Search
728 x 90

قراصنة بلا ربّان

قراصنة بلا ربّان

لأول مرة في تاريخه ربما، يجد العالم نفسه عاجزاً امام حرب يخسر معاركها، الواحدة تلو الاخرى، في بلد تلو الآخر، امتداداً على 183 دولة، قبل ان يتوهم بأنه فاز مرحلياً في انتظار المعركة المقبلة. 
الحرب، التي توقع الباحثون، ان تكون حرب المياه في القرن الحادي والعشرين، اندلعت بسبب فيروس “كوفيد 19″، واستعملت فيها الاسلحة والتكتيكات التي استعملت في الحروب السابقة تاريخياً، خارقة كل القوانين الدولية، بدءاً بالقرصنة وصولاً الى سبي… الاجهزة الطبية.

المياه لم تعد حرب القرن 21

اذا كانت الامم المتحدة امهلت العالم في تقرير لها في كانون الثاني 2019، 12 عاماً فقط لوقف الاحترار العالمي، فإنها انذرت بسقوط الكوكب في حرارة شديدة وجفاف وفيضانات وفقر، وبالتالي في حروب عنيفة في غضون فترة تتراوح بين 50 و100 عام بحثاً عن المياه. الا ان كل ابحاث العلماء عن اسباب حروب المياه ووسائل مواجهتها باتت غير ذي فائدة مع بروز عامل جديد لاندلاع الحروب في شكل فيروس “كوفيد 19” العابر للقارات والبلدان والاديان.

وفيما انكبّت الابحاث على ايجاد المناطق التي ستكون عرضة لحروب المياه، وابرزها خمس مرتبطة بخمسة أنهار هي نهر النيل ونهر الغانج- براهمابوترا، ونهر السند، ودجلة والفرات، وكولورادو ( وفق مركز الابحاث المشترك التابع للمفوضية الاوروبية JRC)، فإن الفيروس الذي اجتاح العالم انطلاقاً من الصين منذ نهاية 2019 قلب كل المقاييس رأساً على عقب. فوضع التعاون الدولي العالمي واتحادات الدول ومعاهدات التعاون الدولية على كف عفريت.

فـ “الوباء يحمل المنطق الحرب نفسه” وفق ما قال François Heisbourg ، المستشار الأول لأوروبا في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS، وبالتالي فإن وسائل مواجهته تلجأ الى اساليب الحرب نفسها. والفيروس هذا كشف عورات عالم كان اسير عولمة بمفاهيم اصطناعية، كما احادية قيادة عالمية برزت هشاشتها وعدم صدقية الاتكال عليها. فانتفى منطق التعاون الدولي ليسود منطق “انا اولاً” طالماً ان الفيروس دق ابواب كل الدول من دون استثناء، لا بل ذهبت اساليب المواجهة الى ابعد من ذلك عبر القرصنة المفضوحة التي استهدفت الاجهزة الطبية من كمامات واجهزة تنفس، الى حد قول أحد الاطباء المعالجين ان “اجهزة التنفس في الحرب على كورونا هي بمثابة اهمية الصواريخ في الحرب العالمية الثانية”.

والقرصنة هذه استعملت اساليب الحرب “التقليدية” التي تهدف الى تحسين موقع المقاتل في مقابل خصمه، وبأي وسيلة ممكنة، اكان علناً ام سراً.

فلم تردع الولايات المتحدة الاتهامات الاوروبية لها بـ “قرصنة” اقنعة وكمامات. وابرز دليل اتهامات رئيس منطقة غراند إيست الفرنسية جان روتنر الذي قال إن ” الكمامات الفرنسية كانت على متن طائرة تستعد للإقلاع من مطار شنغهاي عندما ظهر المشترون الأميركيون وعرضوا 3 أضعاف ما دفعه نظراؤهم الفرنسيون”.

كما اتهم وزير الداخلية في مقاطعة برلين أندرياس جيزل الولايات المتحدة بالقيام “بعمل من أعمال القرصنة الحديثة” عبر “قرصنة من بانكوك شحنة من 200 ألف كمامة طبية من نوع “FFP-2” كانت موجهة لشرطة برلين، وهي من شركة “ام3″ الاميركية التي تصنّع قناعاتها في بانكوك”. وقال: “هذه ليست طريقة للتعامل مع شركاء الأطلسي. حتى في أوقات الأزمات العالمية”. وناشد الحكومة الألمانية بضرورة مطالبة الولايات المتحدة بالامتثال لقواعد التجارة العالمية.

وجاء “قانون الإنتاج الدفاعي” الذي يعود إلى زمن الحرب الكورية، والذي أقره الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليزيد الطين بلّة، اذ انه يسمح للرئيس بإجبار القطاع الصناعي على إنتاج المعدات الطبية، وعلى منع الشركات الأميركية عن بيعها للخارج… وهذا ما فعله مع شركة “ام 3” للأقنعة.

وقد كشفت معلومات صحافية ان ترامب حاول شراء شركة صيدلة المانية لتأمين إنتاج لقاح للولايات المتحدة فقط.

ولم تقتصر القرصنة على واشنطن فقط، لا بل باتت وسيلة دولية مباحة لتأمين المعدات الطبية. فالنائب الاوكراني أندري موتوفيلوفيتس اعترف ان “القناصلة الاوكرانيين الذين ذهبوا إلى المصانع الصينية وجدوا زملاءهم هناك من دول أخرى (روسيا والولايات المتحدة وفرنسا) وهم يحاولون استلام طلبات اوكرانيا التي كانت دفعت مقابل طلباتها مقدما عن طريق التحويل المصرفي كما وقعت عقوداً في هذا الصدد… لكن لديهم المزيد من المال والنقد”، كما قال.

بدورها كشفت إذاعة كندا عن وصول شحنة من الأقنعة الصينية أقل مما هو متوقع إلى كيبيك بعدما استولت واشنطن على قسم منها.

وفي السويد، اتهمت شركة مولنليك الطبية السلطات الفرنسية بمصادرة ملايين الكمامات والقفازات الطبية التي استوردت من الصين وكانت متجهة عبر فرنسا إلى كل من إسبانيا وإيطاليا.

اما في سلوفاكيا، فكشف رئيس الوزراء بيتر بيليغريني أن حكومته جهزت 1.2 مليون يورو لشراء شحنة كمامات من مصنع صيني، وأعدت طائرة حكومية خاصة لنقل الشحنة، إلا أن تاجرا من ألمانيا حصل على الشحنة بعدما دفع أموالا أكثر.

من جهتها، اشترت السلطات التشيكية من مهربين آلاف الكمامات التي كانت موجهة لمستشفيات إيطالية، قبل أن تكتشف في ما بعد أن تلك الكميات كانت هبة من السلطات الصينية لروما.

وفي البرازيل ، قال وزير الصحة لويز هنريك مانديتا، إن إقليم برازيليا لم ينجح في شراء معدات الحماية مثل القفازات والكمامات من الصين، اذ ان واشنطن ارسلت 23 من أكبر طائرات الشحن الخاصة بها إلى الصين، لنقل المواد التي حصلت عليها.

ما بعد “كوفيد 19”

هذا في الشكل، اما في المضمون، فما الذي سيتبدل بعد “كوفيد 19″؟

الاكيد ان ما بعد الفيروس ليس حتماً كما قبله، ولا سيما في العلاقات الدولية التي كان سبق ورسم خطها العريض الرئيس الاميركي دونالد ترامب منذ ان تولى سدّة الرئاسة، مؤكداً ان “اميركا اولاً” على حساب كل علاقاتها الدولية وحلفائها.

وهو عمل في هذا الاتجاه، اكان عبر تقليص مساهمات بلاده في حلف شمال الاطلسي، ام “إغراء” بريطانيا باتفاقات تجارية غير مسبوقة اذا امضت في خروجها من الاتحاد الاوروبي في آخر مرحلة من “البريكست”، ناهيك عن انه لم يتردد في مطالبة الدول الغنية في الشرق الأوسط بدفع تكاليف حماية بلاده لها التي بلغت 7 تريليون دولار كما قال. وذهب الى حد القول ان المملكة العربية السعودية دولة ثرية جدا، وستعطي الولايات المتحدة بعضاً من هذه الثروة على شكل وظائف وشراء معدات عسكرية.

كما شدّ الخناق اخيراً على ايران التي ترزح تحت اصابتها بفيروس “كوفيد 19” رافضاً تخفيف العقوبات الاحادية عليها، لا بل اضاف عليها عقوبات جديدة، من دون ان يبالي باستنجادها بصندوق النقد الدولي لتمويل حربها على الفيروس.

العلاقات الدولية ستتبدل ايضاً في المرحلة المقبلة وبعد استخلاص العبر من المرحلة الراهنة.

فالولايات المتحدة التي تزعمت قيادة “العالم الحر” بعد زوال الاتحاد السوفياتي خسرت ثقة حلفائها الغربيين عبر سلوكها السياسي في السنوات الثلاث الاخيرة، بدءاً بعلاقتها مع كندا، وابّان حربها على كورونا، وذلك لحساب الصين التي سعت لملء الفراغ الاميركي بأي وسيلة بعدما كانت معركتها محتدمة مع واشنطن تجارياً… فأرسلت بكين المساعدات الطبية والبشرية الى ايطاليا المنكوبة بكورونا التي لم تلتفت اليها، لا واشنطن ولا اي من الدول الاوروبية.

من جهته، بدا الاتحاد الاوروبي اكبر الخاسرين في المعركة بعدما تزعزت كل مداميك نشأته التي سبق واهتزت بانسحاب بريطانيا منه. فهو خلا من اي سياسة صحية موحدة لمواجهة الفيروس، لا بل عمدت كل دولة الى “التقوقع” داخل حدودها التي اغلقتها في وجه جيرانها، منفذة سياسات منفردة خاصة بها. وابرز دليل الانتقادات الاوروبية التي تواجهها السويد التي رفضت الانصياع الى التشدد في المواجهة و”شلل البلاد” كما فعلت الدول الاخرى في الاتحاد. كما استأثرت كل دولة بمستلزامتها الطبية غير آبهة بـ”مصيبة” غيرها من الدول في الاتحاد، ولا سيما اسبانيا وايطاليا وفرنسا التي اعتبرت ان الاتحاد “تخلى عنها” في وقت هي بحاجة لتمويل لتجاوز التبعات الاقتصادية للوباء، خصوصاً بعدما رفضت المانيا وبلجيكا طلب إيطاليا وإسبانيا، لتمويل خزينتهما بسيولة مالية من إدارة الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا الاطار، كشفت دراسة اجراها مجلس العلاقات الخارجية في الاتحاد الاوروبي ومركز “بروغل” ان “الخلافات المتزايدة بين أعضاء الاتحاد على خلفية أزمة كورونا من شأنها تقويض فكرة الاتحاد وفائدته على المواطنين الأوروبيين، وتعزيز بالتالي فكرة “القومية الضيقة”، كما تطالب بها أحزاب أوروبية يمينية متطرفة، ومؤيدون للبريكست”.

وفي المقابل، تلفت دراسة اخرى الى ان الواقع الذي سيخلفه الوباء سيزيد الشرخ الاوروبي خصوصاً ان الدول المتضررة بالوباء في جنوب أوروبا، ستكون غارقة في ديون لفترة طويلة، ما سيجعلها أكثر كلفة وأقل مردودية للاتحاد، ومنها إسبانيا وإيطاليا واليونان التي ترتهن بديون عامة إلى صندوق منطقة اليورو ESM حتى العام 2070.

وبذلك، يكون “كوفيد 19” نجح في خمسة اشهر في زعزعة عمل 69 عاماً على الوحدة الاوروبية، يوم وقعت اتفاقية معاهدة ماستريخت (بين فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا وإيطاليا) في نيسان 1951 ، ممهدةً لتشكيل المجموعة الاوروبية بعد 6 اعوام.

فالعالم لم يشهد – حتى في زمن الحربين العالميتين – قضية عالمية مشتركة استدعت شراكة كل الدول وتعاونها معاً لمواجهة عدو واحد.

وهذا العالم اليوم – كما قال الكاتب امين معلوف في كتابه “غرق الحضارات”- في هذه “المرحلة الحسّاسة من تاريخ البشرية، يحتاج إلى ربّان يتولى مصير السفينة بأكملها لا مصيره فحسب”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات