Search
728 x 90

” لا شيكات على بياض ولا انقاذ اقتصاديا ”  

” لا شيكات على بياض ولا انقاذ اقتصاديا ”  

في اشد المراحل خطورة ابان الحرب وما بعدها، لم يعرف لبنان انهياراً اقتصادياً ومالياً على النحو الذي بات يشهده الوضع الراهن . فالانهيار، وفقاً لما يخشاه كثر، قد يكون السبيل لايجاد حلول لعجز عن الاصلاح.

تلقى المسؤولون اللبنانيون في الاونة الاخيرة مختصراً مفيداً بهذه العبارة التي شكلت رسائل قوية اقل ما يمكن القول فيها انها الاشد صراحة ووضوحاً بحيث لا تحتمل اي لبس حيال ما يتوجب على الافرقاء السياسيين والاكثرية في السلطة القيام به بعد انفجار انتفاضة شعبية ضد الطبقة السياسية ورفضاً للفساد والهدر اللذين يتميز بهما اهل السلطة في لبنان.

فمجموعة الدعم الدولي التي تضم الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في الامم المتحدة الى جانب الاتحاد الاوروبي وجامعة الدول العربية والدول العربية المؤثرة، اجتمعت في باريس بناء على دعوة من فرنسا للبحث في ازمة الانهيار الاقتصادي والمالي في لبنان.

كان الاجتماع في حد ذاته تعبيراً عن مدى الحاجة الى توجيه رسالة ملحة وقوية للبنان في ظل ارتباك اصاب اهل السلطة بعد انطلاق الانتفاضة ضدهم والعجز عن القدرة على السير بالاصلاحات المطلوبة للانقاذ من المزيد من الانهيار. وهذه الرسالة مفادها ان المجتمع الدولي لن يساعد لبنان وعلى هذا الاخير ان يحسم موقفه وموقعه .

فصحيح ان لا كلام على خيارات لبنان السياسية ورد في موضوع اجتماع مجموعة الدعم الدولية لكن النأي بالنفس كان ولا يزال اساسياً في خضم حاجة لبنان الماسة الى مليارات تضخ في خزينته لن يكون في استطاعة احد توفيرها بالمقدار الذي يحتاجه لبنان الا من خلال طرفين اساسيين هما دول الخليج العربي التي سبق ان امتنعت عن تقديم الدعم منذ زمن نتيجة تماهي لبنان الرسمي بسياسته الخارجية التي يعبر عنها الحليف المسيحي ل” حزب الله” مع المحور الايراني الذي يمثله هذا الطرف، ومعهم الاميركيين الذين لا يخفون شروطهم من اجل التضييق على هذا الاخير ومنع سيطرته على القرار اللبناني وصندوق النقد الدولي.

واحتمال اللجوء الى هذا الاخير يثير جدلاً مكتوما ًباعتبار انه خيار محتمل قد تتخذه الحكومة المقبلة فيما ان الافرقاء السياسيين يمانعون عملياً في الخضوع لشروطه التي يعتبرونها وصاية دولية على لبنان من جهة كما يرفضون هذه الشروط التي تضيق عليهم هامش الاستفادة القصوى من مقدرات الدولة ومرافقها وفق ما تتم ادارة البلد عملياً.

ففي اشد المراحل خطورة ابان الحرب وما بعدها لم يعرف لبنان انهياراً اقتصادياً ومالياً على النحو الذي بات يشهده الوضع الراهن. ومرد ذلك الى سياسات اقتصادية يشارك فيها الافرقاء السياسيون في توزع حصص مقدرات الدولة ومغانهما كل فريق بحسب ما تطاله قدراته وسيطرته ونفوذه فيوزع ما يفيض عنه الى مؤيديه ومناصريه كما لو انه يتم اقتسام قالب من الحلوى بين الافرقاء السياسيين الذين يتزعمون طوائفهم .

فوصل الامر الى درجة التهديد الحقيقي للناس بالمجاعة بعد انهيار قدراتهم المالية وفرضت قيود على المصارف نتيجة سنوات من السياسات النقدية التي تم الاعتماد فيها على المصرف المركزي في غياب سياسات مالية واضحة من الحكومات المتعاقبة.

وحين اضطر الرئيس سعد الحريري الى اعلان استقالته بعد ضغوط من الرياض وحجز لحريته كان المخرج الذي امنته الدول الغربية عبر فرنسا التزام لبنان امرين اساسيين : اولهما هو النأي بالنفس عن صراعات المنطقة وهو تعبير ديبلوماسي ملطف للقول بضرورة لجم ” حزب الله” عن ان يكون اداة تدخل ايرانية في دول المنطقة وابقاء لبنان متوازناً في سياسته من حيث المحافظة على علاقاته العربية والاقليمية الجيدة وعدم الانحياز او الخضوع للمحور الايراني السوري.

الا ان هذا الامر لم يحترم بأي شكل. والنقطة الثانية تمثلت في التزام لبنان تنفيذ اصلاحات اقتصادية تمهد للدول الخارجية والبنك الدولي تقديم استثمرات للبنان بقيمة 11 مليار دولار. لكن الزعماء اللبنانيين اهل السلطة لم ينفذوا اياً من التزامتهم ويخشى ان لا يكونوا قادرين على ذلك تحت طائل الشك لدى بعض المراقبين من ان بعض القوى المؤثرة قد تكون ترغب في الانهيار لانه يطيح آخر معالم نظام الاقتصاد الحر المتعلق بالنظام المصرفي ما دام ان فريقاً اساسياً هو ” حزب الله” لا يستفيد منه نتيجة العقوبات الاميركية عليه والتي طبقها او التزمها المصرف المركزي.

كما ان الانهيار وفقاً لما يخشاه كثر قد يكون السبيل لايجاد حلول لعجز عن الاصلاح . فمن جهة ربما يساهم الانهيار في افقار اللبنانيين لكنه ايضاً قد يؤدي الى عودة قسم كبير من اللاجئين الى بلادهم نتيجة الازمة الاقتصادية كما ان دين الدولة بالليرة اللبنانية قد يتضاءل تبعاً لاعادة النظر القسرية والواقعية بسعر صرف الدولار الاميركي.

وهذا التدرج التصاعدي في الازمة الاقتصادية في ظل مراوحة قاتلة ومريبة من المسؤولين والتي تظهر طمعهم بالمحافظة على مواقعهم ومصالحهم يثير شكوكاً كبيرة ازاء احتمال وجود اهداف لاطراف معينة مما يحصل خصوصاً في ظل توجيه ” حزب الله” الاتهام للولايات المتحدة بتدمير الاقتصاد اللبناني. وهذا لا ينطوي على رفع المسؤولية الداخلية بل على احتمالات يتجه اليها الوضع ويتم ادراجها من ضمن الصراع الاميركي الايراني في دول المنطقة ومن بينها في لبنان.

ثمة اسئلة كثيرة تطرح قد يكون ابرزها في هذه المرحلة يتصل بما اذا يجب ان تكمّل الولايات المتحدة ضغطها على ايران والحزب بعدما تزعزعت الاسس التي ترتكز اليها طهران في العراق وكذلك في لبنان الذي تعرض موقع رئاسة الجمورية التي اوصل الحزب الرئيس ميشال عون اليه، الى اهتزاز عميق يتهدد ولاية هذا الاخير بعدما اصاب وريثه الموعود اصابات بليغة.

يقول نائب الامين العام للحزب نعيم قاسم ان جبران باسيل، صهر عون، يعاقب دولياً لاندفاعه نحو الانفتاح على سوريا. وهو يترجم بذلك مدى الاصابة التي تعرض لها الرئيس عون وولايته الرئاسية التي لم تعد تحظى، لا بدعم داخلي واسع باستثناء من ” حزب الله” وتياره، ولا يحظى بأي دعم دولي نتيجة دفعه لبنان الى المحور السوري المتحالف مع ايران.

هناك من يعتقد بأن على الولايات المتحدة متابعة الضغط الذي بدأ يؤتي ثماره ولو بأكلاف باهظة جداً على الشعب اللبناني خصوصاً ان هذا الضغط افقد الحزب، ومن ورائه ايران، القدرة على الاستئثار بالقرار السياسي كما من قبل وزعزع الخط البياني الذي يندفع الى التحكم بلبنان كلياً .

لكن يعتبر آخرون ان اندفاع الادارة الاميركية قد لا يطول ما دامت كل الرهانات على الاميركيين كانت تتمحور على فقدانهم سريعاً للصبر في ظل رغبتهم بحصد نتائج سريعة. ومؤدى ذلك ان الطرف الايراني ومحوره يلعب، كما يفعل خصوم الولايات المتحدة، بالرهان على الوقت لكي تتعب واشنطن وتنصرف عن الاهتمام بلبنان كما تفعل الآن بسبب تركيزها على ايران ونفوذها كما نفوذ الحزب ايضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات