Search
728 x 90

في ثقافة البرواز … ومواقف اللاّموقِف!

في ثقافة البرواز … ومواقف اللاّموقِف!

جلاّدو اللبنانيين هم آلهتهم. يهمّشونهم ثم يستعملونهم. يشعرونهم بأنّ الانكفاء جريمة. يفرملون اندفاعاتهم. تمكّنوا من جعلهم أكسسواراً حتى في صراع حول الصيغة والميثاق. فهل من معادلة إنقاذيّة؟

زياد الصائغ 

خبير في السياسات العامة واللاجئين

قدرتهم على إطلاق مواقف والانقلاب عليها مرعِبة. الانقلاب بحجّة تغيُّر المعادلات قائمٌ بنيويّاً على التباسِ مؤسِّس في الأجندة المبدئيّة. الحُكم عندنا ملهاةٌ حتى ثمالة التسمُّر في التاريخ. من المفيد تحليلُ التناقضات في هذه المواقف ليس ليُبنى على الشيء مقتضاه. بل لنحاول استيعاب سياق اللاّانتظام العام لمن هو مؤتمن على حسن هذا الانتظام. سقطت الدّولة المركزيّة عندنا. أفُق الدّولة اللاّمركزيّة ساقطٌ أيضاً. ما نحياه كانتوناتٌ مدجّجةٌ بأعتى أنواع التصلّب الاختياري حتى إنفاذ أمرٍ في نفس أكثر من يعقوب.

في دولة النفايات، واللّاكهرباء، واللّامياه، واللّامواصلات، وأعلى كلفة اتصالات عن أيّ سيادةٍ للدولة تتحدّثون؟ في دولة اللّانظام تقاعد حماية اجتماعية، ولا سياسة عمل، ولا ضمان استشفائي شامل، بأي كرامةٍ للإنسان تبشّرون؟ في دولة تقاسم أدوارٍ داخليّة وحدوديّة دون منظومة أمن قوميّ على أيّ مناعةٍ بمشروعيّة الشرعيّة تتّكلون؟

في مواجهة كلّ هذه التساؤلات – التحدّيات تعالوا نبحث معاً عمّا يعني أن نزخر مشهدنا الشعبو – سياسيّ بمهرجانات التكريم وخطابات المديح لما سيتم إنجازه، انتقاماً ممّا تمّ عرقلة إنجازه.

هي ثقافة البرواز تجتاحنا. تبويس اللّحى عندنا سائدٌ حتى النّخاع الاستبداديّ. كذا يصبح إقفال المعابر الشرعيّة وغير الشرعيّة مطلباً مُلِحاً لحاجة الخزينة الى المال أكثر منه لموجب تسيُّد الدولة بالقانون.

تجويف المفاهيم أمسى في دوّامة تدوير الزوايا. المُهم أن يستمر الستاتيكو، حتى ولو كان مدمِّراً. ربما في عُرف أولئك المصرّين عليه أنَّ الأبوكاليبتيّة ضرورةٌ قُصوى في فِعل إعادة إنتاج، ما توافقنا على اصطلاحه، بالنموذج التوافقيّ اللبنانيّ.

وفي زحمة سيدر، وماكينزي، والتصنيف الائتماني، والورقة الاقتصادية الإصلاحية العليا ممهورة بموازنة أفضل المُمكن، من الموجب أن نتصيّد البوصلة. الارتباك سيّد موقف اللّاموقف.

لا ضير بانخفاض التصنيف الائتماني للبنان. لا ضير من رجرجة مستقبل اللبنانييّن الأمانيّ. سحابةٌ سوداء في شمسِ حُكّامنا الساطعة لا ضير بها كلّ ستة أشهر. بالله عليكم لِمَ تهوّلون علينا بانخفاضِ ورجرجة في الائتماني والأمانيّ. لا حاجة لذلك فنحن خبرنا الفيالق والفوالق، وما زلنا أقوياء. القوة عندنا من كونٍ عنيد لا يُهادن. مهادنته إن استدعتها الظروف فِعل حكمة كي يواصل الارتقاء في مسار تنفيذ ما رُسِم له، أو اقتضته مصلحته.

لستُ أدري ما هي الميكانيزمات الدّولتيّة (Étatique) التي ما زالت قائمة عندنا في لبنان. حتى شبهُها تهاوى بفِعل جلدٍ اغتيالي للحقائق، أو بفِعل فولكلورية احتِفاءٍ بافتتاح مراحل خدماتيّة متأخرة عقوداً. يجب تنسُّم مدى فاعليتها في ظِلّ الارتجال الذي يسيطر على مفاصل شبهها المتهاوي (الميكانيزمات الدّولتيّة).

غيرُ موفَّق الانسياق لتسويق خطابين نقيضين مولودين من رَحم التّذاكي ليس على الخارج، بل على أنفسنا. دهاءُ التموضع بسلامة في الأزمات لا يستقيم دون منظومة أمنٍ قوميّ. ممنوع استيلاد هذه المنظومة حتى الساعة. ناحِروها هم من يتوجّب عليهم استيلادُها. هذه مأساتنا.

جلاّدونا هم آلهتنا. يهمّشوننا ثم يستعملوننا. يشعروننا بأنّ الانكفاء جريمة. يفرملون من ثمّ اندفاعاتنا. تمكّنوا من جعلنا أكسسواراً حتى في صراعٍ حول الصيغة والميثاق. هل من معادلة إنقاذيّة؟ في حقبة القوّة انتهت أوهام رسخت لعقود.

ثقافة البرواز عندنا انتصرت. مواقف اللاّموقف استأسدت. النموذج الذي يحتاجه الكون صرعناه بلامسؤوليّتنا. بئس هذا الزمن الرديء إذ قال فيه، وبرُدفائه في التاريخ والحاضر، قال فيه فلسفيّاً شارل مالك في “المقدّمة: سيرة فلسفيّة ذاتيّة”: “القضيّة أن يرتضي الإنسان عيشاً وضيعاً مع أقزام الوجود في الحاضر وفي التاريخ، أو مع قممٍ محدّدة من التاريخ… تهون مستصعباتها عند الجدّ في طلبِ الحقيقة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات