Search
728 x 90

كيف يمكن ان يبقى بشار الاسد في السلطة؟

كيف يمكن ان يبقى بشار الاسد في السلطة؟

ما هي ظروف بقاء الرئيس السوري بشار الاسد في السلطة في ظل دستور سوري جديد من المرتقب ان يتم التوصل اليه، وان ينتزع الكثير من الصلاحيات من بين يديه. العبرة في طبيعة ما يمكن ان ينتهي اليه النظام في سوريا خصوصا اذا لم تمارس روسيا ضغوطاً كافية من اجل تعديل نظام الحكم باعتبار ان الاسد لم يتنازل وهو في اضعف حالاته ولن يفعل متى ضمن بقاءه وانهى المعارضة ضده.

يصعب القول ان هناك من اعتقد انه بعد اكثر من سبعة اعوام على انطلاق الحرب السورية على اثر انتفاضة شعبية تحولت الى دموية في العام 2011 يمكن ان يسلم المجتمع الدولي ببقاء الرئيس السوري بشار الاسد في السلطة ولو كامر واقع . فغالبية المراقبين الذين تابعوا تطورات الوضع السوري راهنوا اما على رحيل الاسد كما حصل مع  الرئيس  التونسي زين العابدين بن علي على الاقل اي هربا ولجوءا الى دولة اخرى  او كما ذهب الرئيس حسني مبارك بحيث حوكم وسجن او كما حصل مع الرئيس الليبي معمر القذافي الذي لوحق وقتل او مع الرئيس العراقي صدام حسين الذي لوحق وسجن واعدم. هذه التطورات جميعها التي تلاحقت في العالم العربي لعبت لمصلحة الرئيس السوري  على خلفية ان الانهيارات المتلاحقة في هذه الدول وانعكاساتها الهائلة ان في موضوع انتشار الاصوليين والمتطرفين ونشوء الارهاب وانتشاره على نطاق واسع او في تحول هذه الدكتاتوريات الى دول فاشلة وتاليا حصول موجات هائلة من المهاجرين واللاجئين . وينبغي الاقرار ان هذا السلوك الذي اعتمدته اخيرا الولايات المتحدة في شكل خاص في الصفقة مع روسيا التي تم التسليم لها بالوضع السوري هو من الاسباب الذي يجعل الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا من دون اي صدقية ازاء الشعارات التي ترفعها هذه الدول. اذ ان يتم التسليم ببقاء بشار الاسد على رغم اتهامه بجرائم ضد الانسانية وفق اتهامات اجمعت عليها الامم المتحدة على لسان امينها العام السابق في شكل خاص كما على السنة رؤساء دول كبيرة او في تقارير منظمات دولية وثقت استخدام الاسد غاز السارين واسلحة كيماوية اخرى ضد شعبه ولو ان روسيا استخدمت الفيتو مرارا وتكرارا في مجلس الامن دفاعا عن الاسد فهو امر منافي للقوانين الدولية والاخلاقيات المعمول بها عالميا ولكل القواعد الانسانية. ومع ان بقاء الاسد وفق ما هو مرجح حتى نهاية ولايته المجددة اي حتى سنة 2021 ليس الخلاصة الوحيدة للحرب السورية ولا يمكن اختصارها ببقائه وقد حصلت ويلات كثيرة فيها، فان النتيجة مجحفة جدا للشعب السوري في شكل خاص الذي عانى من حكم عائلة الاسد لاكثر من اربعين عاما . وهووحينما ثار فانه تخبط في ثورة لم يعرف ادارتها ولم يعرف الخارج كيفية مساعدته فيما لعبت المصالح الاقليمية في ابقائه فوق رأس الشعب السوري الذي تشتت في انحاء العالم في حين ان بشار الاسد لم يصمد بقوته ولا يبقى بقدرته على السيطرة من دون وجود الوصي الروسي الذي كان عقد اتفاقات مع نظام بشار الاسد للبقاء ما يزيد على اربعين سنة

اربعون سنة قد تبدو كثيرة ، لكنها لن تعود كذلك اذا تمت مقارنتها بالوصاية السورية على لبنان التي امتدت لثلاثة عقود . الا انه من المبكر معرفة اذا كانت روسيا ستحافظ على بشار الاسد رئيسا او ستمهد لانتخاب سواه علما ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اعلن امام زواره اكثر من مرة ان روسيا غير متمسكة ببقائه وهو مبدئيا لن يرحل قبل 2021.  وليس واضحا اذا كانت ستبقى هاتان الثابتاتان كذلك ،لكن امورا كثيرة تغيرت تجعل من الرهان على التمسك بهذا الموقف في غير محله خصوصا اذا اخذت في الاعتبار التحولات الاقليمية التي عادت تتمحور حول بشار الاسد لا سيما من جانب الدول في موقع الخصم اكثر من الحلفاء. فهناك اسرائيل في الدرجة الاولى التي راهن النظام السوري  عليها مبكرا منذ الاشهر الاولى للثورة ضده فاعلن ان رحيله سيهدد اسرائيل ووجودها نسبة الى الضمانة التي شكلها ال الاسد لاسرائيل على مدى عقود طويلة . وهناك تركيا التي فشل مشروعها لاحلال الاخوان المسلمين في الحكم في مصر وسوريا وقد تراجعت من دولة عنوانها الديموقراطي يسبقها في المنطقة الى دكتاتورية تنافس بها الدول العربية. وينبغي الاقرار بان الولايات المتحدة لم تهتم فعلا بمصير سوريا ودخلت متأخرة او مرغمة على الخط اولا تحت وطأة سعي الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما الى انجاز الاتفاق النووي مع ايران ، الامر الذي ادى الى التسليم لها بتدخلها العسكري في سوريا مع التنظيمات الموالية لها من العراق ولبنان من اجل انقاذ بشار الاسد ونظامه قبل ان تلمس روسيا تقاعس الاميركيين وتراجعهم خصوصا في قضية القرم وتتدخل بدورها لمواكبة ايران في انقاذ الاسد. واهتمت الولايات المتحدة بعنصرين اساسيين فقط اي القضاء على ما سمي تنظيم الدولة الاسلامية الذي امتد من العراق الى سوريا وساهم مساهمة اساسية في تغييب البديل من بشار الاسد لا بل في تأمين بقائه ومن ثم السعي الى تقليل نفوذ ايران بعد وصول الرئيس الاميركي دونالد ترامب الى السلطة في 2017 . تنامي النفوذ الايراني في المنطقة وتهديده امن اسرائيل من جهة عبر ما سمي امتداد الهلال الشيعي من طهران الى العراق فسوريا فلبنان كما تهديده امن الدول الخليجية الحليفة لايران كان من ابرز الاهتمامات الاميركية بعد القضاء على تنظيم داعش. ولذلك برز تقليص النفوذ الايراني او انسحاب ايران من سوريا شرطا للتسليم ببقاء الاسد. وهذه مقايضة صعبة بالنسبة الى ايران التي استثمرت اموالا وعناصر كثيرة في سوريا للابقاء على النظام وحفظ خط الامداد بينها وبين ” حزب الله” . ولكن هل ستتمكن روسيا فعلا من ضمان اخراج ايران بهذا الثمن وكيف وهي احد ابرز حلفائها في مرحلة تشديد العقوبات الاميركية عليها؟

يتضح اكثر فاكثر ان الدول العربية والخليجية منها خصوصا قد ترى في معادلة  مقايضة بقاء الاسد بحتمية انسحاب ايران من سوريا عادلة او منصفة انطلاقا من انها تكون قد تخلصت من النفوذ الايراني في سوريا وتبعا لذلك تضاءل هذا النفوذ في لبنان على رغم ان هذه المعركة قد تطول ولن تكون سهلة اذا تم التسليم جدلا بان هذا ما سيكون عليه الواقع. في حين ان الدول الغربية تتجه الى عدم الاعتراف ببشار الاسد وتاليا عدم تثبيت استمرار شرعيته انسجاما مع ” اخلاقيتها ” على الاقل في مرحلة اولى  وتحفيفا للاحراج امام الراي العام الدولي. وهي لذلك تربط الواقع السوري بالحل السياسي وتعتقد انها تمسك بورقة اعمار سوريا اي مساهمتها الكبيرة في الاعمار الذي لن يتمكن منه حلفاء الاسد التقليديون اي ايران وروسيا مع ما يعنيه هذا الحل من دستور جديد يفكفك نظام بشار الاسد الدكتاتوري الامني.  ولكن الدول الغربية عموما اضعف من ان تؤثر من دون الاميركيين الذين يرسمون خارطة الطريق في هذا الاطار، والوضع سيكون صعبا عليهم لكنه سيبقى اقل صعوبة من استقبال سيل اللاجئين من سوريا الذي انهك اوروبا كما انهك الدول المجاورة لسوريا . ومن المرجح بالنسبة الى مراقبين كثر ان يكون وضع بشار الاسد اشبه بما هو عليه  مشابها الى حد بعيد بوضع الرئيس السوداني عمرحسن البشير الملاحق للمثول امام المحكمة الجنائية الدولية منذ العام 2008 بجرائم حرب في قضية دارفور بحيث يتعذر عليه السفر والقيام بزيارات دولية . لكن هذا لم يمنعه من الاستمرار في حكم السودان وهناك دول تتعاون معه وان يكن هذا سيف  الملاحقة مسلط فوق رأسه. وبشار الاسد قد لا يختلف وضعه عن وضع البشير من حيث عدم فتح ابواب الدول المؤثرة امامه علما ان الجرائم التي اتهم نظامه بارتكابها في الحرب السورية  لم تحل الى المحكمة الجنائية الدولية ولم يصدر اي حكم في حق الاسد بعد على رغم اعداد افرقاء ملفات  في دول اوروبية تمهيدا لملاحقة نظامه بما ارتكبه من جرائم.

ويصعب القول ان بقاء الاسد يعني اعادة سيطرته كما في السابق ولو انه يتأمن له بواسطة الروس استعادة الاراضي والمناطق التي فقدها نظامه في الاعوام الاخيرة. فهناك دستور جديد يتوقع ان ينزع من يد الاسد صلاحيات كثيرة برعاية روسية اضافة الى ما يشبه ادارات ذاتية في مناطق عدة  الى حد اعتبار خبراء في الشأن السوري ان النظام السوري سيشبه الى حد بعيد الدستور الجديد للعراق بعد حكم البعث الذي وان كان قضي عليه هناك على نحو نهائي فلا يمكن القول ان بقاء نظام الاسد سيعني انتعاش او ترميم حكم البعث السوري الذي انتهى ايضا . وسيكون هناك الكثير عن سوريا في الاشهر المقبلة في ظل تضارب الاراء حول ما اذا كانت انتهت الحرب فيها ام لم تنته بعد وفق ما يقول الخبراء . والعبرة في طبيعة ما يمكن ان ينتهي اليه النظام في سوريا خصوصا اذا لم تمارس روسيا ضغوطاً كافية من اجل تعديل نظام الحكم باعتبار ان الاسد لم يتنازل وهو في اضعف حالاته ولن يفعل متى ضمن بقاءه وانهى المعارضة ضده. ولهذا كله مسار طويل سيستغرق بضع سنوات  اضافية من الاستنقاع في الازمات الاقليمية والداخلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات