Search
728 x 90

لبنان بين سقوط الدولة المركزية … والانتفاضة

لبنان بين سقوط الدولة المركزية … والانتفاضة

استقلالان صنعهما لبنان، قد يُهدران، إن لم تتم المبادرة الى الدَفعِ باتجاه مأسسة مقاومة تغيير هويته، وضرب بنية نظامه التعدّدي الديموقراطي، من خلال بلورة خريطة طريق ضاغطة على من يدّعي الإمساك بزِمام القرار وهماً، لإنجاز بحث معمّق في تحييد لبنان عن سياسات المحاور وإعادة هيكلة الدولة.

زياد الصائغ 

خبير في السياسات العامة واللاجئين

بالدمّ المتفاني وشهداء أنقياء أتقياء صنعنا استقلالين في الـ1943 وفي الـ2005. بالارتجال والشعبوية وسوء الإدارة والاسترسال في المسايرة السياسية الداخلية والخارجية دُسنا على الاستقلالين حتى الثّمالة. انتصرنا لدوامة رجرجة كيانية فاقت التموضع في حشرجة النظام لتستقرّ في أنين الهُويّة. يصِحّ في ما نعايشه اليوم الاعتراف بسقوط الدولة المركزية بعد تفكّكها. لن تنفع مبادرات ترقيعٍ أو استعراض قوةٍ افتراضيةٍ وهمية بأن جثة الدولة بالمستطاع انتشالها بالانعاش من دون صعقة راديكالية.

لن تستقيم انفلاتات انتِشاء القُوّة أو نتفادى مدارك منزلقاتها الانهيارية إن لم تستعِد الانتلجنسيا اللبنانية بعضاً من تحرّكها المقاوم المفتقد منذ زمن، بفعل يأسٍ وتيئيس، أو تواطؤ فانكِفاء، تَحرِّكها المقاوم لهيمنة على العقلِ والأداء في فعلٍ خبيث لم يتعلم من التاريخ، أو قُل يعتقِد أنه قادرٌ على الانتقام من فِعلِ ظُلمٍ تاريخي، بممارسة ظالمة ذات بعدٍ عقائدي بعيدٍ عن معنى المظلومية الأساسية التي واجهها.

إحترفنا نحن اللبنانيين لعبتين. الأولى قائمةٌ في إضاعة الفُرص. والثانية مقيمةٌ في عِشق النحرِ والانتحار. وفي ما بين هاتين اللعبتين افتعلنا وهمَ الصمود على أشلاء ما تبقّى من الدولة ومن دينامية هويّةٍ لبنانية نقيّة. الاستقطابات الناخرة في صميم العامود الفقري للبنان الوطن والدولة والطوائف المتلبّسة مواطنة هشّة، أجهضت كل مساحات الإنقاذ. البحث عن إمكانية خروج من مأزق الانهيار بات مُعدَم الآفاق. لكن قَدَر الأقوياء في إيمانهم بخَلقِ محاولات ترميمٍ للتصدّعات البنيوية في مسار استيلاد فرصةٍ من الأزمة الراهنة المتراكمة وغير المستجدّة، قدَرُ هؤلاء الأقوياء الانسياب في المسالك الوعرة وتجفيف منابع التوتّر فيها، بغية التغيير الجذري في مساراتها.

الترقيع والترميم على فرضِهما ذاتيهما في معادلة اللاّإنهيار، يستمرّان من صنف المؤقت الكثيف الوباء الدهري. الاعجوبة اللبنانية المسكونةُ بلعنةٍ جغرافية تحسِم الجدل في تمكّن المستدام الأساس من التعايش مع التأقلم الظرفي.

من هنا يستحيل، وفي مخيّلة بعضِ النرسيسيّين، الانهزام انتصاراً، والخلخلة حجر أساس، والاستتباع الانصهاري قوة. سقطَ توازن القوة في الحكمة عندنا لصالح شوفينيّة موازين قِوى.

في أي حال، يتبدّى التساؤل جوهرياً في هل بَعدُ من حيّز لمقاربة سرطانيّة تشليع السيادة، وتدمير الإدارة – المؤسسة، وتسيُّد الحناجر المدوّية ورفع الأصابع تهويلاً، وانعدام المنطق السياسي، واستباحة سياقات السياسات العامة، وانحلال المرجعية الأخلاقية في الشأن العام، ورحيل الضمير مستقيلاً بعدما رَذَله من ادّعوا أنهم أبناؤه وآباؤه، هل بعدُ من أملٍ استنهاض لهِممٍ يبدو أنها تستسلم للمرة الأولى منذ أرداح سوداوية؟

حتماً هناك أمل. هذا إن صمَّمنا، ومن موقع الانتلجنسيا المنتفضة بمنهجية منتِجة، وبمنأى عن العراضات الفولكلورية التسويقية، إن صمّمنا على الدَفعِ باتجاه مأسسة مقاومة تغيير هوية لبنان، وضرب بنية نظامه التعدّدي الديموقراطي، من خلال بلورة خارطة طريقٍ ضاغطة على من يدّعي الإمساك بزِمام القرار وهماً، لإنجاز بحثٍ معمّق في تحييد لبنان عن سياسات المحاور، أولاً وإعادة هيكلة الدولة اللبنانية المؤسَّسة ثانياً، والغوص في تجربة اللاّمركزية الإنمائية على كلّ المستويات ثالثاً، وإنهاء منظّم هادئ لازدواجية السلاح رابعاً.

ما نشهده في هذه الحقبة عنوانه تأييد انهيار الدولة المركزية، إما بالفساد أو بهيمنة فائِضٍ افتراضي لعسكرةٍ مؤدلجة افتراضية على المعادلة السلطوية. فهل ننتظر ثلاثين عاماً أخرى لانتفاضةٍ تكون قد تعلّمت من أخطاء الانتفاضات – التجارب المخيِّبة السابقة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات