Search
728 x 90

لبنان: مرحلة ذرّ الرماد في عيون الخارج انتهت

لبنان: مرحلة ذرّ الرماد في عيون الخارج انتهت

هل تكفي تسمية الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة العتيدة لتُفتح ابواب المساعدات الدولية من دون تردد؟ وما الذي تبدّل بتكليفه التشكيل للمرة الرابعة بالنسبة الى واشنطن والمجتمع الغربي عموماً؟ وما الذي قد يتغيّر بعد العودة الى المربع الأول قبيل الذكرى الاولى لانطلاق التحركات الشعبية في 17 تشرين؟ وما الذي يمكن ان يقوم به الحريري لم يستطع ان يحققه مصطفى اديب؟

بنظرة مجبولة بكثير من الترقب، ترمق الجهات الدولية تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة وكأن “المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين”. فالتجربتان السابقتان خلال اقل من سنة واحدة شهدتا تطيير حكومة حسان دياب التي لم تنفذ شيئاً من الاصلاحات التي اتت من اجلها، لا في في مكافحة الفساد، ولا الشفافية ولا في القضاء ولا في الاصلاح المالي ولا في وقف الهدر ولا في ملف الكهرباء. يضاف الى ذلك بقاء مصطفى اديب 26 يوماً يحاول اقناع الافرقاء السياسيين بتشكيل حكومة اختصاصيين مصغرة، غير سياسية، لا يتخطى عددها الـ 14 وزيراً… من دون جدوى.
فما الذي قد يكون تغيّر اليوم؟ وهل بات الجميع مقتنعين بوجوب انقاذ البلد فيما بقيت، وتبقى، المناكفات والنكايات السياسية “الطبق اليومي” على مائدة السياسة اللبنانية، وكأن الطبقة السياسية مجموعة من المشاغبين همّهم الأول تسجيل اكبر عدد من النقاط ضد الخصم بدلاً البحث جدياً عن مخرج لكومة الازمات التي يرزح تحتها اللبنانيون.
بعبارة وحيدة اختصر مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر الوضع قائلاً اخيراً في مؤتمر عبر الهاتف، عبر مكتب دبي الإعلامي الإقليمي  ان ” إن مواصلة العمل بالشكل المعتاد سابقا لم يعد مقبولا في ظل وجود عدد كبير من اللبنانيين تحت خط الفقر، وأي حكومة تأتي بعد ذلك يجب أن تلتزم بتنفيذ الإصلاحات التي يمكن أن تؤدي إلى فرص اقتصادية وحوكمة أفضل ووضع حد للفساد المستشري وأن تكون قادرة على ذلك”.
صحيح انه اكد “انخراط واشنطن ” في لبنان، لكنه عبّر عن رأي المجتمع الغربي بأجمعه ايضاً حين اكد ان “موقف واشنطن لم يتغير، انها تقف الى جانب الشعب اللبناني وهي ما زالت مصرّة على ضرورة ان تتبنى كل حكومة في لبنان الشفافية والاصلاح ومكافحة الفساد، وان تكون محاسبة للجرائم التي تم ارتكابها.”
فشروط الدول المانحة والداعمة للبنان لفك أسر المساعدات، اكان عبر مؤتمر سيدر ام غيرها، لم تتبدل منذ سنة، وهي تتلخص بتفعيل الاصلاحات وبالوفاء بالتطلعات الشرعية للشعب اللبناني، كما تطالب. وما اصرار الدول كلها على تقديم المساعدات للجمعيات المدنية وغير الحكومية بعد انفجار المرفأ في 4 آب سوى ابرز دليل على انعدام الثقة الكامل بالدولة ومؤسساتها.
من هنا، عدم الاكتراث الخارجي بمن يقود الحكومة بقدر ما يكون الاهتمام بما تنتج هذه الحكومة.
وهذا ما قاله شينكر ممازحاً في المؤتمر عبر مكتب دبي الإعلامي الإقليمي، حين ردّ على سؤال عن رؤيته بتكليف الحريري “كونه جزءاً من المشكلة وليس الحل” فقال: ” أنا أقدر جهودك لجعلي أعلّق على رئيس الوزراء المكلف الحريري او اي سياسي لبناني آخر قد يتم الاستعانة به لهذا المنصب. لم تعلّق الولايات المتحدة أو تدرس شيئًا بشأن أفراد معينين في لبنان. لقد أكدنا منذ البداية أن ما يهمنا هو المبادئ.”
شينكر اضاف: “من ينبغي ان يقود الحكومة؟ هذا امر يعود الى الشعب اللبناني نفسه، لكننا نحتفظ بمعايير عالية من الآن فصاعداً. نحن نعتقد ان لبنان بحاجة ماسة الى اصلاح اقتصادي وفي مجال الحكم ومكافحة الفساد والشفافية والمحاسبة لتمكينه من الوفاء بتطلعاته. نحن نلتزم بالمبادئ ونتجنب اطلاق الاحكام. واياً كانت الحكومة التي ستتولى المهمة في لبنان، فإن توقع المساعدات الدولية يفترض الوفاء بهذه المتطلبات كما اعادة لبنان الى المسار الصحيح وحيازة الثقة الدولية.”
فتشكيل حكومة انقاذية لانتشال لبنان من قعر الهاوية، يشكل الاهتمام الغربي الأساسي. هذا ما أكده الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في زيارتيه الى لبنان، الاولى بعد انفجار مرفأ بيروت، والثانية لمناسبة مئوية لبنان.
وهذا ما أكد عليه شينكر حين شدد على ” الاصرار على ضرورة أن تتبنى أي حكومة جديدة الإصلاحات وتنفذها، وتتبنى الشفافية، وتكافح الفساد، وتحاسب الفاسدين على جرائمهم أو آثامهم، وأن تلتزم النأي بالنفس. هذه هي الشروط الأميركية المسبقة للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي ومساعدة لبنان. وقال الفرنسيون الشيء نفسه في ما يتعلق بتمويل هيئة تنظيم الصناعة المالية (FINRA) لقد أوضحنا ذلك نحن ومجموعة الدعم الدولية.”
ثم ان شينكر اجاب عن سؤال يتعلق بمفاوضات اتفاق اطار ترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل، قائلاً ان زيارته للبنان كانت من ثلاثة ايام، يوم للتركيز على المفاوضات، واثنان للنقاشات مع المسؤولين السياسيين اللبنانيين، علماً ان شينكر قصد تحديد “الحدود البحرية” من دون البرية  من دون اغفال عدم الارتباط بأي توقيت لإنجازها كونه قال ” ان العمل الشاق لا يزال امامنا، ومع ذلك فإن كلا الجانبين عبّرا لي عن استعدادهما ورغبتهما في التفاوض – مع التركيز على التوصّل إلى اتفاق”.
وإذا كان العمل الشاق في انتظار مفاوضات ترسيم الحدود، فهو اكثر شقاء مستقبلاً بالنسبة الى الحكومة العتيدة، خصوصاً ان مرحلة ذرّ الرماد اللبناني في عيون الخارج انتهت الى غير رجعة. فما من مسؤول خارجي الا وأظهر سعة اطلاعه على ادق تفاصيل الوضع اللبناني، مفنداً الأرقام أفضل من أي خبير اقتصادي محلي. فشينكر ختم مثلاً حديثه عن لبنان بالقول :” لقد رأينا جميعًا الأرقام، وهي مثيرة للقلق بشكل لا يصدق – أكثر من 100% نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي؛ الناتج المحلي الإجمالي الذي انخفض من 50 مليار دولار في السنة إلى 30 مليار دولار في السنة؛ 50% من اللبنانيين تحت خط الفقر. 22 % من اللبنانيين معوزون. لقد رأينا تقارير حول مقتنيات البنك المركزي؛ هناك الكثير من الأمور التي يجب إصلاحها، وبالتالي فإننا نتمسك بالمبادئ بدلاً من الأشخاص… فهل من يسمع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات