Search
728 x 90

“لبنان في خطر كبير” والفاتيكان المُبادِر!

“لبنان في خطر كبير” والفاتيكان المُبادِر!

منذ العام 1946 وقِيام أوّل تمثيل ديبلوماسي للفاتيكان في لبنان، ثمّة علاقة وجدانيّة حيث تتفوّق ديبلوماسيّة حضارة المحبّة والحُريّة والعدالة والقِيَم على خيارات التسويات الزّجراجة والمصلحيّة.

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة

في العام 1964 كانت أوّل زيارة ترانزيت من لبنان للبابا بولس السادس في طريقه إلى المؤتمر الإفخارستي في بومباي. لم تكُن الزيارة إلى لبنان، بل كان لبنان محطّة. البابا بولس السادس قال حينها من مطار بيروت إنَّ “لبنان العيش الواحد نموذجيّ، وإنَّ للمسيحيّين فيه دوراً حضاريّاً على مستوى الشرق الأوسط والعالم”. بعد 13 عاماً وقبل شهر من وفاته، عبَّر عن ألمه العميق عمّا تتعرّض له أحياء بيروت من اعتِداء وتدمير، (5/7/1978). البابا القديس يوحنا بولس الثاني أصرَّ على أن يُشارك الرئيس الرّاحل الياس سركيس في قدّاس تنصيبه، وكانت له لفتة خاصّة في الصلاة من أجل السّلام في لبنان (22/10/1978). وفي لقاءٍ مع كنائس الشرق الأوسط (1/5/1984)، دعا البابا القديس اللبنانيّين إلى “صَون ثقتهم بوطنهم وإنسانه وانتهاج مسارات مصالحة حمايةً لرسالة لبنان في العيش الواحد”. في العام 1997، مع الإرشاد الرسولي الخاصّ بلبنان، وزيارة البابا القديس لوطن الأرز، كان تأكيدٌ على الرسالة التي تتخطّى لبنان كوطنٍ قائمٍ في الجغرافيا والتاريخ، مع بعثٍ للأمل بحريّة قائِمة في صميم اللبنانيّين رَغم احتلالَين حينها. البابا بنديكتوس السادس عشر في العام 2012 تجاوز المعوِّقات وأتى لبنان مثبِّتاً مقرّرات سينودس مسيحيّي الشرق الأوسط، ومسانِداً نضال اللبنانيّين لتحييد وطنهم عن صراعات الإقليم.

مسيرة فاتيكانيّة دولتيّة واضحة المعالم. البابا فرنسيس في (2/9/2020) يُعلِن أنَّ “لبنان في خطرٍ كبير”. يُوفد أمين سرّ دولة الفاتيكان بييترو بارولين إلى بيروت في زيارة لمدّة 24 ساعة كثيفة الدّلالات في رمزيّة رسائلها من وضوح استياء من السُلطة الحاكِمة حيث كانت “زيارة مجاملة” لرئيس الجمهوريّة، فدعوة للكنائس لتُنهي كسلها وتوقِف ترفها وتنخرِط في مساندة الناس، إلى تضامن مع ضحايا تفجير مرفأ بيروت وكلّ اللبنانيّين.

ثمّة من يصِرّ على أن تسوية إيرانيّة – أميركيّة بأيادٍ فرنسيّة حصلت على أشلاء اللبنانييّن، على أنَّ أقطاب التسوية استفادوا من مَيَعان الثورة ومراهقتها، ومن الفراغ العربي. الحتميّات في تقديري خطأ استراتيجيّ، وتجاوز حركة الفاتيكان خطيئة. الثّورة حتماً في مأزق إذ إنَّ اليسار فيها قابعٌ في حضن فشله. وبعض اليمين في مربّع خياراته السُلطوّية. هذا إن اقتبلنا أنّ ثمّة من يمين ويسار.

الكتلة الحيّة الفاعِلة مدعوّة هنا في تشكّلها الليبراليّ إلى استكمال تنظيمها خلال أسبوعين كحدٍّ أقصى، مع الاقتناع بأنّ التشبيك الائتلافي لمكوّنات الثورة، وبعد تجربة متعثّرة ليست ببعيدة زمنيّاً عن موعد صياغة هذه المقاربة، لجمعها في معارضة سياسيّة تُنهي قصور الاعتراض المحدود فشلت. هذا يقتضي تغيير المنهجيّة. وهذه الكتلة الحيّة مدعوّة للاستثمار في خيار لبنان الجديد. التراجع مقتلة. التردُّد عدم. الهجرة متاحة لكن حينها نكون في مرتبة السُّلطة التي اغتالت لبنان ولم تزل.

“لبنان في خطر كبير” قالها البابا فرنسيس لكنه حثَّ اللبنانييّن على الثّبات في أرضهم، والدِّفاع عن هويّتهم. “نعلَم كم أنتم موجوعون…” قالها أمين سرّ دولة الفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين، وأردف بحسمٍ: “لكن إعلموا انّكم لستم وحدكم. أصدقاؤكم ونحن إلى جانبكم”. الأهمّ في هذا المسار خروج معظم الثورة من عدم احترافيّتها وأنانيّتها، والذهاب إلى أوسع ائتلاف مدنيّ وطنيّ مُعارِض.

حمى الله لبنان واللبنانييّن من السُّلطة، لكن أيضاً من القاصرين – الانتهازيّين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات