Search
728 x 90

كيف تصمد حكومة حوّلها العهد والنافذون الى دمية ؟

كيف تصمد حكومة حوّلها العهد والنافذون الى دمية ؟

تظهر القوى السياسية اللبنانية المشاركة في حكومة الرئيس حسان دياب استهانة خيالية حيال الأضرار العميقة التي تمعن في إلحاقها بهذه الحكومة بعد مرور اقل من أسبوعين على احياء محطة المئة يوم الأولى من ولايتها .

مناسبة هذه الخلاصة الشديدة السلبية في حق القوى الراعية للحكومة او للحكومة نفسها وتحديدا في حق رئيسها هي التداعيات السيئة التي طفت على مشهد الارباكات المتعاقبة التي باتت تطبع مسار الحكومة كلما برز استحقاق او تطور مهم يستدعي من الحكومة الظهور بمظهر السلطة المتماسكة التي تملك رؤية .

آخر فصول التطورات التي شكلت اختراقاً بالغ الأذى لصورتها داخلياً وخارجياً تمثل في تسديد رئيس الجمهورية ميشال عون ضربة موجعة الى هيبة مجلس الوزراء من خلال إصراره على الطلب من مجلس الوزراء إعادة النقاش في موضوع إقامة معمل سلعاتا للإنتاج الكهربائي بعدما كان مجلس الوزراء صوّت بأكثرية كبيرة قبل اسبوعين فقط على استثناء معمل سلعاتا من خريطة الطريق لإنشاء معملين في الزهراني ودير عمار.

طلب عون الذي لجأ الى صلاحية مغطاة من الناحية الدستورية لم يكن مثار استغراب من الزاوية الدستورية والقانونية ولم يوجه احد انتقاداً لعون من هذه الزاوية . ولكن في الواقع شكلت مبادرته لدفع مجلس الوزراء نحو التراجع عن قرار اتخذه منذ أسبوعين فقط أسوأ ما كان ينتظر حكومة دياب في هذه المرحلة اذ امعن في إظهار طابع الدمية التي يحركها الافرقاء السياسيون ساعة تملي مصالحهم ذلك او تسخير قراراتها لمصالحهم في مجال آخر وكذلك اضطرارها الى مماشاة صراعاتهم ومصالحاتهم الظرفية من جهة ثالثة .

والحال ان القاعدة التي تنطبق على القوى السياسية كان يفترض الا تنسحب على رئيس الجمهورية فإذا به يتفوق على الآخرين في تسخير نفوذه واستقوائه بحليفه”حزب الله”، الامر الذي جعل الاساءة للحكومة مضاعفاً واشد من الضغوط السابقة . بل ان الانطباعات التي واكبت تراجع الحكومة عن قرار إعطاء الأولوية لمعملي الزهراني ودير عمار افضت الى تثبيت واقع الحكومة ورئيسها لجهة انها لا تملك واقعياً أي هامش مزعوم ولو محدود يجعلها تتمرد على القرارات القسرية التي تهبط فوقها بفعل افرقاء صاروا يستسهلون تداعيات اضعاف الحكومة ويقدمون عليها التسابق على تحصيل المكاسب والشعبوية كأن الحكومة راحلة غداً .

وهي معادلة غريبة بدأت تثير التساؤلات والشكوك عما يفعله هؤلاء الأطراف وهل يدبرون تهلكة للحكومة ولماذا ما دامت تظهر قابلية واسعة جداً للرضوخ لإرادة الذي الذين أتوا بها ؟ فرئيس مجلس النواب نبيه بري كان اول من واجه الحكومة بفجاجة حين تصادمت مصالحه مع محاولات رئيس الحكومة أخذ مسافة شكلية عن الجميع، واضطر دياب في النهاية الى مسايرة بري ومماشاته تجنباً لاغضابه .

كما ان زعيم تيار المردة سليمان فرنجية لم يتردد للحظة في التهديد بسحب وزيريه من الحكومة حين طرح ملف التعيينات لنواب حاكم مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف مع تسليم للتيار الوطني الحر ان يختار الأعضاء المسيحيين منهم وحده واضطر دياب الى تبريد الخلاف وإرجاء التعيينات حتى الأن رغم طابعها الملح .

واذا كانت هذه النماذج تظهر مدى فداحة الهبوط في سلوكيات الطبقة السياسية ولا سيما منها في الظروف الحالية فإن ذلك كان يفترض ان يظل المشهد النشاز الوحيد في واقع هذه الحكومة . لكن عدم مبالاة رئيس الجمهورية بالحفاظ او بترميم صورة الحكومة داخلياً وخارجياً سرعان ما تمظهرت في مسارعة عون الى تسديد صفعة قاسية الى صدقية الحكومة حين طلب منها التراجع عن موضوع عدم إلحاق معمل سلعاتا في الخطة التنفيذية الأولى والثانية من مراحل انشاء معامل الإنتاج الكهربائي. كما تمظهرت من خلال الإصرار الواضح من جانب العهد على تعميم رسالة سياسية برسم شركائه تحديداً مفادها انه لن يكون متاحاً لأحد ان يكسر إرادة العهد وتياره ورجله القوي جبران باسيل في أي ملف .

هذا التطور انعكس واقعاً سلبياً مزدوجاً على العهد والحكومة سواء بسواء لأنه شكل تعرية لهشاشة الادعاءات باستقلالية الحكومة واثبت بأنها دمية في ايدي الأطراف النافذين وأبرزهم العهد وتياره وحزب الله وحركة امل .

كما اثبت ان العهد لا يأبه اطلاقاً للتداعيات المضرة التي ستلحق بالحكومة ولو اتهموه بإضعافها قصداً لغايات ضيقة او اهداف خاصة . بذلك تكون الحكومة انزلقت بسرعة إضافية الى الهبوط التدريجي الذي بات يطبع مسارها بعد المئة يوم الأولى وليس العكس .

فحتى لو لم تكن هناك أوهام بإمكان اسقاط الحكومة حالياً لتعذر تأليف حكومة بديلة منها فإن ذلك لن يحجب ابداً تصاعد عوارض الوهن وتضارب المصالح وتسخير الحكومة لمعارك واهداف ذاتية وسياسية وحزبية في حين تخوض استحقاقات تاريخية في خطورتها على لبنان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات