Search
728 x 90

لا فرصة لرئيس قوي بعد الان 

لا فرصة لرئيس قوي بعد الان 

على ابواب السنة الرابعة من العهد، احداث وتطورات كثيرة تثير علامات استفهام كبيرة حول المرحلة المقبلة، ولا سيما بعدما خسر رئيس الجمهورية دعم افرقاء اساسيين من المسيحيين، كما من الدروز والسنّة. فهل لا تزال فرصة لـ”رئيس قوي” بعد اليوم؟

احد ابرز الجوانب التي لم تتظهر بعد للازمة السياسية التي انفجرت في لبنان في 17 تشرين الاول الماضي ليس ما يتصل بالحكومة او بالانهيار المالي والاقتصادي فحسب بل ما سيكون عليه الوضع في ما تبقى من ولاية الرئيس ميشال عون وموقع الرئاسة الاولى ما بعد انتهاء ولايته.

ومع ان كثراً توقعوا مساراً مضطرباً لولاية الرئيس الذي اسس تياراً سمي في 2005 لدى عودته من المنفى الباريسي الذي ابعد اليه بعد اطاحته كرئيس للحكومة الانتقالية من النظام السوري الذي احتل ما تبقى من لبنان في العام 1989، بأنه تسونامي نسبة الى الموجة الجارفة للواقع السياسي ، فإن احداً لم يتوقع بالتأكيد احداثاً وتطورات تثير علامات استفهام كبيرة حول المرحلة المقبلة.

فالجنرال الذي عُرف بهذه الصفة طويلا كان دوماً صدامياً ولم يتوقع احد ان اداءه سيكون مختلفاً حتى لو انه لم يعتمد المقاربات الاعلامية نفسها التي كان يعتمدها في السابق بسبب موقعه الرئاسي.

وتجزم اوساط سياسية وديبلوماسية بأمر مؤكد وشبه حاسم حتى لو ان لا شيء يمكن ان يحسم في السياسة الا وهو نهاية ما عرف بالرئيس القوي مع سعي عون في الاعوام الاخيرة قبل وصوله الى الرئاسة وبعدها لان يحظى بهذا الموقع بصفته ” الرئيس القوي”. اذ لم يعد من مجال في الواقع لتسويق هذا الشعار على خلفية جملة اعتبارات في مقدمها انه تبين ان هذا التوصيف كان في غير محله واكبر من مضمونه نتيجة انكفاء رئيس الجمهورية عن الاضطلاع بكل ما يتصل بمهام الرئاسة لمصلحة اتاحة الفرصة امام رئيس التيار العوني الذي خلفه في هذا المنصب، وهو صهره جبران باسيل، لكي يمارس الجزء الاكبر من هذه المهام.

وهو امر كفل له اعتراضات من كل الطوائف الى حد غدا شهيراً المثل الذي اعطاه رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع لدى مراجعته الرئيس عون بأي امر فيحيله الاخير على مراجعة باسيل . والمثل كان ” قوم بوس تيريز” وهي عبارة عن اغنية ساخرة خفيفة تدليلا على اعادة الامور او احالتها الى منطق وحيد او يتيم يستند الى توكيل عون صهره التعاطي مع الافرقاء السياسيين وحتى القيام بدوره في ما يتعلق بأعمال مجلس الوزراء، ما كفل لاحقا تمرد رئيس الحكومة سعد الحريري على احتمال اعادة توزير جبران باسيل لدى اعلان استقالة حكومته واحتمال اعادة تكليفه بأخرى.

وعبارة الرئيس القوي بدت بالنسبة الى الداخل فارغة من مضمونها بعد ثلاثة اعوام تماماً على بدء ولاية عون على خلفية الشعارات التي رفعها على مدى اعوام طويلة من الطموح للرئاسة الاولى والعمل من اجل الوصول اليها حتى لو ان هناك تحميلاً مستمراً لمسؤولية التدهور الاقتصادي لسياسات اعتمدت منذ بدء تنفيذ اتفاق الطائف بمعنى تحميلها الى الرئيس الراحل رفيق الحريري والحكومات المتتالية والتي كانت تعود رئاستها الى مقربين منه وصولا الى ابنه ايضاً.

لكن المسار الانهياري كان واضحاً قبل وصول الرئيس عون علماً انه شارك مع ” حزب الله” في استمرار الفراغ الرئاسي في موقع رئاسة الجمهورية لمدة عامين ونصف العام، ما كلّف الاقتصاد اللبناني تكاليف باهظة، وكذلك الامر بالنسبة الى تولي تياره وزارة الطاقة التي تسببت ولا تزال بما يقارب من 40 مليار دولار من استنزاف خزينة الدولة وتالياً من الدين العام الذي قارب 100 مليار دولار. وهو ما كبّله في الواقع عن القيام بأي خطوة اصلاحية ما دامت لم تبدأ بملف استنزافي الى هذا الحد.

وبالنسبة الى الخارج لم تتم الاستفادة من مفهوم الرئيس القوي من اجل وضع لبنان على سكة الحياد الايجابي في ظل العواصف التي تجتاح المنطقة. فالرئيس القوي كان عنواناً لامكان استخدام الرئيس عون الضمانة التي يشكلها بالنسبة الى ” حزب الله” نتيجة التحالف الاستراتيجي بينهما وفقاً لورقة التفاهم التي وقعت بين الجانبين في العام 2006 من اجل لبننة الحزب بعض الشيء او على صعيد إقامة علاقات متوازنة مع الدول العربية والخليجية .اذ كان يفترض بموقع الرئاسة الأولى منع اَي انحرافات في الموقف اللبناني الرسمي الذي يعبر عنه وزير الخارجية الذي هو صهر الرئيس عون لكن هذا الامر لم يحصل . وهو امر كان من نتيجته حرمان لبنان الدعم الخليجي المالي علماً ان لذلك اعتبارات اخرى تتصل بانشغالات الدول التي تملك قدرات على الدعم المادي بمسائل اخرى كاليمن والعراق وسوريا وليبيا والى ما ذلك. اذ ان الانتفاضات في الدول العربية فرضت اولويات مغايرة ولم تعد المملكة العربية السعودية تعتمد على مد يد المساعدة كما كانت تفعل منذ العام 2014.

الا ان هذا لا ينفي ان الغياب العربي السياحي ايضاً كان من مفاعيل مواقف من جانب ” حزب الله” الذي لم يلتزم اصول احترام عزم الرئيس عون حليفه على بناء الدولة.

فحين تكون هناك ثغرة اساسية كبيرة في الواقع السياسي يصعب بعد ذلك فرض هيبة الرئيس القوي على الواقع الاخر ككل اقتصادياً وانمائياً واجتماعياً خصوصاً ان مآخذ كبيرة اخذت على رئاسة عون الاهتمام المبالغ فيه في الاستحواذ على المراكز والمواقع ليس المسيحية فحسب بل مد اليد الى محاولة التأثير او اختراق الطائفتين السنية والدرزية.

والنماذج كثيرة في هذا الاطار من دون التوقف عندها طويلا لكن مؤداها ان رئيس الجمهورية ومع انطلاق السنة الرابعة من عهده وحتى قبل انطلاق الانتفاضة في 17 تشرين الاول الماضي كان خسر دعم افرقاء اساسيين من المسيحيين كحزب الكتائب والقوات اللبنانية الى جانب تيار المردة.

وكان خسر الطائفة الدرزية مع حادثة قبرشمون التي كان لسياسة التيار الاثر الاكبر في احداث شرخ مع الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط فيما الشرخ الاكبر حصل مع الطرف الاساسي الاخر للتسوية الرئاسية التي اوصلت عون الى الرئاسة وهو الرئيس سعد الحريري.

وفي ظل الكباش الاميركي الايراني الذي يجد ترجمته بقوة في لبنان في الوقت الذي كان صعباً التسليم برئاسة عون من الخارج كونه كان المرشح الاساسي لحزب الله ، فإن الكلفة كانت باهظة جداً على لبنان حتى لو لم تتضح بعد هذه الكلفة كلياً. لكن مؤشراتها واضحة ولم يعد يمكن تجاهلها مع توقعات سلبية جدًا لا بل خطيرة للبنان في السنوات وليس الاشهر المقبلة فحسب. وقد يكون من الظلم حصر ما يجري برئاسة عون باعتبار ان هناك اعتبارات وتراكمات كثيرة سابقة وتطورات حالية تساهم في ذلك، لكن انتظاره 30 عاما ليكون رئيساً لم تتم ترجمته عملانياً بما يوازي طموح تحقيق بناء الدولة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات