Search
728 x 90

لبنان :آخر تجارب “التعايش” السلطوي ام النظام ؟

لبنان :آخر تجارب “التعايش” السلطوي ام النظام ؟

قد لا يكون ثمة مغالاة في نظر الكثير من المراقبين السياسيين وأصحاب الخبرة والمراس الواسع في رصد الواقع اللبناني إن هم نظروا الى التجربة السلطوية والحكومية قيد البدء مجدداً مع سعي رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري الى تشكيل حكومته بالتوافق مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والقوى السياسية الأساسية الى تأليف حكومة يسميها بحكومة الفرصة الأخيرة لإنقاذ لبنان من الانهيار.

من الناحية المتصلة بواقع الازمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والصحية التي يرزح تحتها لبنان في أسوأ ما يمكن تصور مصير بلد تجاوزت مديونته الثمانين مليار دولار فإن الفرصة الأخيرة هي امر واقع يفرض على حكومة الحريري ان ولدت واي حكومة أخرى محتملة سواها تتشكل في هذا التوقيت وهذه الظروف .

اذن الامر لا يحتمل جدلاً في ان تقف الدولة اللبنانية برمتها بدءاً برئيس الجمهورية الذي لا احد يدري كيف سيحيي في نهاية الشهر الحالي بدء السنة الخامسة من ولايته ولبنان بهذه الأحوال المخيفة في عهده، مروراً بكل الطبقة السياسية وانتهاء بأي دائرة امام ساعة الحقيقة التي تنذر بسوء المصير ما لم تفرمل الاندفاعات نحو الانهيار الكبير في كل شيء .

ولكن ما يطرح في خلفية المشهد الناشئ بعد اضطرار رئيس الجمهورية الى التسليم بعودة الرئيس سعد الحريري الى سدّة الرئاسة الثالثة بتوافق تام مع رئيس مجلس النواب نبيه بري بل بدفع قوي لافت من الأخير لاعادة الحريري، هو مصير النظام الدستوري برمته في حال اخفاق التجربة الجديدة سواء في مرحلة تأليف الحكومة او بعد تأليفها من خلال مسار التعايش السلبي بين رئيسي الجمهورية والحكومة . والحال ان الشك الاستباقي في هذا الافتراض يغدو ضرورياً ومشروعاً لأن عوامل ترجيح كفة التعايش السلبي بين عون والحريري لا تزال تتفوق بكثير على العوامل الإيجابية المحتملة ولو ساد المشهد السياسي بعد تكليف الحريري وبدء لقاءات التشاور بينه وبين عون مؤشرات انفتاح عممت اجراء تفاؤلية نسبية في البلاد .

فهذه المؤشرات لا يبنى عليها في أي حسابات جادة حتى لو حصل تأليف الحكومة في فترة سريعة قياسية . العمق الذي يملي النظر الى تجربة الحكومة الجديدة اذا شُكلت ينطلق من عاملين : العامل الأول بدء معركة رئاسة الجمهورية “تحت الطاولات” مع بدء العد العكسي لنهاية العهد العوني بعد سنتين وهو أساساً امر طبيعي في لبنان اذ غالباً ما تنطلق الحسابات والمناورات السياسية لمعارك رئاسة الجمهورية قبل سنتين واكثر من نهاية العهد، فكيف مع تجربة العهد العوني وصهره النائب جبران باسيل الذي يستميت عون “لتوريثه” الرئاسة ؟ ولم يكن خافياً اطلاقاً ان حسابات المعركة الرئاسية انسحبت على كل الافرقاء في مجريات عملية تكليف الحريري تأليف الحكومة الجديدة ولا سيما لدى الافرقاء المسيحيين وتوزّع تموضعاتهم ومواقفهم التي لم تتأثر بعوامل الازمة الداخلية المستفحلة بقدر ما تحكمت فيها حسابات التطلع الى افق المعركة الرئاسية المقبلة .

وقفت القوات اللبنانية بكل حزم ضد عودة الحريري تماماً كما وقف خصمها اللدود التيار الوطني الحر ضد هذه العودة فيما الصراع يعود على اشدّه بين التيارين الأكبرين لدى المسيحيين وكأن كل ما صنعه تفاهم معراب الذي كان من عوامل وصول عون الى الرئاسة تبخر تماما . اما المنافس الثالث التقليدي للقوات والتيار العوني أي سليمان فرنجية فوقف منذ اللحظة الأولى مع الحريري بكل حزم أيضاً بما فاقم وسيفاقم العدوانية العونية والقواتية مع الحريري في الطالع من الزمن لأن الحريري لا يخفي انحيازه الى فرنجية من الأساس فكيف بعد الان ؟
اما العامل الثاني فهو تأثير أي تسوية محتملة يقوم بها الحريري مع “حزب الله” على مسار حكومته في ظل الإدارة الأميركية التي ستنتخب في الثالث من تشرين الثاني المقبل . وطبيعي ان ينتظر هذا السؤال فوز ترامب مجدداً او فوز بايدن عليه على رغم استبعاد نشوء تغييرات جذرية في السياسات الأميركية حيال لبنان بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي .
اذا وسط هذا المناخ ستبدأ تجربة حكومة الحريري في السنة الخامسة من عهد الرئيس عون بما قد يصعب معه تماماً رسم أي سيناريو واضح ودقيق وعلمي للتطورات وانتظار الكيمياء السياسية الناشئة عن مجريات عودة الحريري . ولأن الوضع الداخلي بلغ حدوداً من الازمات والكوارث لا يصحّ معها ان تقاس بتجارب سابقة فإن المخاوف الكبيرة على النظام ستكبر وتتضخم كلما اهتزّت السلطة والبلاد في مرحلة العدّ العكسي لاختبار تجربة الحكومة الجديدة في انتشال لبنان من الهاوية كما في العد العكسي لنهاية العهد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات