيّة فقط كما يحلو لهؤلاء المنظّرين الإدّعاء، بل أيضاً لعوامل داخليّة فلسطينيّة، ناهيك بالحروب المتوالية والتي كانت المخيّمات أيضاً مسرحاً لها أو حاضناً، ما حتّم في بعض المراحل مقاربات أمنيّة صرفة لوضعها وكانت هذه المقاربات سيّئة، مبتورة، وهشّة. أمّا منذ العام 2006 فالحكومة اللّبنانيّة، هي من أطلقت “مبادرة تحسين أوضاع المخيّمات“، وطلبت إلى “الأونروا” رزمة مشاريع عملانيّة لهذه المبادرة. منها مشاريع نُفّذت، ومشاريع تنتظر تمويلاً دوليّاً ومن ثمّ عربياً. أمّا الدّفع الذي ينظّر له هؤلاء في إتّجاه إلحاح الدّمج المجتمعيّ التامّ بين أهل المخيّم وأهل الجوار اللّبنانيّ، فهو قائم أصلاً في المصاهرة والتجارة والثقافة و….. وإذا كان بعد من فواصل أمنيّة عسكريّة، فذلك مردّه إلى الإستثناء الذي تشهده المخيّمات لجهة حالة التسلّح، والذي قرّرت هيئة الحوار الوطنيّ العام 2006 بشأنه الضبط والتّنظيم حتّى إنهائِه ولم توفّق الحكومة اللّبنانيّة في تنفيذ هذا القرار لأسباب يعلمها الجميع.
أمّا إذا كان المقصود ممّا يدفع إليه هؤلاء المنظّرون، بـ “هويّة لاجئ” وإستبدالها بـ “هويّة مقيم” فقط، فهم يُدركون جيّداً أنّ قصدهم الإعتداء على اللاجئين الفلسطينيّين أنفسهم، وليس على لبنان، والذي باتت أطيافه السياسيّة والروحيّة والإجتماعيّة والإقتصاديّة والقانونيّة والثقافيّة والعسكريّة، مُقتنعة بضرورة إزالة الإجحاف التشريعيّ تجاه حقوق هؤلاء، إنّما ضمن ضوابط الدّستور اللّبنانيّ، على أن نكون بإزاء “لاجئين – مقيمين” لا “رعايا – مُقيمين” بعد إعلان دولة فلسطين.
مقاربة الإستثناء في ما تعيشة المخيّمات، يجب أن تكون متكاملة وذات نيّات صادقة، لا تحكمها، لا المقايضة ولا المفاضلة، إنّما تحكمها سيادة القانون بمنطق الحقوق والواجبات حتّى العودة. فالأولويّة لحقّ العودة مرفودة بتوفير مقوّمات الصمود الحياتيّ الكريم، والعمل الدّيبلوماسيّ التراكميّ، بمنأى عن العنتريّات المنبريّة والميدانيّة على حدّ سواء، هذا ما نحتاجه.

3. “الأونروا” شاهدة عدالة
لم يكن تشكيل الجمعيّة العامّة للأمّم المتّحدة في 8 كانون الأوّل (ديسمبر) 1949، وبناءً على القرار (302) وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيّين، وتشغيلهمالأونروا“، من المتوقّع أن يستمرّ على مدى 68 عاماً، وما لم يكن متوقّعاً أيضاً أن تبقى معالجة القضيّة الفلسطينيّة على مدى 68 عاماً محطّ أنظار العالم أجمع. ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين التي ما كانت منذها في هيكليّتها المترامية الإدارات والإهتمامات الإغاثيّة والتنمويّة والخدماتيّة، تستمرّ الشاهد الأبرز على حقّ اللاجئين الفلسطينيّين، أينما وجدوا بالحياة الكريمة، حتّى عودتهم، وفق قرارات الشرعيّة الدّوليّة والمبادرة العربيّة للسلام. حتماً إحياء الذّكرى الـ 61 لتأسيس الأونروا عام 2009، أتى لتبيان إستمرار مأساة كتلة إنسانيّة إغتصبت أرضها، وانتهكت حرمة هويّتها، وليرتّب أيضاً مسؤوليّات جسام على الوكالة التي أُنيط بها، ولم يزل، وتحديداً الإبقاء على جاهزيّة عالية للإستجابة لمتطلّبات آنيّة ومرحليّة واستراتيجيّة فرضها واقع التّشتيت المنهجيّ والحصار غير الإنسانيّ الذي ما إنفكّت إسرائيل، تمارسه وبعربدة إستبداديّة على مرأى من المجتمع الدّوليّ الذي يوفّر في الوقت عينه للأونروا مقوّمات الصمود. لا سيّما أنّ الأونروا، والتي بدأت الإضطلاع بمهمّاتها في الأوّل من أيّار (مايو) 1950، هي تستجيب لإحتياجات 4.67 مليون لاجئ، ويتجاوز عدد الموظّفين العاملين فيها 30 ألف موظّف، ما يضعها بإزاء تحدّيات كبيرة على المستويّين الإداريّ والماليّ من ناحية، وأيضاً على مستوى الرؤية المستقبليّة لدورها من خلال علاقتها مع الدّول المانحة والمُضيفة. فهل سيقتصر هذا الدّور، وبسبب من تردّي الوضعين الإجتماعيّ والإقتصاديّ للاجئين الفلسطينيّين كما إنعكاسات الأزمة الماليّة العالميّة على الدّول المانحة، هل سيقتصر دورها على السعي لسدّ عجزها في موازنة “الأقاليم” وفق المصطلح الذي تستخدمه الدّول المضيفة، أم هي مدعوّة إلى إعادة هيكلة فاعلة ليس فقط في السّياق الإداريّ، بقدر ما هي، مدعوّة إلى إعادة صوغ هويّة تواصلها مع كلّ من الأطراف المعنيّة بإستمرارها، بما يؤكّد شهادة المجتمع الدّوليّ على إحدى أبشع جرائم العصر؟
ما سبق محاولة تفكير، فيها الكثير من الخطورة ربّما، إنّما لا بدّ من تدارك ما يُمكن أن نكون مُقدمين عليه، ولا يشفع في ذلك بعض ماكياج تجميليّ، أو إعتماد منطق النّعامة وسياسات الهروب إلى الأمام. حقّ العودة حقٌّ إنسانيّ أهميّته توازي الحقوق الإجتماعيّة والإقتصاديّة، ففيه سوسيولوجيا الهويّة، التي أُريدَ لها الإندثار، وصمدت رُغم ذلك.

VIII. خُلاصات وتساؤلات

ما استعرضته قائم في التجربة اللبنانية حول اللاجئين الفلسطينيين. وإذا ما استند هذا الاستعراض الى طرحٍ للإشكاليات ومقاربة للحلول من باب الحاجة للعودة الى منطق السياسات العامة، والموازنة بين السياديّ والإنساني والديبلوماسي، لتفادي الانزلاق نحو توتّرات بين المجتمعات المضيفة ومجتمعات اللاجئين، كما السماح للتطرّف والإرهاب بالنمو.
في كلّ السياقات التي سبقت ثمة تساؤلات أساسية:

1- هل يمكن أن نعالج نتائج قضايا سياسية وأمنية من مثل اللجوء والنزوح بمقاربات اقتصادية – اجتماعية – قانونية فقط؟
2- أليس من الخطر التمهيد لتفتيت مجتمعات من باب الدّفع باتجاه دمج لاجئين، فنكون أمام تفتيتين؟
3- ما هو الإطار السياسي القانوني الواجب اعتماده للموازنة بين الإنساني والسيادي والديبلوماسي في معالجة قضية اللجوء؟
4- هل يمكن تفادي مقاربة مأزق إدارة التعدّدية وتلاقي أو تنافر الهويات في مسألة اللجوء؟
5- أي دول للقطاع الأكاديمي في اتجاه الحلول وبناء السياسات العامة والتأثير فيها على الأقل في هذا الاطار؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لكس تاكنبرغ، وضع اللاجئين الفلسطينيين في القانون الدولي، مؤسسة الدراسات الفلسطينية / 2003

زياد الصائغ خبير ومستشار في السياسات العامّة.

باحث لبناني وخبير في قضايا اللاّجئين الفلسطينيين ومفاوضات السّلام في الشرق الأوسط، والنّازحين – الّلاجئين من سوريا وسياسات العمل والحماية الاجتماعيَّة، منسق مبادرة “لبنان الأفضل”. مستشار السياسات واستراتيجيات التواصل في وزارة الدولة لشؤون النازحين (شباط 2017 – …)، وهو عضو – خبير لجنة التّواصل السّياسي لقضايا اللاجئين الفلسطينيين في لجنة الحوار الّلبناني – الفلسطيني في رئاسة الحكومة، ومستشار للسياسات مع مؤسسة أديان. مستشار السياسات والتواصل في مجلس كنائس الشرق الأوسط (أيلول 2018 – …). عضو اللجنة الاستراتيجية في المركز الماروني للتوثيق والأبحاث (أيلول 2018 – …). عمِل مديراً تنفيذيّاً لملتقى التأثير المدني (تموز 2012  حتى كانون الثاني 2016). مستشار في رسم السياسات واستراتيجيات التَّواصل في رئاسة الحكومة اللبنانية لرئيس لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني (2006 – 2009)، ومستشار في رسم السياسات ورئيس فريق عمل وزير العمل (كانون الثاني 2010 – حزيران 2011)، ومستشار وطنيّ للسياسات لمنظَّمة العمل الدولية في المكتب الإقليمي للدّول العربية للمنظمة في بيروت (أيلول 2011 – حزيران 2013). عَمِل سابقاً مستشاراً لإستراتيجيّات التواصل في مجلس كنائس الشرق الأوسط، ولنقابة المعلّمين في لبنان، وللمؤسسة الصحيّة للطائفة الدرزية، وللقاء مسيحيّي المشرق، ولمركز الدِّراسات والأبحاث المشرقية. له دراسات متخصّصة في قضية اللاَّجئين الفلسطينيين والسوريين، ومسائل العمل والحماية الاجتماعية والحوار المسيحي – الإسلامي والفكر العربي والمواطنة، وينشُر دورياً مقالات متخصّصة في جريدتي النهار والحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات