Search
728 x 90

في مئوية لبنان الكبير هل ينجح ماكرون نازع الألغام ؟

في مئوية لبنان الكبير هل ينجح ماكرون نازع الألغام ؟

يجد لبنان  نفسه امام أسوأ معادلة مصيرية وكيانية حين يحيي مئويته الأولى وسط انهيار تجربة الدولة فيه الى  درجة تغدو معها حاجته الى الدور الفرنسي تحديدا للنجاة من مهالك ازماته الراهنة كأنها اشد الحاحاً من اعلان قيامه بحدوده الجغرافية قبل قرن .

حين يحل الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون للمرة الثانية في اقل من شهر في بيروت في الذكرى المئوية الأولى لاعلان لبنان الكبير برعاية الجنرال غورو من قصر الصنوبر التاريخي تكون المفارقة الدراماتيكية الهائلة هي ان حضوره سيرسم علامات الاستفهام الضخمة حول أي لبنان تعود فرنسا بعد قرن الى محاولة إنقاذه من الزوال؟ ذلك ان التحذيرات الفرنسية المتعاقبة في الأيام التي سبقت موعد عودة ماكرون الى لبنان اتسمت بخطورة عالية ومفزعة على نحو لم يتردد على ألسنة أي مسؤولين دوليين مثل الفرنسيين مثلما حذر وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان من “زوال واختفاء لبنان “، وكما فعل ماكرون نفسه من التحذير من “حرب أهلية ” جديدة في لبنان تقوّض هويته.
واذا كانت المعطيات الواقعية التي تظهرها سلسلة الازمات والانهيارات التي شهدها لبنان بتسارع مذهل منذ خريف العام الماضي وصولاً الى زلزال انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب الحالي تبرر عموماً الكثير من هذا النوع من التحذيرات الخارجية فإن ما تطلقه فرنسا تحديداً وهي في عزّ انخراطها في محاولات احتواء شتى الازمات والكوارث اللبنانية، يتخذ بعداً استثنائياً خاصاً ومتمايزاً تماماً عن سائر مواقف الدول وأدوارها حيال لبنان .
فلا مغالاة في القول ان لبنان يجد نفسه امام أسوأ معادلة مصيرية وكيانية اذا صح التعبير حين يحيي مئويته الأولى وسط انهيار تجربة الدولة فيه الى هذه الحدود الخيالية والى درجة تغدو معه حاجته الى الدور الفرنسي تحديداً للنجاة من مهالك ازماته الراهنة كأنها اشد الحاحاً من اعلان قيامه بحدوده الجغرافية قبل قرن .
ولذا ترتسم مع الدور الفرنسي المتجدد معالم آفاق مصيرية بكل المعايير بما يبرر تنامي المخاوف لدى كثيرين من حقول الغام وافخاخ قد تكون الساحة اللبنانية عرضة لها لإفشال الرعاية الفرنسية المندفعة بقوة لافتة وهو احتمال لا يمكن تجاهله وإسقاطه في تجارب لبنان الكثيرة لدى مروره بمطبات الصراعات المكشوفة والمخفية الدولية والإقليمية وعند مفارق استحقاقات خارجية تؤثر عليه مباشرة او بالواسطة.
والواقع ان فرنسا تقف الآن عند مفترق المواجهة الأميركية الإيرانية خصوصاً في ما يشكل لدورها اللبناني الامتحان الأقسى والاصعب . وهي وان حصلت مبدئياً على تفويض أميركي في الكثير مما تتولاه في رعايتها لمحاولات اجتراح حل للازمة اللبنانية فإن ذلك لن يضمن الكثير لها في ما تبقى من مهلة قصيرة لاستحقاق الانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني المقبل لأن لبنان سيكون حتماً احدى ساحات تنفس الحسابات الدفينة لإيران خصوصاً بإزاء هذا الاستحقاق. كما ان إسرائيل وحزب الله سيتنافسان كما بدأ يحصل ميدانياً في حوادث غامضة عدة أخيراً على الحدود الجنوبية للبنان مع إسرائيل على تبادل الرسائل المرمّزة ولو ضمن اقتناع غالب من ان الوضع لا يبدو مقبلاً على مواجهة او حرب كبيرة .
ولذا تحول الدور الحيوي المندفع لايمانويل ماكرون الذي ترك كل أولويات بلاده الساخنة من الانتشار المتجدد بقوة لكورونا الى الصدام مع تركيا حول شرق المتوسط وليبيا وما بينهما من مشكلات داخلية مرتين في شهر وتفرّغ لزيارتين للبنان الى مسألة من الدرجة الاستثنائية لباريس ولكنها رتّبت على الطاقم الرسمي والسياسي في لبنان تبعات قاتلة هذه المرة . ذلك ان الإفلاس المخزي للطاقم السياسي اللبناني الذي يعيش في حال فضائحية لفرط انكشاف مسائل الفساد يحتّم على هذا الطاقم تسليماً او اقلّه استجابة بالحدود القصوى للأفكار والاقتراحات وخطة الطريق التي يطرحها الفرنسيون والتي يفترض ان تقترن اول الامر بتكليف شخصية لتأليف الحكومة الجديدة قبل وصول ماكرون الى بيروت بساعات قليلة ومن ثم اطلاق يده في تشكيل حكومة ذي صدقية تكفل استقطاب الدعم الخارجي لمساعدة لبنان على تجنب الانهيار الكبير.
وهو امر لا يمكن حصره بالبعد الداخلي فقط اذ ان الاستشارات النيابية الملزمة وما ستسفر عنه ومن ثم رصد ما سينجم عن زيارة ماكرون ستدفع كلها نحو جعل الأسبوع الطالع في لبنان بمثابة أسبوع مفصلي لرسم السيناريوات التي سيسلكها لبنان المحتفل بمئويته وسط أسوأ ظروف عرفها في تاريخه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

1 التعليق

أحدث المقالات