Search
728 x 90

لبنان إلى أين بعد المئوية الأولى

لبنان إلى أين بعد المئوية الأولى

يختتم الدكتور داود الصايغ كتابه الصادر عن دار سائر المشرق تحت عنوان ” لبنان االكبير في المئوية الاولى : بيت من دون سياج” بنبرة تفاؤلية منبثقة من ايمانه العميق بلبنان كوطن يمر بصعوبات جمة ويواجه تحديات كثيرة ولكنه سينتصر عليها كما حصل في الماضي البعيد والماضي الحديث ايضا.

داود الصايغ *

في ضوء هذا الماضي هل بالمستطاع رؤية المستقبل؟ الآباء المؤسّسون أسّسوا ثم مضوا بعد ذلك إلى وجه الله وسلامه. إنهم أرسوا وعمّروا وتركوا الأمانة بين أيدي الورثاء المتتاليين، حتى وصلنا إلى اليوم، إلى الذكرى الأولى لولادة الكيان.
تُراهم يطلّون علينا، هؤلاء الكبار من عليائهم -كون البنّائين لا يقيمون عادةً سوى في الأماكن العالية- ليطرحوا علينا السؤال الأساسي وهو: هل كنتم على قدر الأمانة؟ هل تحصّن الوطن معكم؟ هل زادت المنعة بين أبنائه؟ هل كنتم أوفياء للأصول؟ هل رفعتم البنيان؟ أم بقيتم واقفين على مرحلة التأسيس؟ وبكلمة، ماذا أنجزتم بعدنا؟ من منكم بإمكانه أمام التاريخ أن يقول إنه أنجز، وزاد على أحجار البناء، هل ارتفعتم معها؟ وهل كنتم كبارًا على صورة لبنان الكبير؟ هل نجحتهم في إقفال الأبواب على لبنان وحراسته بصورةٍ مشدّدة؟
من بين هؤلاء الكبار يُطلّ علينا البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير ليروي لنا مرّةً أخرى على طريقته البارعة والمبسّطة في آن تلك الطرفة المعبّرة: “في سابق الأيام لم يكن لحرش إهدن من سياج وعند المساء، كانت الأحصنة تتجمّع ورؤوس بعضها إلى البعض الآخر، مجتمعةً في دائرةٍ واحدة. لا تنظر إلى الخارج مع اقتراب المساء وأخطار الليل.” فهل تجمّعت رؤوس بعضكم إلى البعض الآخر، والأخطار من حولكم وحواليكم. أم زال بعضها يتطلّع إلى الخارج؟
كلّا. إنها لم تتجمّع. لم تجتمع. لم تجتمع كلّها بعد، بالرغم من أن الكيان تهدّد، ولا يزال، تهدّد من ناحيتين إثنتين: الأولى هي السماح بالعبث فيه وبأمنه وبوحدته وبجعله ساحةً للحروب، ولتحقيق المصالح، وبجعله رهينةً لصراعات المنطقة، حين امتدّت أكثر من يدٍ مخرّبة إليه. وهذا هو عنصرٌ أساسي في الخراب الذي بدأ يتهدّده منذ خريف السبعينات في القرن الماضي، تاريخ انتقال الثورة الفلسطينية كلّها بكامل أعدادها وأعتدتها إلى لبنان، حتى بداية الحروب ثم السنوات الستة عشرة منها، وأوزار الوصاية السورية وتبعاتها حتى بعد انسحاب جيشها من لبنان في نيسان 2005. ولكن أيضًا بعد خراب سوريا نفسها ونزوح أكثر من مليون ونصف المليون من سكّانها إلى لبنان، فضلًا عن استمرار تدخّل نظامها في الشأن اللبناني بصورةٍ سافرة ومباشرة، أو عبر ذلك المحور القاتل بالنسبة إلى لبنان وهو الإيراني-السوري-حزب الله، الذي هو نقيض كلّ ما يمثّل.
ولكن من ناحيةٍ ثانية، وبصورةٍ منفصلة عن هذه التدخّلات الخارجية المعروفة، فإن للحكّام والسياسيين مسؤوليات واضحة في تردّي الأوضاع التي وصل إليها لبنان في السنوات الأخيرة.
فمن بين الشعارات العديدة التي رفعها ثوار خريف 2019، وحده شعار الإصلاح يمكنه أن يتحقّق، ويجب أن يتحقّق. وهو كافٍ في الوقت الحاضر. فضلًا عن أنه يلتقي مع المطالب الدولية الشاملة والملحّة.
فالشرط الأول للإصلاح هو تعطيل الزبائنية في التعيينات القضائية والإدارية، وقد شاهدنا كيف تعطّل إصدار مرسوم التشكيلات القضائية. وكان قد سبق ذلك إرجاء إقرار تعييناتٍ مالية مهمّة في المصرف المركزي، فحصلت تجاذبات سياسية واضحة، اضطرّت الحكومة على إثرها تأجيل هذه التعيينات. مثلان معبّران، من بين المئات على طول السنوات السابقة للدلالة على أن ذلك لا علاقة له بوجود قوّةٍ مسلّحة في لبنان. إنه نتيجة الجشع والجوع السياسي من قبل السياسيين في تعيين الموالين لهم في هذه المناصب الحسّاسة، على حساب الكفاءة والاستقامة. وهذا ما ظهر بصورةٍ متزايدة بعد عام 2015، حين فهم البعض أن التسوية السياسية التي قضت بانتخاب العماد ميشال رئيسًا للجمهورية عام 2016، تعني ليس سدّ الفراغ القاتل، بل وضع محاولة نهجٍ سياسي للمستقبل، على أساس الاستمرارية عبر طموحاتٍ رئاسية وسياسية، تجاوزت مختلف المصالح الأخرى، ما دام الحليف الأساسي أي حزب الله قد رضي بهذه التسوية، لا بل إنه مهّد لها بصورةٍ أساسية، كون الخيار الاستراتيجي الخارجي مؤمّنًا له. إذ لا مانع بعد ذلك من ترك شؤون الداخل لمن لهم طموحاتٍ معلنة فيها، وبخاصةٍ في الصراع المسيحي-المسيحي الذي أرهق -كما تقدّم- ليس المكوّنات المسيحية فحسب، بل لبنان بأسره.
وعلى سبيل المثال، وأثناء المفاوضات الطويلة التي أدّت إلى تأليف حكومة الرئيس سعد الحريري إثر انتخابات أيار 2018، وبعد خمسة أشهر من التفاوض بين التيّار الوطني الحرّ والقوّات اللبنانية أطلّ مسؤول حزبي كبير، وقال بما معناه: “الآن جاء دورنا…” وهكذا وُلد “اللقاء التشاوري” السنّي كما وًلدت كتلة النائب طلال إرسلان، مما استغرق ثلاثة أشهرٍ إضافية لتأليف الحكومة، التي لم تبصر النور سوى في 31 كانون الثاني عام 2019 أي بعد ثمانية أشهر من الانتخابات والتكليف.
وبالتالي، من المسؤول عن عرقلة الإصلاح، أو عن تحقيق ما يمكن إصلاحه؟ فصون استقلالية القضاء هو عملية لا يمكن أن تُنسب عرقلتها إلى جهات خارجية، ما دامت المحاصصات واضحة ومعروفة، من خلال الممسكين بالقرار السياسي الداخلي على مستوى ممارسة الحكم، وإن لم يكن ذلك على مستوى ممارسة السيادة ككلّ. وهو موضوعٌ آخر. وكذلك بالنسبة إلى سائر الوسائل الإصلاحية من تعزيز أجهزة الرقابة. ثم المحاسبة، والمحاسبة وليس غيرها.
ففي ظل الأوضاع الإقليمية الراهنة، وفي ظلّ الصراعات التي لا يُعرف مصيرها، يلجأ لبنان إلى نفسه، ونفسه قوية، أو يُفترض أن تكون قوية بالأقوياء من المسؤولين تحديدًا. وقد ثبت أنهم ليسوا أقوياء سوى على منافسيهم السياسيين. هنا يبدو جليًا كم أن الفرصة هُدرت، هُدرت على الصراع وليس على الإصلاح، وكلّ ما يستتبعه في الميادين المرتبطة به والتي هرب المسؤولون من مواجهتها، وردّوا المسؤوليات إلى السنوات السابقة. ولكن الأوطان استمرار. لبنان ليس مرحلةً عابرة على صورة بعض المسؤولين الذين تبوّؤا المراكز على طول السنوات وحتى اليوم. لبنان الحقيقي، لبنان الآخر، هو في مكانٍ آخر. ولكن المأساة أن اللبنانيين يعيشون في نظام حكمٍ معيّن، لعلّهم مسؤولون عن استمراره أو استمرار سوء الممارسة فيه، بقدر مسؤولية الذين وصلوا من دون أن يحاسبوا أو أن يحاسب أحدٌ منهم حتى الآن.
ماذا عن الغد؟ ليس هنالك من خبراء في المستقبل. فالمستقبل هو من صنع الحاضر، من صنع المخطّطين، من صنع الرؤيويين. وقد غابوا عن المشهد، لأنه، بعد المؤسّسين في زمن الاستقلال، وبعد فؤاد شهاب وما أنجز ومن ثم بعد رفيق الحريري وما أنجز، لم تكبر الكراسي بالوافدين إليها، بالغالب. إنهم كانوا على قدر همومهم هم، ولكن ليس على قدر هموم الوطن.
هل أن ذلك يعني الاستسلام؟ كلّا. بالطبع. وإن ثورة تشرين الأول 2019 لم تعطِ بعد كلّ ثمارها. إذ دلّت تجارب التغيير على أن حركات التغيير تأخذ وقتها. والزمان طويل، كما يقال في المآتم اللبنانية.

• داود الصايغ دكتور دولة في الحقوق من جامعة السوربون، وصاحب نشاطات متعددة في الحقل العام. صدر له عن دار النهار: النظام اللبناني في ثوابته وتحولاته (2000)، لبنان والعالم بين الدوروالضرورة(2002) لبنان ثورة الحرية الدائمة(2011)، ومن بين لبنان وسوريا(2012)، وعن دار سائر المشرق: وجه لبنان في عواصف الشرق (2018).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات