Search
728 x 90

لبنان اللامنهجيّ وسويسرا الذكيّة!

لبنان اللامنهجيّ وسويسرا الذكيّة!

لبنان يفتقد لمعايير الإدارة الحكيمة قبل أن تكون رشيدة. وأخطر ما في هذا الافتقاد محاولة تسويق أن في اللامنهجيّة المعتمدة لتقويم الإعوجاجات الكثير من الإبداع الوقائي ولو متأخراً من زلازل اقتصادية – اجتماعية. 

برن – زياد الصائغ 

خبير في السياسات العامة واللاجئين

الشعوب تحيا من ذاكرة تاريخها الجماعي وتتّعِظ. لا مناص من انهياراتٍ تاريخيّة. المأزق يكمُن حين الاعتياد على توسيع البنية التحتيّة لهذه الانهيارات عِوضاً عن تشكيل دعاماتِ ثباتٍ في مواجهتها. تثبيت دعاماتِ المواجهة يحتاج أكثر من الرؤية وأبعد من الشعار. المنهجيّة الذكيّة تؤسِّس لدُول جديّة. ليست هذه هي الحال عندنا، وعلى الأرجح لن تكون، في المدى المنظور أقلّه. لا تعنيني مقولات القوّة هنا وثمّة، ولا فائضها، وحتماً ليس من أفقٍ لمن صنَّف ذاته مُبلوِراً مساراً آخر في المقبل إلينا من الأيام. استنقعتنا الخيارات اللامنهجيّة في لبنان. أفهم أحياناً أن تُحرِّكنا، فوالق الأزمات. لكن أن نُمسي من مفتعليها، بسبب من سوءِ تقدير أو انعدام حِكمة، يشكّل في العمق إهانةٍ لذكاءٍ لا تفتقده الكفاءات اللبنانية على امتداد العالم، وحتماً على امتداد ساحلنا، وجبلنا وداخلنا. رديءٌ الزمن الذين نعيش فيه حتى ثمالة التفاهة.

ما يفرِض الرداءة والتفاهة كثافةٌ من رتابةٍ آنية استنفرت لتُنجِز تقشّفاً وترميماً لأنظومة باذخة مشلّعة. ليس في الاستنفار أبعد من مشهديّة تراجيديّة. هل يمكن لأحد أن يُبرّر معادلة التقشّف والترميم، والتِصاقاً به مكافحة الفساد وإنجاز اصلاحاتٍ بنيوية، لأننا على شفير الهاوية؟ هو شفير الهاوية استفزّ في من يحكمنا نسق التغيير، في حين أن أدنى ما يجب أن نرمي اليه معاً، تقشفاً وترميماً واصلاحاتٍ بنيوية، لا يستقيم من دون انخراطه في سياقات استعادة فلسفة الدولة، أكثر منه انحيازه لرزمة اجراءاتٍ محاسبتية لحماية ما تبقّى من مواقع نفوذٍ واهمة وموهومة.

محصّلة ما نحن في صميمه افتقادٌ لمعايير الإدارة الحكيمة قبل أن تكون رشيدة. وأخطر ما في هذا الافتقاد محاولة تسويق أن في اللامنهجيّة المعتمدة لتقويم الإعوجاجات، الكثير من الإبداع الوقائي ولو متأخراً من زلازل اقتصادية – اجتماعية بدأت على شكل هزّات ارتداديّة لانفصاماتٍ جيولوجية في طبيعة اللامنهجية ذاتها التي ذكرنا. ثم إن الارتكاز الى دفعٍ تهويلي بضياع فرصةٍ بناها المجتمع الدولي لاستمرار قناعته بأن لبنان يستأهل الإنقاذ، هذا الارتكاز هشٌ، إذ يكفي الاصغاء الى ما يهمس به كتّابٌ وأكاديميّون من هذا المجتمع الدولي، والإشارة هنا لا تمتّ بأي صلةٍ الى نهج المصادر أو التسريبات، بل هي في صميم الحيّز الثقافي الدولي، يكفي الإصغاء الى أسَفهم من استرسالنا في نحر النموذجيّة المفترض كان أن نحافظ عليها. بل هم يذهبون أبعد من ذلك في انتفاضة على مقولة أن لا إمكان للتصويب والتصحيح، ليحضّوا على البحث عن دينامية جديدة تتجاوز التطويع التخديري الذي نجحت مواقع النفوذ في تأبيد خياراته الفائقة الذكاء في الإبقاء على شكل دولة وتجويف مقوّماتها من دون هوادة. الشكل هو الأهم. النواة الصلبة أكسسوارٌ في فِعل الكينونة الدولتيّة (Existence Etatique). لم يفقِد بعضٌ من هؤلاء الكُتّاب والأكاديميين الأمل، لكن منسوب الحذر عندهم من إمكان ابتداع فاعليّة لأي ديناميّة جديدة، ارتفع الى حدّ تأكّدهم من فوضى ستجتاح أي ديناميّة. كلّ المؤشّرات تحكي ذلك.

من بين هذه المؤشّرات ما اصطلِح على تسميته بتخفيض عجز الموازنة، وما يقابل مقترحات التخفيض من نقمةٍ شعبية. المقترحات مرتجلة ولا رؤية اقتصادية – اجتماعية فيها. والنقمة مرتجلة لأن لا بحث في البدائل. حِلف الارتجاليين يغتال الآفاق الانقاذيّة. العقل المحاسباتيّ والكلّ شريكٌ فيه من دون استثناء هو من انجاز اللاتخطيط. ليس إشارتي الى هذا العقل لتُحيِّد فلسفة ضاربة الجذور في سُرعة الكسب، وسُرعة التذمّر، وسُرعة التدحرج، وادّعاء متانة الصمود. الريزيليانس (Resilience) عندنا افتراضية، وواهية الخيوط العنكبوتية، على تعقيداتٍ تحالفيّة أدّت الى مأساة المشتركات. حمى الله لبنان.

****************************

سويسرا بَنت دولة ذكيّة بمنهجيّة علميّة. هناك يصحّ الحديث عن نموذجية في إدارة التنوّع. هناك الفاعلية والإنتاجية في فِعل حيادٍ صُلب. هناك خيارات الناس مبنيّة على معطيات مستدامة. هناك الديبلوماسيّة مقرٌ عالمي لحوار الحضارات والأديان. بعد 250 عاماً من الحروب نهضت سويسرا قويّة. القوة عندها حِكمة. والجيوبوليتيك الصعب حوّلته قدرة إيجابية.

لم نكن يوماً سوى بحثاً عن الهناك. أخطأ من شبّهنا بسويسرا. اليأس مع ذلك ممنوع. إنه زمن العمل والمعتلون المنابر يجب أن يقبلوا بإلحاح الصمت كُرمى للحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات