Search
728 x 90

لبنان لم يعد ينتظر ازمة اقتصادية… انه في قلبها

لبنان لم يعد ينتظر ازمة اقتصادية… انه في قلبها

سيناريوهان ورأيان يفنّدان عمق الازمة المالية والاقتصادية وما ستؤول اليه،
القاسم المشترك بينهما انعدام الثقة بإمكان ابتكار الحلول السحرية للخروج من الهاوية.

بدأت الازمة الاقتصادية في لبنان تتخذ منحى خطيرا مع المؤشرات المطلبية التي ترفعها قطاعات عدة لكن اكثر ما يعبر عنها كان اعتراض اصحاب محطات توزيع المحروقات والطحين على التعميم الذي كان اصدره حاكم مصرف لبنان رياض سلامه الذي ينظم عملية استيراد هاتين المادتين الاساسيتين الى جانب الدواء.

وحين تشهد محطات المحروقات او الافران زحمة وضغوطا من الناس بحيث تعود الذاكرة الى ايام الحرب التي شهدت تطورات مماثلة، فإن هذا المشهد لوحده كفيل بالتعبير عن خط بياني خطير تتجه اليه الازمة على خلفية ان الآتي من الايام لن يحمل تطورات ايجابية على هذا الصعيد اياً تكن التنازلات او الاجراءات التي ستعتمد باعتبار ان هذه الاخيرة ربما تشتري المزيد من الوقت للسلطة في لبنان او لبقاء الستاتيكو الراهن على حاله ، لكن عوامل عدة بدأت تثقل على الواقع الى حد تضاؤل الامل بمعالجات انقاذية على رغم وعود في الافق في حال اجرى لبنان اصلاحات مهمة على غرار ما يرجو البنك الدولي او دول مؤتمر سيدر.

من هذه العوامل :

ان الكلام على ان لبنان سيقبل على ازمة اقتصادية ومالية خطيرة في ظل فساد معشش في الادارات العامة وعدم قدرة اركان السلطة على اتخاذ الاجراءات الاصلاحية المناسبة لم يعد امراً مفاجئا ًاو غريباً. لكن النقطة الجديدة في هذا السياق ان لبنان لن يقبل على الازمة التي يحذر منها الجميع بل هو بات في قلبها في الواقع وفق المؤشرات الحياتية الصعبة على كل الصعد والتي يعبر عنها افتقاد العملات الصعبة ولا سيما الدولار من السوق اللبنانية في ظل طلب كبير عليه. وامتلاك المصرف المركزي ما يكفي من الدولارات لتلبية الحاجات الملحة لا يعني انه يستطيع التصرف بها من دون سقوف معينة يحرص عليها من ضمن محاولته الحفاظ على سعر استقرار الليرة اللبنانية في مقابل سعر معين معروف للدولار هو 1517 ولان التفريط باحتياط المصرف المركزي سيؤدي الى مخاطر مهلكة للبنان اقتصاديا وماليا.

وهذا كله ان عنى شيئا فهو ان لبنان لم يعد على شفير الانزلاق الى الهاوية ما لم يصار الى بعض الاجراءات، بل هو ينزلق اليها فعلاً على امل الاّ يكون انزلاقاً سريعاً وان يتم تخفيفه عبر مطبات معينة تشكلها اجراءات اصلاحية او خطوات يمكن ان تشفع به بعض الشيء.

ان الرهان على شعور المسؤولين بالخطر، ما قد يدفعهم الى التنازل عن بعض مكتسباتهم انقاذاً للوضع، لم يعد يكتسب اي جدوى . ويعود ذلك الى اعتبارات متناقضة انما تصب في النتيجة نفسها. اذ يسري على نطاق واسع بين الخبراء الاقتصاديين المستقلين ان اهل السلطة لا يعرفون كيفية الخروج من الازمة وليسوا اهلا لهذه المهمة. وهذا ما يدفع بعض الافرقاء كحزب القوات اللبنانية وحتى بعض الشخصيات الى المطالبة بحكومة اختصاصيين تتولى تنفيذ الآليات لمعالجة الملفات المهمة والمثقلة على البلد ولا سيما ملف الكهرباء الذي يستنزف خزينة الدولة وملف الاتصالات والتهرب الضريبي والجمركي.

ويخشى اصحاب المطالبات المماثلة ان تفضي الازمة – وان كانت اقتصادية ومالية – الى واقع سياسي قد ينتهي بتأليف حكومة اختصاصيين على خلفية ان الانهيار المالي وفقا للسيناريو الاسوأ الذي يراه البعض من ضمن سيناريوات توضع على الطاولة، سيطيح الحكومة الحالية . اذ انه، ومع ان هذا السيناريو سيؤدي عملياً الى انعكاسات سلبية خطيرة على رئيس الجمهورية تنهي موضوعياً ولايته الرئاسية مع انه سيبقى في الرئاسة، فإن الحكومة وحدها من سيدفع الثمن.

وهذا السيناريو لا يستبعد ايضاً تغييرات جذرية في حاكمية مصرف لبنان من زاوية ان الحاكم الحالي الذي يتخذ خطوات استباقية تفادياً للوصول الى هذا السيناريو، مستهدف ايضاً بالضغوط المتواصلة من اجل تلبية حاجات الدولة وطلبات المسؤولين على خلفية تحميله كحاكم للمصرف اكثر مما يحتمل هذا الموقع واكثر من المهمات الملقاة على عاتقه.

وهو لن يترك الامور لتصل الى هذه الحال اذا اشتدت الضغوط عليه من اجل احراجه فإخراجه على ضوء معرفته بكل خفايا الاستهدافات السياسية، ان على خلفية طموحات رئاسية تسعى الى استبعاده، وان على خلفية محاولة تأمين تمويل الاقتصاد السوري من باب استنزاف العملات الصعبة من لبنان ايضاً.

وهو الجانب المخفي وغير المعلن من معارك تجري واقعياً باعتبار ان تهريب المحروقات الى سوريا – الذي يجري عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية – وكذلك تهريب العملة الصعبة عبر الات الدفع الفورية، وهذان عاملان مؤذيان للبنان من باب خرقه للعقوبات المفروضة على النظام السوري- لا يستبعد وجود مصالح لافرقاء مؤثرين في هذا الاتجاه.

الرأي الاخر يرى ان المسؤولين لا يرغبون فعلاً في اتخاذ اجراءات اصلاحية جوهرية ستضر في النهاية بمصالحهم ومكاسبهم ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر اعادة النظر في توظيف من خارج القانون حصل بعد العام 2017 ويتم التذرع بذلك ان عدداً كبيراً من هؤلاء تم توظيفهم في السلك العسكري او عدم قلب الطاولة في موضوع الكهرباء مثلا.

واصحاب هذا الرأي يقولون ان المسؤولين لم يستشعروا فعلاً الدرجة العالية من الخطورة التي

وصل اليها الوضع ويمنون النفس بأن شيئاً ما ربما يحصل على غرار الآمال التي انعشتها الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة سعد الحريري الى ابو ظبي .

ولكن مع ان كلاماً كثيراً سال عن وعود بالمساعدة فإن انتهاء الزيارة بالاعلان عن رفع الحظر عن سفر الاماراتيين الى لبنان كان معبراً عن عدم استعداد لمساعدات مجانية كما في السابق على خلفية سياسية في الدرجة الاولى تتصل بما اذا كان لبنان يملك قراره فعلا في اعتماد سياسة النأي بالنفس ام لا . اذ ان حملات حزب الله على الدول الخليجية تستمر فيما تعجز

الحكومة عن منعه، وهو مشهد غير مقبول في الاعتبار العربي والغربي على السواء.

العامل الابرز والاهم في هذا السياق هو انعدام ثقة اللبنانيين بالطبقة السياسية من جهة على رغم استمرار التبعية الطائفية لزعماء الطوائف على نحو مستغرب الى حد كبير وكذلك انعدام الثقة بالقدرة لدى هذه الطبقة على انقاذ الوضع وانتشاله من حاله الراهنة، وهو ما هدد ايضاً الثقة بالقطاع المصرفي والخشية عليه في الوقت نفسه. وهو الامر الذي يبرر وجود اكثر من ملياري دولار خارج المصارف في منازل اللبنانيين خشية من انهيار في هذا القطاع، كما ما يبرر هجرة الاموال اللبنانية الى الخارج.

وانعدام الثقة هي الكلمة المفتاح لاستمرار انزلاق الوضع في حال لم يصار الى احداث صدمة ايجابية كبيرة، يبحث عنها البعض وليس الجميع، لكن من دون جدوى حتى الان.

ولذلك فإن التوقعات الراهنة بالغة السلبية بالنسبة الى لبنان من دون افق واضح بحلول معقولة قريبا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات