Search
728 x 90

فرنسا تهرع لمد اليد لكن اليأس اقوى 

فرنسا تهرع لمد اليد لكن اليأس اقوى 

سارعت فرنسا الى تخفيف وتيرة تدهور الوضع في لبنان في زيارة لوزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان الى بيروت سعى من خلالها الى ترجمة، ليس فقدان الصبر الفرنسي، فحسب ازاء عدم قيام المسؤولين اللبنانيين بواجباتهم في اجراء اصلاحات حقيقية، بل رسالة متعددة من كل الاطراف المؤثرين: الولايات المتحدة التي دعا وزير خارجيتها مايك بومبيو مراراً الى اصلاحات تلبّي طلبات الشعب الذي انتفض في ١٧ تشرين الاول ٢٠١٩ والابتعاد عن سيطرة ” حزب الله” . دول الاتحاد الاوروبي التي كلّفت فرنسا ورعت مباشرة انعقاد مؤتمر سيدر في باريس ٢٠١٨ على قاعدة ان فرنسا تدرك كيف تتعامل مع لبنان ومسؤوليه. 

هذه الدول مدفوعة كلها بالمخاوف على جانب مهمّ يقلقها هو وجود عدد كبير من اللاجئين السوريين في لبنان والذين يمكنهم ان يعبروا البحر مجدداً في حال الفقر والعوز الى شواطئها مجدداً والحرص الاوروبي والفرنسي خصوصاً على انهيار يطيح كيان لبنان ويتهدد طوائفه ولا سيما المسيحيون منهم الذين اطاحت الازمة والمصالح الاقليمية بالنظام المصرفي في لبنان والذي كان ركناً من اركان الاقتصاد الذي يشكل المسيحيون عماده.

الا ان الاهم والاخطر في ازمة يخشى ان تزداد حدة وتهوراً هو مصير الشباب والمراهقين والتلامذة على المدى البعيد في ظل انهيار المدارس لوا سيما الكاثوليكية منها التي كانت في اساس النفوذ الغربي في لبنان منذ اجيال وهي تنذر بانهياره من خلال انهيارها اضافة الى كارثة اكاديمية ستترك آثارها لمدة طويلة.

العامل الاهم في هذا السياق برز في اعلان لودريان عن تقديم مبلغ ١٥ مليون يورو للمدارس الكاثوليكية علما انها لا تقوم على تعليم التلامذة من المسيحيين بل من كل الطوائف . يتجنب الفرنسيون بذلك تقديم مساعدات مباشرة الى سلطة لبنانية ليست على قدر المسؤولية في المرحلة الخطيرة التي يمر فيها لبنان كما يتجنّبون في الوقت نفسه رأياً عاماً فرنسياً يمكن ان يثير مشكلة للادارة الفرنسية في ظل تخصيص مساعدات لا تتحملها فرنسا راهناً في ضوء تداعيات وباء الكورونا.

والمخرج في تقديم المساعدات للمدارس هو على خلفية عدم ترك الانهيار يأخذ مداه اجتماعياً من جهة لكن اكثر لان الانهيار سيكون اكثر كلفة على الدول الغربية او العربية التي تدعم لبنان في الاصل فيما هذا الانهيار الذي يعود في جزء منه الى الكباش الاميركي الإيراني وسعي ايران الى تثبيت نفوذها في لبنان وتكريسه ربما يؤدي اذا تُرك لبنان لوحده لان تلحق بإيران ومعها ” حزب الله” اضرار اقل بكثير مما يمكن ان يصيب الدول الغربية او العربية التي تمتنع حتى الان عن مساعدة سلطة لبنانية يسيطر عليها الحزب مدعوماً من ايران.

الجانب السياسي سارعت الولايات المتحدة الى منع امكان استثماره من ايران وذراعها اللبناني عبر تقديم مساعدات مالية الى جامعتين على صلة بالنظام التعليمي الاميركي وهما الجامعة الاميركية في بيروت والجامعة اللبنانية الاميركية، وكل منهما تضم تلامذة من كل الطوائف. فتتجنب بذلك دعم فريق سياسي او طائفة في حد ذاتها وكذلك بالنسبة الى فرنسا في دعمها المدارس الكاثوليكية المنتشرة في كل المناطق اللبنانية.

هذا الاداء يعكس بوضوح اقتناعاً كبيراً بأن لبنان في ظل سيطرة سياسية تقبض عليه وتتشدد في ذلك على خلفية الصراع الايراني الاميركي، سيبقى اسير هذا الواقع من دون قدرة على التفلت وعدم قدرة الخارج او افتقاره الى الوقت والآلية للاهتمام بلبنان كملف في حد ذاته فيما هو مرتبط عضوياً بما يجري في المنطقة.

ويدرك الجميع ان هناك عقماً لدى المسؤولين الذين لا يودّون القيام بأي تنازل يساعد في وقف الانهيار حفاظاً على مواقعهم ومصالحهم، مما يعطل استفادة لبنان من اصلاحات يستفيد منها شعبه ومن قروض يقدمها صندوق النقد الدولي. يفضل هؤلاء انتظار الحلول في المنطقة بما يخفف الضغط السياسي على لبنان من دون كلفة الاصلاحات وتأثيرها على مصالحهم اياً تكن كلفة ذلك على البلد.

لكن هذا غير مهمّ في الواقع باعتبار ان الشعوب تدفع دوماً ثمن الاضرار وتكون هي بمثابة اضرار جانبية في كل الحروب عسكرية او اقتصادية كانت. ولا شك ان هذه المساعدات الفرنسية او الاميركية او سواها تخفف من الضغوط على السلطة حكماً وحكومة فتسمح لها بالمضي في القيام بما تقوم به من دون لامبالاة فعلاً فيما بلغت صفاقة بعض المسؤولين الطلب من لودريان تقديم المساعدات على خلفية ان لبنان في العناية الفائقة راهناً. وحين يكون المريض في العناية الفائقة يتم اسعافه ليبقى حياً ثم يطلب منه لاحقاً القيام بما يتعيّن عليه القيام به.

وهذا يدل على مدى اليأس فعلاً بأن اي اصلاحات ستنجز فعلا وتالياً صعوبة الحصول على قروض من صندوق النقد الدولي او على جواز منه يتيح تلقي المساعدات التي اصبحت كلها ربطاً بما يقدمه الصندوق. فإزاء ما تعتبره السلطة حصاراً على لبنان اي ان يقوم بالاصلاحات تحت الضغط فإنه لن يقوم بها.

هل يعتبر ذلك تنازلات غربية وخارجية في معركة الاصلاحات تنتصر فيها السلطة التي تضم راهناً ” حزب الله” والقوى الحليفة على الضغوط الغربية والعربية؟

قد يعتبرها كثر كذلك في معركة عضّ الاصابع القائمة على رغم ان العجز الذي تمارسه السلطة انما يعبّر عن امرين، احدهما هو عدم اظهار افرقاء السلطة الحالية الرغبة او القدرة في بناء الدولة ومؤسساتها بل هناك نهش لها ومحاولة للاستفادة منها بأي ثمن كان وابقائها ضعيفة . اما الامر الآخر فهو الدفع بلبنان الى ان يكون دولة فاشلة لا تستطيع العيش والاستمرار . وهنا الرهانات قوية على امتداد المنطقة، اما لفدراليات طائفية واما حكماً ذاتياً طوائفياً من ضمن الدول نفسها .

والكثير مما يجري في السيطرة الطوائفية عبر افرقاء السلطة يستكمل ما جرى في سوريا من تهشيم وتهميش للطائفة السنية واعلاء شأن ما عمل عليه النظام السوري اي تحالف الاقليات في المنطقة .

فلا يمكن الامعان في تدمير لبنان اقتصادياً ومالياً وتربوياً وصحياً من دون السعي الى ارساء نظام جديد لعلّ بعض اهل السلطة يرون فرصة سانحة لها مع الذكرى المئوية الاولى لاعلان لبنان الكبير . ومواقف فريقي السلطة تعبّر بقوة عن ذلك . اذ ان لا احد فعلا يمكن ان يجيب عن السر الكامن وراء الاستعصاء عن ايجاد حل لملف الكهرباء الذي يكلّف الخزينة اللبنانية ملياري دولار سنوياً وكيف يمكن الذهاب الى تنفيذ الطموح بالرئاسة الاولى لرئيس التيار العوني جبران باسيل في ظل انتقاد دولي للتقاعس في موضوع الكهرباء الذي يمسك به باسيل منذ اكثر من عشر سنوات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات