Search
728 x 90

“كورونا” اطفأ محركات العالم… ماذا بعده؟

“كورونا” اطفأ محركات العالم… ماذا بعده؟

هل يكفي القول ان ما بعد “كورونا” ليس كما قبله، وان العالم في مرحلة تغيّر جذري سبق ووصم تاريخه في السابق على كل الصعد من دون استثناء؟ من الانظمة السياسية والصحية الى البيئة والاقتصاد والتجارة والتربية والعلاقات الاجتماعية… تماماً كما حصل في مفاصل سابقة في التاريخ العالمي القديم والعصري، مثل اعتداءات 11 ايلول 2001 التي اثمرت العودة الاميركية بقوة الى الشرق الاوسط، وسقوط جدار برلين العام 1990 الذي دق ساعة اعادة توحيد المانيا وبروزها قوة اساسية في الاتحاد الاوروبي، والعدوان الثلاثي على قناة السويس العام 1956 الذي انهى السيطرة البريطانية على مصر. 

جائحة اجتاحت العالم 

لم يكد يمضي شهران او ثلاثة على انتشار جائحة فيروس كورونا في العالم بعدما تم اكتشافه في مدينة ووهان في الصين في كانون الاول 2019، حتى استشعر علماء الاجتماع والاقتصاد والمال في العالم ان انتشار هذا الفيروس على الكرة الارضية لن يكون من دون عواقب جسيمة على الصعد الجيوسياسية كافة، نظراً الى انه فرض تبدلاً جذرياً في كل العادات الاجتماعية والاقتصادية والتجارية مزعزعاً انظمة قائمة منذ عقود عدة وجاعلاً نحو195 دولة اسيرة الشلل الاقتصادي فيما سكانها قيد الحجر الصحي بعدما تعدت الاصابات الـ 395 الف شخص فيما الوفيات نحو 13 الف شخص حتى كتابة هذه السطور.

فمن حيث السياسة، ارسى الفيروس واقعاً جديداً تمثل بخروج الصين منتصرة من مواجهتها مع “كورونا” بعد اقل من ثلاثة اشهر على ظهوره العلني- علماً ان كثيرين يقولون انه بدأ بانتشاره قبل بشهر او اثنين وقد تسترّت الصين على الموضوع. فكرّست لنفسها مكانة عالمية خاصة في وجه الولايات المتحدة التي وجدت نفسها عاجزة عن تنظيم المواجهة ضد هذا الوباء.

واذا كانت الولايات المتحدة الاميركية وجدت نفسها بعد الحرب العالمية الثانية “زعيمة العالم” مكتسبة شرعية قيادتها الدولية من حوكمتها وقدرتها واستعدادها لمواجهة الازمات المحلية وايجاد حلول لها، فإن الصين غيّرت بالمعادلة بعدما ملأت الفراغ الذي خلفته واشنطن في هذا الصدد، ولا سيما ان هذه الاخيرة رفضت الاستجابة لنداءات استغاثة حلفائها الاوروبيين للمساعدة خوفاً من ان تفتقد الى معداتها الطبية اللازمة لمعالجة مواطنيها، لا بل ذهبت الصين الى ابعد من ذلك متهمة الجيش الاميركي بإدخال الفيروس الى الصين.

فالصين التي بنت مستشفى مجهزاً بالكامل في ثمانية ايام، استطاعت السيطرة على الفيروس تماماً معيدة فتح الاقليم الذي شكل بؤرة اولية له، وسعت ايضاً الى مساعدة الدول التي رزحت تحت وطأته، اكان عبر النصح للمساعدة على سبل المواجهة او ارسال فرق طبية ومعدات واجهزة تنفس كما حدث في ايطاليا (الف جهاز تنفس، مليونا قناع، 20 الف بدلة واقية، 50 الف جهاز فحص الفيروس) او اسبانيا او في ايران (اطقم طبية و250 الف قناع)، ام في صربيا والفيليبين… حتى ان شركة “علي بابا” الصينية التي تعمل على الانترنت تعهدت بإرسال آلاف الاقنعة واجهزة فحص الكورونا الى الولايات المتحدة التي تفتقر اليها، كما وعدت بإيصال 20 الف جهاز فحص الكورونا و100 الف قناع الى كل دولة من الدول الـ 54 الافريقية.

كرة ثلج اقتصادية

وفي مقابل تأثر الاقتصاد الصيني بشكل كبير بهذه الجائحة، انعكس تراجعه على باقي اقتصادات العالم قياساً الى مدى ارتباط هذه الاقتصادات به نظراً الى ان الاقتصاد الصيني هو ثاني اقوى اقتصاد في العالم بعد اميركا. وتوقعت تقارير علمية انخفاض نمو الاقتصاد العالمي بنحو 8,2% فيما اكد خبراء اقتصاديون ان لا مفر من ركود اقتصادي عالمي دراماتيكي بعدما تكبدت البورصات العالمية خسائر فادحة وتراجعت قيمة FTSE و Dow Jones وNikkei ، مطالبين حكومات العالم باتخاذ تدابير مالية صارمة للحؤول دون الاسوأ.

وكانت منظمة الصحة العالمية اوردت في تقرير لها العام 2019 الآثار الاقتصادية الناجمة عن 1483 وباء في 172 ودولة في الفترة بين 2011-2018، بحيث ان الكلفة الاقتصادية الأكبر في الصين لانتشار فيروس سارس العام 2003 بلغت نحو 40 مليار دولار، كما بلغت نحو 55 مليار دولار إبان انتشار فيروس إنفلونزا الطيور العام 2009.

وقد اوضحت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إن التأثير العالمي لتراجع الاقتصاد الصيني سيكون اكبر هذه المرة، نظراً الى ان الصين تشكل اليوم 19% من الاقتصاد العالمي بعدما كانت تشكل 8% منه لدى مواجتها مرض “سارس”، وهي متداخلة أكثر في آسيا وفي كل أنحاء العالم.

على الصعيد الخارجي الضيق ايضاً، عمدت كل دولة الى اقفال حدودها لحصر انتشار الفيروس بحيث عزلت حالها بشكل شبه تام عن العالم الخارجي، متخطية اتفاقات تعاون “بالتكافل والتضامن” كانت ابرمتها في السابق. فدول الاتحاد الاوروبي على سبيل المثال، وجدت نفسها وحيدة لمواجهة الجائحة بحيث ان كل دولة من الاتحاد احتفظت بمعداتها واطبائها لنفسها غير آبهة بمصيبة جارتها، وابرز دليل على ذلك، رفض فرنسا تزويد اسبانيا بأجهزة تنفس اصطناعي خوفاً من الا يكفيها العدد الموجود لمعالجة مرضاها. وعلى نطاق اوسع، عزل الاتحاد الاوروبي نفسه عن العالم الخارجي بعدما اعلنت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل اقفال حدود الاتحاد في 17 آذار 2020.

وبفعل الاقفال الحدودي هذا، وجد قطاع النقل الجوي نفسه على شفير الهاوية لا بل انهار فعلياً متكبداً خسائر بلغت 113 مليار دولار من العائدات العالمية بما يمثل انخفاضاً بنسبة 19% مقارنة بالعام 2019، وفق تقرير بلومبرغ منتصف آذار.

ونقل التقرير عن شركة “جيفريز فايننشال غروب” توقعها أن تنخفض حركة النقل الجوية التجارية بنسبة 8.9% هذا العام، بحيث يكون هذا الانخفاض الأكبر وفق البيانات المتاحة على مدى 42 عاما.

والتراجع عينه واجهه القطاع الصناعي نظراً الى اعتماد شركات تصنيع عدة على مصانع خارج البلاد – ولا سيما في ايطاليا والصين- لتزويدها بقطع غيار لازمة لصناعتها. فتم مثلاً إغلاق كل مصانع ايطاليا لفترة غير محددة، كما مصانع السيارات في أوروبا وأميركا الشمالية واللاتينية، مما قد يؤدي إلى خفض الإنتاج العالمي من السيارات لعام 2020 بأكثر من 1.4 مليون سيارة.

وفي سلسلة ردات فعل تشكل كرة ثلج اقتصادية، ادى اقفال المصانع هذا الى انخفاض الحاجة العالمية للنفط الذي هوت اسعاره بنحو 16%، كما يتوقع اقتصاديون تراجعاً ملموساً في النمو الاقتصادي في كل البلدان، فعلى سبيل المثال لا الحصر، اوردت صحيفة “وول ستريت جورنال” توقع تراجع النمو في الصين 1% فيما توقع تقرير لـ “غولدمان ساكس” ان يتراجع نمو الناتج المحلي الأميركي في الربع الأول من 2020 بنحو 0.5%.

وبفعل تراجع النمو واقفال الحدود والمؤسسات التجارية والشركات التي واجهت الافلاس، سُجّل ارتفاع في نسبة البطالة عالمياً، حيث اعلنت منظمة العمل الدولية في 18 آذار 2020 ان 25 مليون شخص قد يفقدون وظائفهم على مستوى العالم نتيجة فيروس كورونا.

ووفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، فقد ارتفعت البطالة بمعدل 0.1 نقطة مئوية إلى 5.1 % في كانون الثاني 2020، حيث بلغ عدد العاطلين عن العمل في دول المنظمة 32.9 مليون شخص. والبطالة متفاوتة بين دولة وأخرى، ومنطقة وأخرى أيضا، ففي حين ترتفع في دول أميركا اللاتينية (مثلا)، فإنها تستقر نسبياً في الاتحاد الاوروبي. وفي الوقت الذي انخفضت فيه البطالة في كندا ارتفعت في الولايات المتحدة بنسبة 0.1 نقطة مئوية.

وبالفعل بدأت الازمة تتوسع في كل البلدان من دون استثناء، خصوصاً ان الحجر المنزلي اعاد تنظيم الدورة الاقتصادية بشكل مختلف تماماً عن السابق، بدءاً بعمل الموظفين من المنزل، وعدم حاجتهم الى سياراتهم للتوجه الى العمل، او للمطاعم – المقفلة اساساً – لتناول وجبات الغداء خارج البيت.

وضع البلدان في الحجر المنزلي ادى ايضاً الى تبديل في الانماط الحياتية اليومية، بدءاً من المدرسة التي انتقلت الى البيت عبر التعليم “اونلاين” او “عن بعد” بعدما كان امضى التلاميذ في البدء عطلة قسرية غير مجدية. وافادت منظمة اليونيسكو في 17 آذار ان أكثر من 776.7 مليون طالب متوقف عن التعليم بعد لجوء 85 دولة إلى إغلاق المدارس.

وقد طرح هذا الامر جدلية افتراضية جعلت من يدرس تأثير “كورونا” على العالم يتساءل ما الذي سيدفع التلاميذ – ولا سيما الجامعيون منهم- في ما بعد الى تكبد مصاريف كبيرة من منامة وغيرها لارتياد الجامعات في وقت من السهل متابعة الدروس “اونلاين”.

الانظمة الصحية على المحك

من دون شك ان جائحة “كورونا” كشفت عورات الانظمة الصحية في العالم التي لم تستطع مواجهة ضغط الطلب الكثيف عليها مع ارتفاع الاصابات بشكل مضطرد، مثلما حصل في ايطاليا واسبانيا وايران، بحيث بدأ الاطباء يمارسون عملية انتقائية في معالجة المرضى تستند الى من هو اوفر حظاً للشفاء واصغر سنّاً ايضاً.

يضاف الى ذلك النقص الفادح في اجهزة التنفس الاصطناعي الاساسية في معالجة “الكورونا”، مما دفع بأحد الاطباء المعالجين للقول ان “اجهزة التنفس في الحرب على كورونا هي بمثابة اهمية الصواريخ في الحرب العالمية الثانية”.

كما ان الجائحة كشفت النقص في اسرّة العناية الفائقة في غالبية الدول. فعلى سبيل المثال ان النظام الاستشفائي الايطالي يملك 12.5 سريراً لكل 100 الف شخص فيما تملك بريطانيا 6.6 سريراً لكل 100 الف شخص علماً ان المانيا هي في المرتبة الاولى من حيث عدد هذه الاسرة اذ تملك اكثر من 30 سريراً لك 100 الف شخص.

واذ بدت الكرة الارضية برمتها وكأنها اطفأت محركاتها لينزوي الجميع في المنزل خوفاً من العدوى، حذر الرئيس الاميركي دونالد ترامب من مخاطر الإغلاق الكامل للبلدان، قائلاً ان ذلك “يعرّض البلاد للدمار وانكماش كبير سيفوق في عدد ضحاياه فيروس كورونا”. وهذا ما حذت حذوه بعض الدول مثل السويد التي رفضت فرض الحجر المنزلي على مواطنيها او حتى اقفال مؤسساتها ومدارسها، لا بل اعلنت انها اوقفت احصاء الاصابات، مكتفية بإقفال الثانويات والجامعات فقط، وبنصح السويديين بالإنتباه الى العدوى، فيما ابقت حلبات التزلج مثلاً سالكة خوفاً من الركود الاقتصادي.

من هنا ايضاً ربما نظرية المؤامرة التي تقول ان خطر فيروس كورونا مبالغ فيه اذ انه يستهدف ما فوق السبعين الذين يكلفون دولهم مبالغ طائلة من التعويضات والعناية الصحية والاجتماعية.

وفي مقابل كل العوامل السلبية الناجمة عن فيروس كورونا، يبقى عنصر ايجابي وحيد تمثل بالأثر البيئي على الكرة الارضية ، اذ ذكرت وكالة “ناسا” الاميركية ان الاقمار الصناعية رصدت تدنياً ملموساً في نسبة “ديوكسيد النيتروجين” بفعل توقف الحركة الصناعية في غالبية الدول.

“زمن الوحوش”

اذاً العالم الى اين؟

يقول جيمي ميتزل، الخبير الجيوسياسي وفي الرعاية الصحية والتكنولوجيا المستقبلية ان “العالم كما نعرفه الى زوال”. ويستعين بالفيلسوف الايطالي انطونيو غرامتشي الذي كتب العام 1930 “ان العالم القديم يحتضر والعالم الجديد يكافح من أجل الولادة. الآن هو زمن الوحوش “.

فالعالم اليوم، يقول ميتزل، يعيش فترة إعادة تأميم دراماتيكية مع وجود قادة شعبويين أو متطرفين أو سلطويين على رأس دول كثيرة فيما المؤسسات التي تهدف إلى تعزيز التعاون العالمي مثل البنك الدولي ، وصندوق النقد الدولي ، والأمم المتحدة ، ومنظمة الصحة العالمية، تعاني من نقص كبير في ميزانياتها قد تم تجويعها في سياق إعادة التأميم هذه ، مما يجعلها غير فعالة جدياً لمواجهة الأزمات العالمية الشاملة.

واذا كانت جائحة كورونا تنتشر بسرعة العولمة على الكرة الارضية فإن الحل لها قد ينتشر ايضاً بالسرعة نفسها نظراً الى تضافر جهود العلماء في كل الدول لذلك وتبادلهم معلوماتهم بالسرعة نفسها ايضاً.

صحيح ان ديمقراطيات عدة ستهتز او تزول بفعل الفقر والتدهور الاقتصادي واهتزاز النظام الاجتماعي الناجم عن فقدان الملايين مداخليهم المالية بفعل “كورونا”، الا ان العالم سيواجه انمطة حياة جديدة كان اختبرها في عملية العزل الناجم عن الجائحة، بدءاً بالمحاكاة الافتراضية للأحداث والأنشطة والتفاعلات، مروراً بآلية العمليات والخدمات، وصولاً الى اللامركزية السياسية والاقتصادية.

والصحيح ايضاً، ان العولمة الاقتصادية قد ترى آخر ايامها مع “كورونا” الذي دفع بالحكومات والمجتمعات الى تعزيز قدرتها على التعامل مع فترات طويلة من العزلة الاقتصادية الذاتية.

ويذهب بعض المحللين الاقتصاديين الى ابعد من ذلك، قائلين ان العولمة المقبلة التي سيشهدها العالم ستتمحور حول الصين وليس حول اميركا كما كان في السابق، خصوصاً بعد النجاح الذي حققته في القضاء على “كورونا” بسرعة فائقة.

“فالتاريخ سيكتبه المنتصرون على كورونا كما هي الحال عبر تاريخ البشرية” … والقول لمدير معهد بروكينغز جون آلن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات