Search
728 x 90

لبنان بين مشهدين، أحلاهما مر

لبنان بين مشهدين، أحلاهما مر

سيناريوهان للأزمة المالية والاقتصادية في لبنان، الاول متفائل يفترض اتخاذ الحكومة فوراً سلّة من الاجراءات الاصلاحية والضريبية… ونتائجه غير مضمونة كلياً نظراً الى ارتباطه بجملة عوامل لا يملك لبنان القدرة على التأثير فيها. اما السيناريو الثاني فأقل تفاؤلاً بكثير.

تتلقى الاسواق المالية اللبنانية ضربة تلو الاخرى تسابق الواحدة منها ما يليها ، من تعطيل للحكومة على خلفية حادثة البساتين لما يزيد على شهر واسبوع الى تخفيض تصنيف لبنان الائتماني من وكالة فيتش العالمية الى التوترات الجيوسياسية الامنية في ظل الضربات الاسرائيلية التي استهدفت حزب الله في لبنان وسوريا ورد الحزب عليها، فالعقوبات الاميركية التي ادت عملياً الى اقفال مصرف جمال ترست بنك بعد اتهامه بتسهيل تمويل “حزب الله” المصنف على قوائم الارهاب اميركيا.

وترافقت هذه الخضات المالية والامنية والسياسية مع انخفاض في اسعار سندات اليوروبوند اللبنانية الى مستويات غير مسبوقة وارتفاع كلفة التأمين على الديون السيادية الى مستويات قياسية.

وعلى رغم الصراخ والتحذيرات السياسية العالية النبرة من التداعيات التي ترتبها هذه التطورات على الواقع الاقتصادي والمالي فإن اركان الدولة تأخروا في اظهار قدرتهم على الامساك بالوضع في ظل غرقهم في توصيف الحال المالية الاقتصادية والغوص في جدل بيزنطي حول الحلول المقترحة.

وهو ما كشفه المبعوث الفرنسي بيار دوكين الذي قال في مؤتمر صحافي عقده على اثر لقاءات عقدها مع المسؤولين اللبنانيين ” ان هناك شعوراً قوياً تكوّن لديه ان الوضع الملح بات مفهوماً وواضحاً بعدما كنت اسمع في الاشهر السابقة ان هذا الوضع مألوف بالنسبة الى لبنان ويمكن الخروج منه بسهولة”.

الاستدراك الذي قام به المسؤولون اللبنانيون لمعالجة الوضع حصل في لقاء عقد لكبار المسؤولين ورؤساء الكتل النيابية في قصر بعبدا بهدف وضع خارطة طريق للمعالجة وتحملها على نحو شامل ومشترك من الجميع فيما ان المطلوب ليس المزيد من الاقتراحات ووضع الخطط بل الشروع فوراً في تنفيذ سلة من الاصلاحات الجذرية التي وحتى ان طبقت اليوم لا بد من ان تترافق مع اجراءات وخسائر ستتحملها مختلف شرائح المجتمع بدءاً من اصحاب رؤوس الاموال الكبار والمصارف وصولا الى الطبقات الفقيرة بنسب متفاوتة.

وفي حين ان لا شيء يظهر ثقة اللبنانيين ازاء مباشرة المسؤولين في تنفيذ هذه الاصلاحات او الاتفاق على توزيع اعباء التصحيح المالي فإن المبعوث الفرنسي دحض بقوة اقتناعات لدى معظم المسؤولين الكبار في الدولة بأن هناك ” حلا سيأتي على شكل معجزة، حل سحري قد يحل كل المشاكل وهذا غير موجود. وحال الانكار هذه على رغم كل المؤشرات السلبية ستدفع لبنان الى السقوط الحتمي في فترة زمنية لا تتجاوز السنة بناء على المعطيات الراهنة.

و قد أكد تقرير وكالة التصنيف الدولية “ستاندرد اند بورز” الاخير ان الاحتياطات الحالية للمصرف المركزي تكفيه للمحافظة على السعر الحالي لليرة اللبنانية مقابل الدولار لمدة لا تتعدى الاثني عشر شهرا فيما لو استمرت المؤشرات المالية والاقتصادية على حالها.

وقد اتى تقرير الوكالة رداً على استفسارات المستثمرين عن الاوضاع المالية في لبنان مما يؤشر الى تزايد المخاوف من تدهور سريع في احتياطات المصرف المركزي من العملات الاجنبية في ظل غياب النمو في الودائع المصرفية على خلفية هروب رؤوس الاموال و تراجع التحويلات الى لبنان.

وتتفاوت السيناريوات المستقبلية بين جملة خيارات تبدأ من احتواء الازمة المالية في ظل اجراءات موجعة ستطاول الجميع وصولا الى الانهيار الشامل في حال عدم الذهاب بهذا الاتجاه.

في السيناريو ” المتفائل ” تقوم الحكومة فوراً باتخاذ سلّة من الاجراءات تتضمن على سبيل المثال لا الحصر رفع تعرفة الكهرباء، فرض رسوم على استيراد السلع الكمالية للحد من النزف في ميزان المدفوعات، الاقتطاع من رواتب القطاع العام واعادة هيكلته، فرض ضرائب جديدة على البنزين ومشتقاته، ضبط المعابر البرية ومرفأ بيروت والحد من التهرب الجمركي والعديد من الاجراءات الاخرى. وقد ورد البعض منها في الشروط التي ربط المجتمع الدولي بينها وبين الافراج عن القروض الموعودة في مؤتمر سيدر على امل ان تعيد هذه الاجراءات الثقة في جدية المسؤولين في تنفيذ الاصلاحات وتخفيض عجز الموازنة، مما قد يؤدي إلى الاقبال على شراء سندات الدين اللبنانية لتمويل حاجات الحكومة وابعاد سيناريو التخلف عن السداد والى تحسن مناخ الأعمال وعكس مسار العجز في ميزان المدفوعات ووقف النزف في الاحتياطات الاجنبية للمصرف المركزي “.

وهذا التحسن في ميزان المدفوعات غير مضمون كلياً حتى في حال القيام بكل الإجراءات اللازمة لارتباطه بجملة عوامل أخرى لا يملك لبنان القدرة على التأثير فيها كالاوضاع الاقتصادية في البلدان حيث يعمل معظم الغتربين.

في السيناريو الاقل تفاؤلاً، يستمر المسؤولون بتقاذف الاتهامات والمماطلة حتى يستنفذ المصرف المركزي معظم احتياطاته الاجنبية ويضطر الى اجراءات درامية من بينها فرض قيود على تحويلات رأس المال الى خارج لبنان، مما سيؤدي حكما الى انقطاع التحويلات الى لبنان من المغتربين باستثناء التحويلات الملحة والضرورية.

وتترافق هذه القيود مع انخفاض قسري في سعر صرف الليرة مقابل الدولار وتخلف الدولة عن سداد ديونها بسبب امتناع المستثمرين المحليين والخارجيين عن الانخراط في اي نشاط تمويلي للدولة.

وسيهز هذا التخلف عن السداد القطاع المصرفي كونه يحمل والمصرف المركزي الجزء الاكبر من الديون اللبنانية وستضطر الحكومة اللبنانية الى اجراء عمليات ” قص شعر” وهي التسمية التي تطلق على الاقتطاع القسري من ودائع المودعين في المصارف بنسب تحدد في حينها.

مع العلم ان السيناريو المتفائل والسيناريو الاخر لا يأخذان في الاعتبار التدهور السريع في حال المالية للبنان من جراء اي عقوبات اميركية اضافية على المصارف او غيرها من الشركات اللبنانية او احتمال حرب بين لبنان واسرائيل على خلفية التوتر الاميركي والاسرائيلي الايراني في المنطقة، ما من شأنه ان يدفع بشكل سريع نحو الانهيار الشامل الذي سيهدد الامن الاجتماعي للبنان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات