Search
728 x 90

لبنان: فتشوا عن رئاسة الجمهورية

لبنان: فتشوا عن رئاسة الجمهورية

في بلد لا يمكن ان تجد مشكلة لم تصبه خلال عام على الاقل يعود الى ذكرى انطلاقة انتفاضة 17 تشرين الاول 2019 من انهيار مالي واقتصادي الى ازمات حكومية متلاحقة فجائحة الكورونا فانفجار مرفأ بيروت وتدمير نصف العاصمة ، عادت الامور الى حيث انطلقت اي الى فشل الطبقة السياسية التي ثار اللبنانيون عليها والى رفض هذه الطبقة اجراء اي تغيير في مقاربتها وطبعا رفض التخلي عن مواقعهم.

مع البحث مجدداً في تأليف حكومة جديدة على خلفية مبادرة الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون باعتبارها النقطة الاولى نحو بدء اصلاحات تمهد لمساعدة لبنان، ثمة الكثير مما يمكن اثارته او التوقف عنده. ولكن احد ابرز وجوه الازمة تجلت في توزع مواقف الزعامات المسيحية الابرز راهناً على نحو مثير ومقلق نتيجة التنافس الخطير على موقع رئاسة الجمهورية قبل ايام من انهاء الرئيس ميشال عون السنة الرابعة من ولايته.

فالسنتان الباقيتان من اي عهد رئاسي تسجلان عادة انطلاق المعارك الرئاسية الشرسة. وهذه المعارك تتخذ وجوهاً مختلفة راهناً علماً انها كانت موجودة منذ بدء عهد عون الذي بدأ بنفسه التمهيد لأن يخلفه صهره الذي اورثه تياره السياسي اي جبران باسيل.

ففي الازمة الناشئة عن اتجاه من كتل عدة من كل الطوائف من اجل تكليف الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري تأليف الحكومة الجديدة ، اشترط رئيس الجمهورية انفتاح الحريري على باسيل في تسوية جديدة تحت طائل تطييره الاستشارات الملزمة التي كان يتعين عليه اجراءها في موعد حدده بنفسه.

هناك في شكل مؤكد عدم قبول عون استبعاد باسيل او استبعاد الاخير نفسه عن الصيغة الحكومية في بلد مفتوح على كل الاحتمالات وخوفاً من ان يؤدي الاستبعاد الى فقدان عوامل تأثير ضاغطة تفقده قدرته والبعض من الاوراق التي يملكها للتأثير في منحى الانتخابات النيابية وفرصه للانتخابات الرئاسية المقبلة.

عطّل رئيس الجمهورية الاستشارات لهذه الغاية فيما تتوالى الضربات على باسيل ولا سيما تلك التي تمثلت في تجاهل اميركي كلي له في زيارتين اساسيتين قام بهما كل من نائب وزير الخارجية الاميركية ديفيد هيل ومساعد وزير الخارجية ديفيد شينكر. فلهذا الامر دلالته المؤثرة في تجاهل من يعتبر نفسه ملك العهد او رئيس جمهورية الظل والباحث عن توجيه رسائل للولايات المتحدة عن نية العمل معها من تحت الطاولة فيما هو متحالف فوقها مع ” حزب الله” المصنف ارهابياً من الولايات المتحدة والدول الخليجية وبعض الدول الاوروبية الاساسية كبريطانيا والمانيا.

ما يزيد الطين بلة بالنسبة الى صهر رئيس الجمهورية والذي كال له سياسيون واعلاميون اتهامات بتعطيل البلد ودفعه الى المزيد من الانهيار في ظل انحدار مخيف للبنانيين نحو الفقر، ان زيارات الديبلوماسيين الاميركيين شملت منافسين اساسيين ومهمين له على الرئاسة الاولى. فهناك من جهة سليمان فرنجيه رئيس تيار المردة وحفيد الرئيس السابق للجمهورية سليمان فرنجيه. وفي منطق الحلف الرباعي الذي استحضره التيار العوني في ادبياته من اجل رفض الاكثرية الداعمة لتكليف الرئيس الحريري عوامل اساسية انه ليس حلفاً رباعياً يقوم كما في العام 2005 على طرفي الثنائية الشيعية مع سعد الحريري والزعيم الدرزي وليد جنبلاط ، بل يضم معهم سليمان فرنجيه.

فالرجل الذي هو الحليف العلني لكل من ” حزب الله” او الثنائي الشيعي والذي لا يخاصم الرئيس الحريري او الطائفة السنية يشكل نقطة ثقل في اللقاءات التي يعقدها الزوار الديبلوماسيون للبنان ولا سيما الزوار الاميركيون . اذ ان هؤلاء يدركون ان باسيل يحاول ان يبيعهم من تحت الطاولة انه يقف معهم والى جانبهم فيما يبيع ” حزب الله” من فوق الطاولة كل الدعم من اجل ان يحظى بالسلطة. وهذه لعبة غدت مكشوفة للاميركيين كما لسواهم .

وفرنجيه راهناً يبدو شريكا في الحلف الرباعي الذي يمكن اعتباره خماسياً في الواقع على نحو ينقض كلياً منطق عزل المسيحيين او استهدافهم. اذ ان حزب القوات اللبنانية برئاسة الدكتور سمير جعجع يميّز نفسه جداً عن هذا المنطق ولم يستبعده احد بل هو فضّل بملء اختياره عدم التسمية وعدم المشاركة في الحكومة العتيدة على قاعدة مطالبته بإصرار بحكومة اختصاصيين . فيما ان وجود سليمان فرنجيه في هذا الحلف الخماسي مقلق جداً بالنسبة الى رئيس التيار العوني جبران باسيل الذي يتلّمس بقوة استياء خارجياً يعبّر عنه ديبلوماسياً في رفض التعامل او الإقرار بوجود رئيسين للجمهورية في لبنان، احدهما هو رئيس الظل الذي يطلب ان يتم التعامل معه على انه كذلك. وسليمان فرنجيه الذي لا ينخرط فعلاً في كل الانقسامات الحاصلة ظاهرياً ويبتعد عن السجالات ما لم يكن تحت ظروف اضطرارية معيّنة بات يملك رصيداً سياسياً يمكن القول انه قد يكون جامعاً في مرحلة ما لدعمه للرئاسة الاولى في حال جرت في موعدها او ساهمت ظروف ما في تغيير في هذا الموعد.

وتبعا لذلك فإن وجود سليمان فرنجيه هو الاكثر ازعاجاً على الأرجح في هذا التحالف الخماسي اكثر بكثير ان لم يكن بمقدار الانزعاج من رفض الحريري الانفتاح على باسيل قبل الاستشارات النيابية في حال تكليفه لأنه، من جهة يفكك المنطق لدى التيار العوني ان هناك حلفاً ضد المسيحيين لأن هذا الامر لن يجد الصدى المطلوب كما حصل في 2005 بحيث ادى الى اكثرية حصدها الجنرال ميشال عون في الانتخابات النيابية، ومن جهة اخرى يفكك سليمان فرنجيه الحلم الرئاسي بالنسبة الى باسيل ولو انه في اعتبار غالبية عظمى من الاوساط السياسية وحتى الديبلوماسية انه يكاد يكون مستحيلا. لكن هذا لا يمنع وجود هذا الطموح ولا سيما في ظل عدم انكار باسيل في اوقات عدة سابقة. ان التعطيل الذي مارسه التيار للبلد لمدة سنتين ونصف من اجل ايصال العماد عون سيمارسه في اي وقت يراه هو مناسباً من اجل تحقيق طموحاته.
من جهة اخرى يعتقد كثر ان رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الطامح بدوره الى رئاسة الجمهورية تبعا لتفاهم معراب الذي عقده مع التيار العوني مؤمناً وصول العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية بعد خلاف دام ثلاثين عاما على قاعدة ان جعجع سيخلفه في موقع الرئاسة الاولى بدعم يبادله اياه هذا الاخير، يمانع في تكليف الحريري رئاسة اي حكومة جديدة من دون مقابل. وهذا المقابل يتمثل في حصوله على وعد بدعم الطائفة السنيّة لجعجع في الانتخابات، علماً ان الحريري ونتيجة خلافات بين الجانبين توسعت في العامين الاخيرين ليس في هذا الوارد اقله حتى الان.

وكما ان الحريري يحتفظ بمشاعر غاضبة من باسيل الذي لعب دوراً كبيراً في تفشيل الحكومات المتعاقبة برئاسة الحريري وتعطيلها ، فإن الامر ينسحب على جعجع لأسباب مختلفة فيما ان كلاً من باسيل وجعجع يعتقدان ان الحريري قد يكون اكثر ميلاً الى دعم فرنجيه باعتبار انه كان رشحه قبل العودة في اتجاه دعم ترشيح ميشال عون. وفيما يسعى جعجع الى وراثة انتفاضة 17 تشرين او تبنيّها فإنه ينافس بذلك ايضاً رئيس حزب الكتائب اللبنانية سامي الجميل الذي استقال مع نواب كتلته من مجلس النواب رفضاً لمسار الطبقة السياسية ويلقى كمعارضة دعماً الى حد ما وكذلك يشمل محوراً يهتم به الخارج ايضاً.
انها دوامة من المشكلات التي تضاف الى الكمّ الهائل من المصائب التي يواجهها اللبنانيون مع الأخذ في الاعتبار انه، لو اتيح للشعب الاختيار وليس للنواب او بالاحرى للزعامات الطائفية التي تجر وراءها كتلها وتؤثر على كتل اخرى، فإنه سيذهب حتماً في اتجاه اختيار رئيس لا يمتّ بصلة الى هذه الطبقة بالذات في ظل اسماء لامعة وناجحة جداً في الخارج تماماً كما جرى بالنسبة الى الاقتراحات الاخيرة حول رئاسة الحكومة. ولكن مع فشل تجربة كل من حسان دياب ومحاولة مصطفى اديب، ثمة تشاؤم بأن تنجح تجربة رئاسة الجمهورية كذلك، وهو امر يبشّر باحتدام شديد في السنتين المقبلتين اياً كانت الاصلاحات او الحكومات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات