Search
728 x 90

“كوفيد 19” نقل الاسواق الى المنزل

“كوفيد 19” نقل الاسواق الى المنزل

قد يكون من المبكر الحكم النهائي على مسار التبدل في السلوك الاستهلاكي العالمي ابان ازمة انتشار فيروس “كوفيد 19” وما بعدها، الا ان المؤكد ان الاستهلاك عبر الانترنت او التجارة الإلكترونية E-commerce شهدت منذ مطلع 2020 قفزة نوعية نحو الاعلى ولا سيما مجالات محددة تتعلق بالمتطلبات اليومية مثل الغذاء والطبابة. 

مراحل السلوك الاستهلاكي

الاجراءات التي اتخذتها غالبية الدول لمحاولة تقويض انتشار فيروس “كوفيد 19″ فرضت نمطاً جديداً من الاستهلاك لا بديل عنه. فالحجر المنزلي الذي يحظّر الخروج من البيت، و”التباعد الاجتماعي” في حال الخروج الاضطراري، ناهيك عن نشر فيديوهات التوعية حول خطورة انتشار الفيروس، كلها زادت من نسبة التوعية الشعبية… وحتى احياناً الهلع الذي يفسره علماء النفس بالاحتياجات الشخصية الثلاثة:

– التحكم الذاتي بالتصرفات عبر الشعور بالسيطرة الذاتية على اي عمل يتم القيام به.

– الحاجة الى الشعور بأن العمل هو مفيد لمن لهم صلة بالشخص مثل العائلة.

– الحاجة الى الشعور بالمهارة عبر التصرف كـ “مستهلك ذكي” يقوم بالخيار الصحيح.

يضاف الى ذلك وفرة المعلومات المتناقضة احياناً التي دفعت بالمستهلكين الى شراء حاجيات تفوق حاجتهم خوفاً من انقطاعها، ناهيك عن “سلوك المجموعة” الذي يجعل المستهلك يحذو حذو الجميع من حوله “فيكدّس” الاغراض التي يشتريها مفرغاً رفوف المحلات التجارية الغذائية من اغراضها.

من هنا، تصنيف شركة Nielsen المتخصصة بالأبحاث المتعلقة بالأسواق الاستهلاكية، 6 مراحل رئيسة لسلوك المستهلك المتعلق بـ “كوفيد 19” هي التالية:

– مرحلة شراء استباقي عقلاني ( شراء منتجات لها علاقة بالصحة والعافية)

– مرحلة تفاعلية متعلقة بإدارة الصحة (شراء اجهزة واقية مثل الاقنعة للوجه ومعقمات اليدين)

– مرحلة التخزين (تخزين البقالة والادوات الاساسية في البيت)

– مرحلة التجهيز للحجر المنزلي (اختبار نقص البضائع في المتاجر وتقليل الزيارات اليها)

– مرحلة القيود المعيشية ( توجه اقل الى المحلات التجارية، وشراء محدود عبر الانترنت)

– مرحلة العودة الى حياة طبيعية جديدة (استئناف الروتين اليومي، تغيير نهائي لأسلوب التزود بالبضائع والمواد الغذائية الاستهلاكية)

… والكبار في السن ايضاً

صحيح ان أنظمة التجارة الإلكترونية حققت نجاحاً ملموساً العام 2019 ، اذ بلغت ارقامها 3.53 تريليون دولار كمبيعات تجزئة عالمياً، إلا أنها لم تتمكّن من القضاء بشكل كامل على عادات التسوّق التقليدي المباشر التي تشكل نمطاً اجتماعياً عمره مئات السنين، رغم انها مرت بمراحل انتقالية سلسلة ولا سيما في ما يتعلق بالتعلّم والتسوّق الإلكترونيين.

وقد ابدت أستاذة السلوك التنظيمي في كلية إدارة الأعمال في جامعة أوكسفورد سالي مايتليس، اعتقادها “أن بعض أوجه العمل والتنظيم ستتبدل نهائياً عند الخروج من الوضع الحالي، اذ ان الناس سيكتشفون أن بإمكانهم العمل والتواصل بطريقة لم تخطر لهم حتى الآن، وهذا سيرغمهم على التأقلم أكثر مع التكنولوجيا”.

من هنا اتجاه غالبية المستهلكين الى شراء حاجياتهم “اونلاين” online خوفاً من عدوى “كوفيد 19”. واذا كان هذا النمط الاستهلاكي مألوفاً ومرغوباً بالنسبة الى الفئة العمرية اليافعة، فإنه امتدّ الى الفئات العمرية الاخرى التي باتت ترى سهولة في انتقاء اغراضها من على كنبتها في المنزل من دون تكبّد عناء ارتداء الملابس والخروج.

وقد كشفت دراسة استقصائية تناولت المستهلكين البريطانيين والاميركيين ان 96% من الجيل المولود بين 1981 و1996 ، والجيل المولود بين 1990 و2010 يبدون قلقاً بالغاً من جائحة كورونا وتأثيرها على الاقتصاد، فيبدّلون تصرفهم الاستهلاكي بفعل ذلك، اكان في الحد من مصروفهم ام في تخزين المواد الغذائية.

وفي المقابل، تبدو الفئة العمرية الاكبر سنّاً اقل تأثيراً بتداعيات الفيروس التي لم تبدل كثيراً بتصرفاتها الاستهلاكية، اذ ان 24% من الجيل المولود بين 1964 و1946 و34% من الجيل المولود بين 1979 و1965 يعترفون بأن الاوضاع الراهنة اثّرت في نوعية مشترياتهم في مقابل 50 % من الفئة العمرية الاصغر.

وقد اظهر استطلاع نفذته شركة الأبحاث CoreSite ان 9 من كل 10 مستطلعين يتجاوز عمرهم 45 عاماً اكدوا لجوءهم الى الشراء “اونلاين” مع تفاقم انتشار فيروس كورونا.

وفي هذا الاطار يفيد محللون للسلوك الشعبي انه من الطبيعي ان يتجنب المستهلكون الضعفاء – ولا سيما الاكبر سناً- اي بيئة مادية قد تعرضهم للإصابة بالفيروس، فيلجأون الى تغيير سلوكهم الاستهلاكي بعدما كانوا يكرهون شراء اي غرض عبر الانترنت من دون معاينته بالعين المجردة وتلمسه بين يديهم.

وقد افاد مسح لـ YouGov في الاسبوعين الاولين من آذار 2020، بأن %85 من مستخدمي الإنترنت في الصين و%83 من مستخدمي هونغ كونغ تجنبوا الأماكن العامة المزدحمة ، فيما تجنبها في الفترة نفسها 27% في الولايات المتحدة الأميركية، و14% في بريطانيا.

وفي السياق نفسه، كشف استطلاع نفذته شركة الأبحاث CoreSit في شباط 2020، ان 47.2% من مستخدمي الإنترنت في الولايات المتحدة تجنبوا مراكز التسوق الكبرى فيما ابدى %74.6 منهم استعدادهم للإبتعاد عن هذه المراكز، علماً ان فيروس “كوفيد 19” لم يكن انتشر بعد بقوة في البلاد، كما ان الجندرة تلعب دورها ايضاً بحيث ان الرجال يشترون “اونلاين” اكثر من النساء اللواتي يتبضعن في المحلات التجارية الكبرى.

وقد جاء الهاتف الذكي ليسهم في انتشار التجارة الالكترونية بعدما “حرر” المستهلك من الجلوس وراء مكتبه للقيام بعملياته بواسطة الكمبيوتر او الـ “لابتوب”. وتوقع المحللون أن يصل حجم التجارة الإلكترونية عبر الهاتف المحمول إلى 284 مليار دولار بحلول نهاية 2020 خصوصاً بعدما عملت الشركات العالمية الخاصة بالهواتف – ولا سيما شركة Attentive – على اجتذاب زبائنها عبر الاشتراك مع العلامات التجارية المبتكرة لتقديم خدماتها.

وفي السياق نفسه، أوضحت وزارة الصناعة والتجارة والطاقة الكورية الجنوبية أن مبيعات شركات التجارة الإلكترونية الرئيسة ارتفعت في شباط 2020 بنسبة 34.3% قياساً الى شباط 2019، مسجلة أكبر زيادة لها منذ إعادة تنظيم الإحصاء الخاص بمبيعات شركات التوزيع في حزيران 2016.

كما زادت مبيعات المواد الغذائية عبر التسوق الإلكتروني هناك بنسبة 92.5% ومستلزمات الوقاية مثل كمامات الوجه ومستلزمات التعقيم والتطهير بنسبة 40.6 % ومستلزمات الأطفال والكتب بنسبة37.5 %.

وفي الصين ايضاً الامر سيّان، اذ شهد JD.com، اكبر موقع بيع بالتجزئة، ارتفاعاً في مبيعات المواد الغذائية الشائعة بلغ 4 اضعاف المبيعات التي سجلها بالفترة نفسها، اي شباط، من العام الماضي.

وكما في الغرب وفي آسيا، في العالم العربي. فشركة “نعناع دايركت” السعودية التي اُسست العام 2016 وتتولى تسليم المشتريات من محلات تجارية مختلفة، تملك اليوم اكثر من 16 فرعاً وقد جمّعت اكثر من 26 مليون دولار من مستثمريها للتوسع في كل انحاء الشرق الاوسط. ويقول مؤسسها ورئيس مجلس إدارتها التنفيذي سامي الحلوة ان “الشركة تطمح لتكون ” amazon ” الشرق الاوسط”.

الاكثر مبيعاً

اما الحقول التي نشطت بشكل كبير في التجارة الالكترونية فهي اولاً السلع الاستهلاكية التي يشتريها المستهلك بشكل دوري، مثل المواد الغذائية والمشروبات ومواد التنظيف والتجميل والالبسة، ولا سيما منها تلك التي تخدم فترات طويلة مثل المعلبات او الحليب المجفف التي ارتفع مبيعها 300% وفق احصاء شركة Nielsen.

وقد اظهر مسح لبيانات الأسبوع الأول من آذار لخدمة eMeals الخاصة بتخطيط الوجبات الغذائية في اميركا، زيادة %67 في عدد الطلبات المقدمة لشركائها من متاجر البقالة، بما في ذلك amazon و instacart و Kroger و Walmart و Shipt كما سُجّلت زيادة في مشتريات منتجات معينة عبرها، %353 لمناديل التعقيم ، 236% لدواء الإيبوبروفين، 37% لحساء نودلز الدجاج.

اما الحقول الاخرى التي ارتفع شراء منتجاتها بفعل جائحة كورونا فهي:

– المنصات التي تؤمن اجتماعات العمل عبر الـ video conference مثل zoom و pixabay في اعقاب اعتماد غالبية المؤسسات والشركات العالمية العمل من المنزل. وقد ارتفعت اسهم هذه الاخيرة بشكل كبير في البورصات العالمية.

– منصات البث عبر الانترنت (Netflix ، Amazon،  Hulu، Disney) التي شهدت ارتفاعاً بلغ 20% في العالم في الاسبوع الاخير من آذار 2020 بعدما تم اقفال دور السينما والمسارح في العواصم الكبرى. واكدت وكالة بلومبرغ ان ازدياد الطلب على هذه المنصات دفع بشركات عدة للتلفزيون والفيديو مثل نتفليكس وكنال وغوغل الى تخفيض جودة بثها للحد من استخدام الشبكة لتخفيف الضغط على الإنترنت في أوروبا.

– شركات تصنيع التجهيزات الرياضية وبث التمارين الرياضية عبر الانترنت التي ارتفعت اسهمها بشكل كبير في اعقاب ازدياد الطلب عليها بعد إغلاق الصالات الرياضية ابوابها.

– شركات الطائرات الخاصة التي ارتفع الطلب عليها من قبل الزبائن الأثرياء الذي يودون تفادي الاختلاط مع مئات الركاب الآخرين. وقد اكد رئيس مجلس إدارة شركة طائرات خاصة في الولايات المتحدة ان الحجوزات فيها ارتفعت بنسبة تتراوح بين 20 و25%.

وإزاء تزايد الطلب على الشراء عبر الانترنت، كان لافتاً سلوك شركة “أمازون. كوم” التي رفعت اجور عامليها مرتين في اسبوع واحد، بين 15 و21 آذار 2020، بحيث رفعت اجر ساعة العمل من 15 الى 17 دولاراً. كما اعلنت انها سترفع أجر ساعات العمل الإضافي للعاملين في مخازنها في الولايات المتحدة، 1.5 دولاراً للفترة بين 15 آذار و9 أيار 2020. وأعلنت عن خطط لتوظيف 100 ألف عامل مخزن وتوصيل طلبات.

وفي المقابل، تكبدّت شركات الطيران المدني والمطاعم والمسارح كما تجارة صناعة الكماليات في العالم خسائر هائلة مثل Vogue التي توقعت خسائر تصل الى 10 بليون دولار في مصانعها العام 2020. كما اضطرت سلسلة محلات كبرى تملك فروعاً في مدن اميركية كثيرة ( Macy’s، Abercrombie & Fitch، JCPenney، Nike، DTC) الى اقفال محلاتها بفعل خسارتها الكبيرة.

لذا، وعلى رغم ارتفاع المبيع “اونلاين” للمواد الغذائية توقع محللون كثر تراجعاً ملحوظاً في المبيعات في العالم عموماً ، وعبر الانترنت ايضاً بعد انتهاء ازمة “كوفيد 19” بسبب تراجع المبيع (70%) وتدني الطلب ونقص المخزون (45%) ، خصوصاً ان جائحة كورونا ولّدت ازمة اقتصادية عالمية ستكلف الاقتصاد العالمي نحو 2.7 تريليون دولار، وسيكون من الصعب التخلص منها سريعاً، بدءاً بمعدلات البطالة التي سترتفع بشكل اضطرادي، وصولاً الى شركات كثيرة وجدت نفسها على شفير الافلاس بسبب التوقف عن العمل طويلاً.

وفي المقابل، توقع محللون من شركة UBS لإدارة الثروات العالمية ان ترتفع نسبة المستخدمين للإنترنت بشكل مضطرد ولا سيما بالنسبة الى شركات خدمات توصيل الأغذية، والتجارة الإلكترونية ناهيك عن التطبيب عن بُعد والدروس عبر الإنترنت e- learning.

وعززت اقوالهم بيانات مبيعات الشركة التي زادت بنسبة 21٪ في الربع الاخير من 2019 ووصلت إلى 87.4 مليار دولار، كما ارتفعت أرباحها إلى 6.47 دولاراً للسهم، بعدما تخطت كل تقديرات المحللين التي كانت حددت مبيعاتها بـ 86.2 مليار دولار وأرباح سهمها بـ 4.11 دولاراً.

فالمؤشرات كلها تدلّ الى ان التطور التكنولوجي الذي قاده الجيل الرابع 4 G سيستمر حتماً مع الجيل الخامس في ظل الحرب التجارية الشعواء بين الصين والولايات المتحدة الاميركية حياله، بحيث انه سيخلق عولمة جديدة ركائزها طابع تكنولوجي صارم في أنماط العمل والحياة.

سوار واختراق 

لكن في المقابل، هناك الجهة المقابلة لكل عملة، وهي بالنسبة الى التجارة الالكترونية تكمن في شقيّن:

– الاعتماد الكلي على تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات. وهذا يشكل ثغرة كبيرة في البلدان النامية، ولا سيما العربية منها، حيث سرعة الانترنت واستمراريته قد لا تكونا موثوقتين 100%، 24 ساعة في اليوم.

– تعريض سرية البيانات المالية للمستهلك للخطر نظراً الى امكان اختراق “الهاكرز” بعض المواقع خلال المعاملات التجارية على الإنترنت.

– استغلال بعض الدول الحركة الناشطة على الانترنت من اجل تمرير برامج قرصنة او تجسس بحجة الحماية من فيروس كورونا. وقد ذكر تحقيق في هذا المجال ان بعض الرسائل بعنوان “معلومات من منظمة الصحة العالمية” ترسل الى البريد الالكتروني الخاص بالمستهلك، وهي  تحتوي في الحقيقة على برامج ابتزاز خبيث تجمّد – او تحدّد عمل- الحساب الخاص، فيطلب المخترق فدية مالية ثمن استرجاع حرية التحرك. يضاف الى ذلك عمل بعض الدول على مراقبة انتشار عدوى فيروس “كوفيد 19” عبر تفعيل أدوات تتبّع المصابين به بفضل سوار الكتروني يزوّدون به ليحدد نطاق تحركهم ورصده من قبل الأجهزة الأمنية عبر “GPS”.

وهذا ما تسعى اليه الدولة اللبنانية عبر اطلاق سراح الموقوفين في الجنح والجرائم البسيطة خوفاً من انتشار العدوى، وتزويدهم بالسوار لمراقبة تحركاتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات