Search
728 x 90

فيروس بأهداف سياسية… وحرب بالمساعدات

فيروس بأهداف سياسية… وحرب بالمساعدات

لم يكن وزير الخارجية الاميركية الاسبق المحنّك هنري كيسنجر مخطئاً عندما قال في حوار مع صحيفة “ديلي سكيب” الأميركية العام 2017 ان “تحوّل موازين القوى ولا سيما الاقتصادية في القرن 21 ، يمهّد الطريق للحرب العالمية الثالثة ، سيكون طرفاها روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة من اخرى”.

ففيروس “كوفيد 19” الذي اندلع من الصين في نهاية 2019، بات فتيل هذه الحرب التي كانت هامدة او حتى باردة منذ ان انضمت الصين الى منظمة التجارة العالمية العام 2001، بحيث تحولت الحرب الصحية سياسية بامتياز، تتجلى مفاعيلها في سلسلة تطورات ليست ابداً بريئة او انسانية كما يبدو للوهلة الاولى.

“عذر” لتفجير التنافس

فيروس “كوفيد 19” لم يكن سوى “العذر” الشرعي لتفجّر التنافس الاميركي – الصيني الى العلن بشكل فاضح نحو القضاء على ما يسمى “الاحادية القطبية الاميركية” منذ ان انفرط عقد الاتحاد السوفياتي العام 1991 واستحواذ واشنطن وحيدة على قيادة “العالم الحر”، في مقابل السعي الى انشاء قطبية ثانية لم ترس بعد مداميك قوتها بالكامل عبر انشاء “بريك” العام 2008 (البرازيل وروسيا والهند والصين) ومن ثم “بريكس” بعد انضمام جنوب أفريقيا العام 2010.

والصين التي بدأ نجمها يصعد بشكل سريع اقتصادياً بعد انضمامها الى منظمة التجارة العالمية، وبالتالي تصاعد تأثيرها السياسي ايضاً، بدأت تشكل هاجساً اميركياً ملموساً حدا بوزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون للقول في هونولولو في تشرين الثاني 2011 ان “القرن الحالي سيكون قرن المحيط الهادي بالنسبة لاميركا، كما كان القرن الماضي قرن المحيط الاطلسي”.

كلينتون استدركت بعدها قائلة ان “البعض في بلادنا يرى في تطور الصين تهديداً للولايات المتحدة، في حين يخشى البعض في الصين من أن تكون اميركا تسعى الى ردع الصين. في الحقيقة نحن نعتبر ان ازدهار الصين جيد بالنسبة للصين وبالنسبة الى اميركا”.

وبعد عام واحد فقط على هذا الكلام، اي في 2012 ،تمكنت الصين من التفوق تجارياً على الولايات المتحدة الاميركية لأول مرة في تاريخها ، بحيث بلغ مجمل ميزان تبادلها التجاري 3.87 تريليون دولار فيما بلغ التبادل التجاري الاميركي 3.82 تريليون دولار. وباتت الصين تشكل ثالث سوق خارجي للبضائع الاميركية فيما توقع الاختصاصيون ان تكون القوة الاقتصادية العالمية الاكبر بعد 10 سنوات، بنمو سنوي يتخطى الـ 9% وصولاً الى 16%.

الا ان المزاج الاميركي الموالي للتعاون مع الصين ما لبث ان تبدل بعد اقل من ثلاثة اعوام، عندما بدأت واشنطن تلمس الخطر الصيني الذي يتهددها صناعياً وتجارياً والكترونياً في ظل بناء بكين العديد من الجزر الصناعية في بحر الصين الجنوبي، بحيث بات حجم التجارة الذي يمر في هذه المنطقة والذي تسيطر عليه الصين يصل إلى 5.3 تريليون دولار سنوياً، كما كشفت تقارير عدة.

يضاف الى ذلك الصعود التكنولوجي الصيني الصاروخي في الذي عزاه مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي اف. بي آي كريستوفر راي الى سرقات فكرية من مؤسسات اميركية ، كما قال نهاية 2019 أمام الكونغرس، موضحاً ان 1000 تحقيق على الأقل من التحقيقات التي أجريت اخيراً في سرقات فكرية من مؤسسات أميركية تشير بالاتهام إلى الصين. وقدّر مسؤولون في الادارة الاميركية الحجم الإجمالي للملكية الفكرية التي “سرقتها الصين خلال السنوات الأربع بين 2013 و2017 بـ 1.2 تريليون دولار.”

وفي الموازاة، باتت الصين الممول الاكبر لديون الولايات المتحدة بحيث تمتلك أكثر من خمس ديون واشنطن الخارجية فيصل الدين الأميركي لها الى نحو 1,11 تريليون دولار، علماً ان اميركا تشكل اكبر سوق تجاري للمنتجات الصينية.

صفعة الفيروس

في ظل هذا المناخ الاقتصادي الملائم للصين الصاعدة، اتى فيروس “كوفيد 19” ليشكل صفعة قوية لبكين جعلت العالم الغربي يقف اولاً متفرجاً على تخبطها به في نهاية 2019، خصوصاً بعدما كبدّها خسائر هائلة بلغت خلال الربع الأول من العام 2020 حوالي 143 مليار دولار. ولكن ما لبثت ان توجهت الانظار الى الصين على خلفية اتهامات اميركية واوروبية للصين باخفاء الابلاغ عن انتشار الوباء لمنظمة الصحة العالمية في ظل مسارعتها الى عرض تقديم مساعدتها للدول الغربية من منطلق قدرتها وكرمها وليس كشعور بالذنب نتيجة مسؤوليتها عن انتشار الوباء.

استعرت الحرب الكلامية بين الصين وكل من الولايات المتحدة ودول اوروبية عدة ، لكن هذا لم يمنع هذه الاخيرة من السعي الى تأمين احتياجاتها وحيدة من المواد الطبية لمواجهة الفيروس متجاهلة مساعدة حلفائها من دول “العالم الحر”، فيما عمد البعض منها الى مصادرة او “قرصنة” الشحنات الطبية الموجهة الى دول اخرى بهدف حماية مواطنيه اولاً واخيراً.

استغلت الصين سيطرتها على الفيروس في اقل من شهرين من اجل ملء الفراغ الذي شكله التراجع الاميركي العلني عن المساعدة، فعملت على تقديم المساعدات الفنية والبشرية الى الدول المنكوبة مرسلة أطباء وأدوية وأجهزة إلى صربيا وإيطاليا وإيران والعراق وعشرات الدول الأخرى التي عانت من الفيروس في وقت امتنعت واشنطن والاتحاد الاوروبي مجتمعاً عن مساعدتها.

واتى قرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب منتصف نيسان 2020، بحجب حصة بلاده السنوية في تمويل منظمة الصحة العالمية بمبلغ يتراوح بين 400 و500 مليون دولار ليزيد الطين بلّة بعدما اتهمها “بمحاباة” الصين. من جهته، اتهم وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو الصين بأنها لم تبلّغ عن تفشي الفيروس في الوقت المناسب، في انتهاك لقواعد منظمة الصحة العالمية وبأنها جعلت من ” الوباء فرصة لترويع جيرانها”. فسارعت بكين في المقابل الى تقديم ثلاثين مليون دولار لمنظمة الصحة العالمية مذكرة بأنها دفعت من قبل 20 مليون دولار في إشارة إلى هبة قدمتها في آذار الماضي.

مساعدات لأكثر من 100 دولة

وفي ازاء الادانة الكبيرة لقرار ترامب بوقف تمويل منظمة الصحة العالمية في وقت بدت الصين “تبيّض” صفحتها من مسؤولية انتشار “كوفيد 19″ عالمياً عبر مساعداتها، كشفت الخارجية الاميركية قائمة بمساعدات عينية تقدمها لأكثر من 100 دولة تحت عنوان ” مستند حقائق” في 16 نيسان 2020.

فتوزعت المساعدات على:

– 37 دولة في افريقيا

– 17 دولة في اوروبا واوراسيا بينها ايطاليا بخمسين مليون دولار وتركيا بـ 800 الف دولار لكن بغياب اسبانيا عن اللائحة.

– 25 دولة في آسيا

– 16 دولة في اميركا اللاتينية والكاراييب.

– 10 دول في الشرق الاوسط وشمال افريقيا. والعراق الاكثر حظاً في المساعدات التي بلغت 25.6 مليون دولار( 19 مليون دولار لقطاع الصحة ولدعم إنشاء مختبرات وتطبيق خطة طوارئ في مجال الصحة العامة)، تليه سوريا بنحو 18 مليون دولار، فلبنان بـ 13.3 مليون دولار، والاردن بـ 8 مليون، وليبيا بـ 6 ملايين، فالضفة الغربية وغزة بنحو 5 مليون، والمغرب بـ 1.7 مليون، وتونس 600 الف دولار، وكل من الجزائر واليمن بـ 500 الف.

من جهته، أعلن وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو في 22 نيسان 2020 عن تقديم 270 مليون دولار في صورة مساعدات صحية واقتصادية إنسانية إضافية للدول لمواجهة تفشي فيروس كورونا المستجد، ما يرفع حجم المساعدات الأميركية للخارج في هذه الأزمة إلى 775 مليون دولار.

واشار بيان للخارجية الاميركية الى تخصيص 170 مليون دولار من المساعدات الإنسانية الممولة من الكونغرس لمساعدة “المجتمعات في بعض البلدان الأكثر عرضة للخطر بالاستعداد للوباء والاستجابة له” اضافة الى 100 مليون دولار “لمساعدة الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص على الاستعداد والتخفيف من المرض ومعالجة الآثار الأخرى”.

في الموازاة، ذكر بيان لوزارة الخزانة الأميركية في 11 نيسان 2020 أن واشنطن تعمل على ضمان وصول المساعدات الإنسانية للبلدان التي تحتاج للدعم الطبي والإنساني في ظل انتشار وباء كورنا، مشيرة تحديداً الى إيران وكوريا الشمالية وسوريا وفنزويلا. وهذه الدول التي تعتبر واشنطن “محور الشر” وتكنّ العداء لها، علماً ان المرشد الروحي للجمهورية الاسلامية الايرانية علي خامنئي رفض عروضاً من واشنطن بتقديم مساعدات إنسانية لإيران. كما ان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي اعلن ان “إيران لم تطلب أبدا ولن تطلب من أميركا مساعدة طهران في معركتها ضد الفيروس، لكن على أميركا أن ترفع كل العقوبات الأحادية غير القانونية على إيران”.

وفي المقابل، عارض ترامب طلباً ايرانياً من صندوق النقد الدولي بقرض من 5 مليارات دولار لمحاربة الفيروس “للحد من احتمال قيام الإرهابيين أو غيرهم من الجهات غير المشروعة بتحويل مسار هذه المساعدات أو إساءة استخدامها”، كما قال وزير الخزانة الأميركية ستيفن منوشين الذي اضاف ان “عقوبات وزارة الخزانة الأميركية لا تستهدف المساعدات المشروعة، فهي تسمح للمساعدات الإنسانية بما في ذلك الأدوية والأجهزة الطبية والمعدات والمنتجات الزراعية في أي وقت”.

لكن في مقابل العقوبات الاميركية، اتت المساعدات الصينية لتزيد قلق واشنطن، خصوصاً ان بكين تعاني من ازمة اقتصادية داخلية جعلت نموها السنوي يتراجع الى 6% بعدما لامس الـ 16% . فالتاريخ الحديث والقديم اثبت ان الدول التي عانت مشاكل داخلية “هربت منها” نحو مغامرات عسكرية في الخارج… وكيف اذا سجّلت الاحداث ان الصين دشّنت سفناً حربية خلال السنوات العشر الماضية أكثر مما تمتلكه البحرية البريطانية بالكامل، كما أسست منشآت وتسهيلات بحرية في إفريقيا قد تتحول للاستخدام العسكري سريعاً.

وما تدريبات القوات البحرية الأميركية على متن سفن من دول جنوب شرق آسيا في خليج تايلاند وبحر الصين الجنوبي في ايلول 2019 سوى اكبر دليل على “شد الحبال” الاميركي- الصيني الذي لن يكون طبعاً الاتفاق التجاري بين البلدين حجر عثرة امامه وامام اي طموحات اي منهما المستقبلية.

وبناء على هذه المؤشرات المتتالية فإن الكباش الصيني مع كل من الولايات المتحدة واوروبا قد يشهد فصولا مختلفة بعد لملمة تداعيات انتشار فيروس الكورونا على خلفية صراع سيشتد في المرحلة المقبلة وربما اكثر من المرحلة التي سبقت الكشف عن الوباء. اذ يُخشى ان ازمة ثقة عميقة نشأت مع الصين وليس فقط نتيجة سعيها الى الاستفادة من التراجع الاميركي الذي ظهر مع الارتباك لانتشار الوباء في اميركا، بل في اطار سعيها لتسجيل انتصارات كقوة عالمية ناشئة يمكن ان تشغل الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة في مناطق نفوذها عبر الاقتصاد وليس عسكرياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات