Search
728 x 90

كوفيد-١٩ الارتباك العالمي ولبنان اللّاسياسات

كوفيد-١٩ الارتباك العالمي ولبنان اللّاسياسات

العالم كلّه مُرتبك. حالات الطوارئ في كلّ القطاعات تُعلَن على قدمٍ وساق. الناس مسمّرون أمام وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي. فيروس كورونا أمسى نجماً حاضراً في كلّ حديثٍ وخبر. نجوميّته ليست محبّبة بل تقبع في خانة الهلع الصحّي.

زياد الصائغ *

العالم كلّه محجور. فوبيا كيانيّة اجتاحت مُجتمعاتنا. عُدنا إلى تذكّر مأساة الطاعون والجراد في استعادةٍ تاريخيّة لضحايا التلبّك الكَوني. كورونا، وبسرعة انتقاله، قد يكون ألزمَ العلماء والباحثين الاستثمار أكثر في عِلم مُكافحة الأوبئة منه في عِلم الذرّة أو التعديلات الجينيّة.

العالم كلّه يترقّب ما ستؤول إليه هذه الكارثة الصحيّة. ثمّة اتجاهاتٌ معقّدة في محاولة فهم ما نواجه. التعقيد قائمٌ على افتراضات يُقتضى إثباتها علميًّا بكثيرٍ من الدّقة وبناءً على الأدلة والبراهين. عدا ذلك سنبقى في تنظيرٍ ذات خياراتٍ إيديولوجيّة، أو سياسيّة، أو حتى معياريّة – تقديريّة بالمعنى البحثيّ.

من هذه الافتراضات التي حاولت تفسير مصدر هذه “الجائحة”، بحسب مصطلح منظّمة الصحّة العالميّة، من قال إنّها نتيجة نهمٍ بشريّ للتلذّذ بمآكل حيوانيّة وطبيعيّة خارج المتعارف عليه، أو من صنّفها كجرثومة عدائيّة حربيّة في ما بين أعداء عقائدييّن أو تجارييّن، لتبلغ حتى حدّ وضع كورونا في منزِلة غضبٍ إلهيّ على الموبقات التي ترتكبها البشريّة في كل القطاعات، وعلى كل المستويات.

مهما كانت هذه الاتجاهات أو الافتراضات لا بدّ من الاعتراف بأن “جائحة كوفيد-١٩” ستفرِض على العالم إعادة نظر كاملة في كل المسارات الوقائيّة والعلاجيّة، ليس تلك البيولوجيّة فقط، السلوكيّة تحديداً، فان العالم يقف أمام مفترق طُرق سلوكيّ.

مُفترق طُرقٍ سلوكيّ يوازيه مفترق طرقٍ أخلاقيّ على المستوى الفرديّ والجماعيّ. وكأننا أمام حاجةٍ ملِحّة لتشكيل كُتل ضغطٍ سياسيّة، واقتصاديّة، وبيئيّة، واجتماعيّة، وطبيّة، وثقافيّة، وماليّة، وأكاديميّة، وعسكريّة، وحتى دينيّة تنخرّط معًا في تحرير مدوّنة سلوكٍ أخلاقيّة حول أولويّة إعادة الانتظام الطبيعي لأنظمة التنوّع الإيكولوجي والبيولوجي، والضغط باتجاه التخفيف من الانحياز المُريع لتطوير الأسلحة بما فيها تلك الجرثوميّة، لصالح نقل الاهتمام البشري إلى الخير العامّ، أكثر منه توسّلًا لتحصين مواقع النفوذ أو تكديس الأرباح بين الأسواق الماليّة، والانتاجيّة، والاستهلاكيّة. ومن هنا ندخل حتماً في مفترق طرقٍ اقتصادي.

التداخل بين السلوكيّ والأخلاقيّ والإيكولوجيّ والبيولوجيّ والاقتصاديّ، يدفعنا نحو التفكير في شموليّة إدارة الأزمات والكوارث في ركائزها الأربعة، الاستباقيّة، والوقائيّة، والتفاعليّة، والانتقاليّة ما ينتقل بنا من حال ردّ الفِعل إلى حال الفِعل المُباشر، ومن التموضع في الإجراءات والأنشطة، إلى اختيار المكوث في السياسات العامّة حيث التكامل بنيويّ بين هذه العناصر.

أين لبنان من كلّ ما سبق؟ تساؤل مشروعٌ، ولا حاجة للغوص في التكسّر الشامل الذي تعانيه السُلطة الحاكمة، ومن سبقها حتماً، التكسّر الكامل لما نسمّيه “حَوكمة سياسات ومؤسّسات” في مواجهة الأوبئة والأزمات والكوارث.

مرّة جديدة نغرق في أبولوجيتيكيّة مأزقيّة في من يتحمّل مسؤوليّة الفشل في حماية صحّة اللّبنانيّن، ويدير بحِكمة التداعيات السوسيولوجيّة ذات الأبعاد الكيانيّة الفرديّة والجماعيّة في الاقتصاد اللّبناني ما بعد الجائحة.

لبنان اللّاسياسات العامّة يترسّخ أكثر فأكثر. تشخيص أخطاء التأخّر في الوقائي، بعد عدم التمكّن من الاستباقي، ناهيك بالتفاعلي البطيء لإعلان حالة طوارئ صحّية ومدنيّة، بلوغًا حتمًا إلى انعدام الرؤية حول ما سينتُج عن حال الطوارئ من حيث ضرورة البدء بصياغة مسار معافاةٍ انتقاليّ، كلّ هذا يشي بأن لبنان ما عاد يجب أن يقبل بأنصاف الحلول، وبات الانهيار القائم فيه يفتح آفاق إمكانيّة بناء دولةٍ همّها الإنسان.

أمّا مسار المُعافاة الانتقالي، والذي من المُلِح بلورته في هذه المرحلة التفاعليّة وقائيًّا مع جائحة كوفيد-١٩، فمن المفترض أن يأخذ بعين الاعتبار سياساتٍ ماليّة واقتصادية تحفيزيّة لإعادة ما تبقّى من نفَسٍ في الاقتصاد اللّبناني، وهنا لا بدّ من الركون إلى الأفكار المبتكرة من أصحاب الاختصاص ناهَيك بالتعاون الوثيق مع المؤسّسات الدوليّة والأمميّة، وهذا يتطلّب رؤية واضحة المعالم بالاجراءات والتدابير من ناحية، كما بناء مؤشرات قياس إمكانيّة التعافي ومراحله من ناحية أخرى. ويمكن الاستئناس في هذا السياق بتجارب اقتصاداتٍ مُماثلة بدأت الاستعداد لهذه المرحلة الانتقاليّة الشاقة لوقف الخسائر قبل استهلال تعويضها.

وبموازاة السياسة الماليّة والاقتصاديّة، فإنّه من المُلِح بمكان التنبّه لموجب تشييد شبكات حماية اجتماعيّة يتعاون فيها القطاع العامّ والقطاع الخاصّ والمجتمع المدني، خصوصاً مع الفئات الأكثر تهميشاً والأكثر فقراً، ومن هنا ينطلق خيار صون العدالة الاجتماعيّة رغم شحّ الإمكانات المتوافرة.

من هم اللّبنانيّات واللبنانيّون الذين سيتولّون هذه المهمّة النبيلة مع موجب إعادة الاعتبار للمعطى السيادي، حيث قيام منظومة أمنٍ قوميّ لبنانيّ لُبنة مؤسٍّسة، وليس كما يعتقدها البعض تفصيلاً في سياق؟

*زياد الصائغ، زميل باحث في السياسات في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات