Search
728 x 90

لبنان المشرّع على كل الاحتمالات

لبنان المشرّع على كل الاحتمالات

بعد تجميد كل المبادرات او مراوحتها مكانها، وآخرها مبادرة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، هل يمكن ان يُترك لبنان لمصيره الأسود بلا حكومة انقاذ بعدما طوى عاماً من المآسي، بدأ بالانهيار المالي والاقتصادي المضطرد ولم ينته، لا بانفجار 4 آب ولا بوقف التدقيق الجنائي وبوادره الخجولة لمحاربة الفساد، ناهيك عن استفحال فيروس كورونا؟

الكلام كثير عن “خريطة طريق انقاذية دولية” مع تزايد التكهنات والنظريات حول مبادرة دولية بعد دخول دول اوروبية على خط دعم المبادرة الفرنسية وكذلك اعلان الفاتيكان موقفاً قوياً قبل عيد الميلاد. لكن الحقيقة في مقلب آخر لأن الامر لا يتخطى الاوهام وفقاً لكل المعطيات الداخلية والمساعي للتوصل الى تشكيل حكومة.
ففي الظروف الراهنة، لا مبادرة دولية شاملة بل ليس سوى المبادرة الفرنسية على الطاولة ولا سيما في ظل مرحلة انتقالية في الولايات المتحدة تحول دون بروز هذه المبادرة نظراً لموقع الولايات المتحدة وتأثيرها. لكن الكلام عن مؤتمر دولي حول لبنان قديم، وقد طرحه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في عظة قداس الأحد في 5 تموز 2020 عندما قال: “نطلب من الدولِ الصديقةِ الإسراعَ إلى نجدة لبنان كما كانت تفعل كلما تعرّضَ لخطر. ونتوجّه إلى منظَّمة الأمم المتّحدة للعمل على إعادةِ تثبيتِ استقلالِ لبنان ووحدتِه، وتطبيق القرارات الدولية، وإعلانِ حياده.”
ثم ان المبادرة الفرنسية لم تلفظ بعد انفاسها الأخيرة كما يتراءى للبعض، لا بل، ابرز دليل على ذلك هو استمرار الاهتمام الفرنسي – وإن بوتيرة أخف من قبل – عبر ايفاد رئيس لجنة الصداقة البرلمانية الفرنسية – اللبنانية الى بيروت اخيراً ، معلناً ان ” فرنسا ملتزمة تعهداتها تجاه لبنان والمبادرة الفرنسية لا تزال قائمة” ومضيفاً ان الرئيس الفرنسي لديه “ارادة ورغبة بزيارة لبنان على ان يتم تحديد موعد جديد للزيارة وفقاً للظروف”.
الاهتمام نفسه اتى ايضاً من حاضرة الفاتيكان عبر رسالة الميلاد للبابا فرنسيس الذي توجه الى اللبنانيين قائلاً ” مثل الأرز، الذي لا تقهره العواصف، هلا استطعتم الاستفادة من تقلبات الظروف الحالية لإعادة اكتشاف هويتكم، هوية الذين يحملون إلى العالم بأسره شذا الاحترام، والعيش معا والتعددية”. كما هو توجه بصرامة الى الزعماء السياسيين والقادة الروحيين مناشداً اياهم ” وقتكم ليس مكرسا لمصالحكم، وشغلكم ليس لكم، بل للدولة وللوطن الذي تمثلونه”.
واذ كثر الكلام الاعلامي عن زيارة للبابا فرنسيس بعدما قال الأخير “انه ينوي زيارة لبنان في أقرب فرصة ممكنة”، افادت معلومات من الدوائر الفاتيكانية ان ما من تاريخ محدد لهذه الزيارة ولا برنامج لها حتى الآن، وإن كان البابا سيزور العراق في آذار 2021 في حين ان اي زيارة للبابا يتم التحضير لها قبل وقت طويل.
وكما ان المبادرة الفرنسية لم تمت، فإن مبادرة البطريرك الراعي لم تنته كذلك، لا بل هي مستمرة ويلزمها “بعض الوقت” لتتحقق… حتى لو لم يعد لبنان يملك ترف الوقت بعد اليوم. هذا على الاقل ما تحرص الدوائر القريبة من بكركي على تأكيده . فتدور في فلك هذا الاتجاه الزيارة التي قام بها الى بكركي كل من الوزير السابق غازي العريضي موفداً من رئيس اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط، والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم.
لكن يمكن القول بوضوح انه، وفي مقابل عدم فشل مبادرة بكركي ، فإن المعنيين بتشكيل الحكومة فشلوا في الإتفاق على اخراجها الى العلن بذريعة التمسك بالحصص الوزارية واللغط الدستوري الذي يتمحور حول دور كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في التشكيل في الوقت الذي يرفضون حتى اللقاء مع بعضهم، إما لأسباب شخصية داخلية وإما لأسباب خارجية. فلا يؤثر في استمراريتها اعتذار رئيس الجمهورية عن المشاركة في قداس الميلاد التقليدي في بكركي لدواع صحية، او مغادرة الرئيس الحريري الى الامارات لقضاء عطلة الاعياد مع عائلته. فقرارالراعي الجازم انه لم ولن يتوقف عن حض الافرقاء المعنيين على تشكيل حكومة سريعاً، كما على رفع الصوت نحو الدول الخارجية لتضغط عليهم، مشيراً بالإسم الى الدور الخارجي في التعطيل، اذ قال في عظة قداس الميلاد “إذا كانت أسبابُ عدم تشكيلِ الحكومةِ داخليّةً فالمصيبةُ عظيمةٌ لأنَها تَكِشفُ عدمَ المسؤوليّة، وإذا كانت أسبابُها خارجيّةً فالمصيبةُ أعظم لأنّها تَفضَحُ الولاءَ لغيرِ لبنان. أيُّ ضمير يَسمح بربطِ إنقاذ لبنان بصراعاتٍ لا علاقةَ لنا بها لا من قريبٍ ولا من بعيد؟”.
فربط مصير حكومة لبنان بروزنامات خارجية يبدو مضحكاً، وإن كان مبكياً في نتائجه، الى حد جعل الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة يان كوبيش يقول أخيراً في تغريدة له: “الوضعان الاقتصادي والمالي إضافة الى النظام المصرفي حال من الفوضى، السلم الاجتماعي بدأ بالانهيار، الأحداث الأمنية باشرت الارتفاع، الهيكل اللبناني يهتزّ، أما القادة السياسيون فينتظرون بايدن. لكن، هذا لبنان، وليس الولايات المتحدة”.
فلا موعد دخول الرئيس الاميركي الجديد الى البيت الابيض في 20 كانون الثاني 2021 سيجعل الانهيار الاقتصادي والمالي والمصرفي يتوقف، ولا موعد انتخاب رئيس ايراني جديد في 18 حزيران 2021 سيجعل الهيكل اللبناني ينتصب مجدداً.
اما اذا كان الهدف من المماطلة في التشكيل السعي الى التوصل الى “مؤتمر تأسيسي” او اي شكل من اشكال تغيير النظام اللبناني المعهود، فهو امر ترفضه غالبية الافرقاء السياسيين في ظل ما تعتبره “السلاح غير الشرعي”. وهذا ما اكده البطريرك الراعي حين قال في 20 ايلول 2020 “لسنا مستعدّين أن نبحث تعديل النظام قبل أن تدخل كل المكونات في كنف الشرعية وتتخلى عن مشاريعها الخاصة، ولا تعديل في الدولة في ظل الدويلات أو الجمهوريات. أي فائدة من تعديل النظام في ظل هيمنة السلاح المتفلت غير الشرعي، سواء أكان يحمله لبنانيون أم غيرهم؟”
فالتعديل هذا لن يحصل الا في كنف مؤتمر دولي يفرض الحل من دون اي يكون للسلاح غير الشرعي اي دور في مستقبل لبنان – يؤكد اكثر من متابع للوضع. لكن هذا ستكون له شروطه وظروفه الخاصة غير المتوافرة اليوم.
فمن يملك مفتاح الحل على الأرض، إن كان هناك من حل اليوم، فإنه مرجح في اتجاهين: اما بقوة سلاح حزب الله، وهذا سيتطلب حرباً اهلية جديدة، وإما بقوة سلاح القوى الشرعية، وهذا يتطلب ارادة عسكرية داخلية وغطاء دولياً غير متوافرين ايضاً.
لذا، في ظل هذه المعطيات الضبابية، يبدو حاضر لبنان ومستقبله مشرّعين نحو المجهول حيث كل الاحتمالات واردة، من اللامركزية الموسعة، الى الفدرالية… وصولاً الى التقسيم الذي ترى بعض الاوساط انه قد يطلّ برأسه في حال بقي السلاح غير الشرعي من دون ضوابط ويخدم أجندات خارجية باتت معروفة.
فلبنان اليوم يبدو كالمريض الذي تتدهور حالته، وما من حيلة في يد اهله او طبيبه لوقف هذا التدهور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات